التقاريرالنشاطات

تقرير ندوة : سؤال الإصلاح في موريتانيا .

 

تقرير ندوة : سؤال الإصلاح في موريتانيا .

 

 

 

 

نظم المركز المغاربي للدراسات الاستراتيجية، بالشراكة مع وحدة دراسات الحكامة، ندوة فكرية حول : «سؤال الإصلاح في موريتانيا»، بحضور جمهور غفير ومتنوع من الباحثين والأكاديميين والمهتمين بالشأن العام.

 

وافتُتحت الندوة بكلمة لرئيس المركز، الدكتور ديدي ولد السالك، تناول فيها أهمية طرح سؤال الإصلاح في السياق الوطني الراهن، مؤكدًا على ضرورة المقاربات الجادة والتشخيص العميق لمختلف الاختلالات البنيوية.

 

وقد أنعش الندوة محاضران رئيسيان هما عبد الله ولد السيف وأحمد ولد هارون، فيما تولّى رئاسة الجلسة سيدي ولد سيد أحمد.

 

مداخلة رئيس المركز.

قال رئيس المركز، إن تناول مسألة الإصلاح في موريتانيا يقتضي العودة إلى لحظة نشأة الدولة، موضحًا أن الدولة الموريتانية نشأت في سياق استعماري وبإرادة فرنسية، أكثر مما كانت ثمرة نضال وطني وإرادة وطنية، وأضاف قائلاً إن هذه النشأة تمت في ظل غياب الاستعداد المجتمعي والمؤسساتي، سواء من حيث المصادر البشرية المؤهلة أو الإمكانيات المالية الضرورية لبناء دولة حديثة.

 

وأوضح أن أبناء الدولة الموريتانية لم يكونوا مستعدين لتلك الولادة، مما جعل الدولة تعاني منذ بدايتها من اختلالات بنيوية عميقة، حيث نشأت المؤسسات قبل ترسخ الثقافة الدستورية، وتقدمت الدولة على حساب تشكل الأمة السياسية.

 

وأضاف رئيس المركز أن ضعف المصادر البشرية والموارد المالية، حال دون القيام بالإصلاحات الضرورية في المرحلة التأسيسية، وهو ما أدى إلى قيام دولة هشة تعاني من ضعف الإدارة وغياب الكفاءات والتبعية الاقتصادية، فضلًا عن غياب رؤية إصلاحية شاملة.

 

وأشار إلى أن سنة 1978 شكلت محطة مفصلية في تاريخ الدولة الموريتانية، حيث دخلت المؤسسة العسكرية إلى المجال السياسي. وهذا الدخول لم يكن ظرفيًا، بل تحول إلى عنصر بنيوي في منظومة الحكم، مما أدى إلى اختلال عميق في توازن السلطة، وتراجع الحياة السياسية والمدنية، وتعطيل تطور مؤسسات الدولة.

 

وأكد رئيس المركز أن الأوضاع بعد 1978 تفاقمت إلى درجات غير معقولة، وأن الأزمة لم تعد مقتصرة على السياسات العمومية، بل أصبحت أزمة شاملة مجتمعيا ومؤسسيا.

 

وأضاف قائلاً إن موريتانيا لا تعاني اليوم من أزمة أشخاص أو حكومات، بل من أزمة نظام ، تتركز فيه السلطة بيد رئيس الجمهورية، الأمر جعل مبدأ الفصل بين السلطات، مبدأ صوريا ساهم في هشاشة المؤسسات الدستورية، وبرلمان محدود الصلاحيات، وقضاء يفتقر إلى الاستقلال الحقيقي.

 

وفي هذا السياق، طرح رئيس المركز سؤال أولويات الإصلاح، متسائلًا عن نقطة الانطلاق الصحيحة، ومضيفًا أن الخلاف القائم لا يتعلق بضرورة الإصلاح، وإنما بترتيب أولوياته واختيار مدخله المناسب.

 

مضيفا، أن الإصلاح الدستوري يمثل المدخل الأساسي والحتمي لكافة الإصلاحات، موضحًا أن الدستور الحالي يمنح رئيس الجمهورية سلطات واسعة ، ويكرس هيمنة السلطة التنفيذية على السلطتين التشريعية والقضائية، مما يجعل أي إصلاح سياسي أو اقتصادي أو إداري في ظل هذا الإطار إصلاحًا شكليًا ومحدود الأثر.

 

وأضاف أن إعادة النظر في الدستور، بما يضمن الفصل والتوازن بين السلطات وتعزيز استقلالية المؤسسات، شرط أساسي لبناء دولة القانون والمؤسسات.

وأكد أن الإصلاح السياسي يأتي كنتيجة طبيعية للإصلاح الدستوري، ويشمل تنظيم الحياة الحزبية، وضمان نزاهة الانتخابات، وتعزيز دور البرلمان، وتحييد الإدارة، وترسيخ التداول السلمي على السلطة، محذرًا من القفز إلى إصلاحات سياسية دون معالجة الإطار الدستوري.

وأشار في ختام مداخلته إلى وثيقة صادرة عن المركز المغربي للدراسات الاستراتيجية سنة 2025، تناولت مسألة الإصلاح الشامل، وخلصت إلى أن المدخل الدستوري يمثل شرطًا أوليًا لأي إصلاح جاد ومستدام في موريتانيا.

بعد كلمة الدكتور ديدي ولد السالك، تناول الكلمة رئيس الجلسة، حيث قدّم المحاضرين الرئيسيين، قبل أن يمنح الكلمة تباعًا للمحاضر الأول ثم للمحاضر الثاني.

وفيما يلي أبرز ما جاء في مداخلتيهما:

 

 

أولًا: كلمة المحاضر عبد الله ولد محمد ولد السيف

 

قال المحاضر: إن المجتمع الموريتاني يعاني من أزمة بنيوية ثلاثية الأبعاد، لا يمكن فهمها أو معالجتها من زاوية واحدة، موضحًا أن هذه الأزمة تتقاطع فيها أبعاد الحكم والمجتمع والحكامة، وتشكل في مجموعها جوهر الإشكال القائم.

وأوضح أن البعد الأول يتمثل في أزمة حكم، تعود جذورها إلى النشأة المفاجئة للدولة الموريتانية، حيث طُرحت منذ البداية ثلاثة أسئلة كبرى لم يتم الحسم فيها، وهي: سؤال التنمية، وسؤال التنوع، وسؤال الرق ومخلفاته، مضيفا، أن هذه الأسئلة لم تُعالج معالجة جذرية، وإنما جرى ترحيلها من نظام إلى آخر، مما أدى إلى تراكمها وتحولها إلى مصادر توتر دائمة داخل بنية الدولة والمجتمع.

وأشار إلى أن البعد الثاني للأزمة هو أزمة مجتمع، تتجلى بوضوح في فشل النخب السياسية، سواء في صفوف الموالاة أو المعارضة، في الاضطلاع بدورها التاريخي، وأن هذا الفشل انعكس في عجز هذه النخب عن إنتاج مشروع وطني جامع، وعن تأطير المجتمع سياسيًا وفكريًا، وعن تقديم بدائل إصلاحية حقيقية، مما عمّق فجوة الثقة بين المجتمع والفاعلين السياسيين.

أما البعد الثالث، حسب المحاضر، فيتمثل في أزمة حكامة، تتجسد في المنع من الحقوق، وغياب المحاسبة، وضعف آليات الرقابة، وانتشار الإفلات من العقاب، مؤكدا أن غياب الحكامة الرشيدة أسهم في ترسيخ الإحباط العام، وأضعف علاقة المواطن بالدولة.

وفي حديثه عن آفاق الإصلاح، قال المحاضر،  إن أي تصورات للإصلاح داخل سقف الدولة الحالية، يجب أن تقوم على جملة من المبادئ الأساسية، في مقدمتها الفصل الواضح بين السياسي والمهني، وضمان ثبات واستقلال آليات الحكامة، وعدم إخضاعها لتقلبات السلطة أو الحسابات السياسية.

وختم مداخلته بتقديم خلاصتين، الأولى تتعلق بوجود قضايا عالقة جرى التعامل معها في السابق عبر معالجات خاطئة أو ناقصة، مما أدى إلى إعادة إنتاج الأزمة بدل حلها، أما الخلاصة الثانية، فتتعلق بانتشار تصورات وهمية عن واقع قائم، سواء فيما يخص حالة الدولة أو مستوى الإصلاح، وهو ما يعمق الفجوة بين الخطاب والواقع.

ثانيًا: محاضرة الدكتور أحمد ولد  هارون ولد الشيخ سيديا.

تساءل المحاضر في مستهل مداخلته: من أين يبدأ الإصلاح ؟ وبأي منطق ينبغي أن ينطلق؟، معتبرًا أن هذا السؤال هو جوهر النقاش الإصلاحي في موريتانيا.

وأوضح أنه ليس من المؤكد أن الضباط الذين تولوا السلطة في مراحل مختلفة، كانوا جميعًا يمتلكون إرادة إصلاح حقيقية، غير أن المؤكد، حسب قوله، هو أن الظروف المحيطة بتلك المراحل كانت تفرض الإصلاح فرضًا، وأضاف أن النخب السياسية المدنية، في كثير من الأحيان، ضيّعت تلك الفرص، ولم تستطع تحويل اللحظات الحرجة إلى مسارات إصلاح مستدامة.

وأشار الدكتور أحمد  لد الشيخ سيديا، إلى أن طرق الإصلاح في تاريخ البشرية محدودة جدًا، ولا تخرج عن ثلاث مسارات رئيسية،  المسار الأول هو إصلاح القمة المتنورة، وهو نموذج نادر في التاريخ، ويتطلب قيادة استثنائية تمتلك رؤية وإرادة وقدرة على الفعل، أما المسار الثاني، فهو إصلاح النخبة، وهو مسار بطيء ومتدرج، لكنه الأكثر واقعية واستدامة، بينما يتمثل المسار الثالث في إصلاح الثورة الشاملة، وهو طريق محفوف بالمخاطر، وقد يؤدي إلى نتائج غير محسوبة.

وأكد المحاضر أن إصلاح النخبة يظل الخيار الوحيد الممكن والواقعي في السياق الموريتاني، نظرًا لبنية المجتمع، وطبيعة الدولة، وتوازنات القوة القائمة، وأن هذا المسار يتطلب نخبًا واعية، قادرة على تجاوز الحسابات الضيقة، والعمل بمنطق المصلحة العامة.

وفي سياق حديثه عن شروط نجاح الإصلاح في موريتانيا، شدد ولد الشيخ سيديا على أن مطلب الإصلاح لا يمكن أن يتحقق دون توفر جملة من الشروط الأساسية، في مقدمتها:

  • بناء دولة حديثة وقوية قادرة على فرض القانون،
  • محاربة الفساد بوصفها شرطًا لا غنى عنه لأي إصلاح جاد،
  • حل الإشكال العرقي بما يضمن العدالة والمواطنة المتساوية،
  • وحل الإشكال اللغوي على أسس توافقية تعزز الوحدة الوطنية.

 

وختم مداخلته بالتأكيد على أن الإصلاح ليس حدثًا معزولًا أو قرارًا إداريًا، بل هو مسار طويل يتطلب وعيًا جماعيًا، ونخبًا مسؤولة، وإرادة سياسية حقيقية.

بعد المحاضرتين الرئيسيتين، فُتح باب النقاش أمام الحضور، حيث توالت المداخلات تباعًا وفق ترتيب المسجلين، وشهدت الندوة تفاعلًا لافتًا ونقاشًا غنيًا عكس حجم الاهتمام بموضوع الإصلاح ومختلف أبعاده.

حيث أجمع المتدخلون على أن الفساد بات ينخر مختلف مناحي الحياة العامة، ولم يعد مقتصرًا على مستوى بعينه، بل أصبح ظاهرة بنيوية تمس الإدارة والاقتصاد والمجتمع، وأكد عدد من المتدخلين أن المجتمع نفسه، في كثير من الأحيان، يساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في تشجيع ممارسات الفساد، سواء عبر الصمت عنها أو التعايش معها أو تبريرها.

 

وشدد الحضور على أن الإصلاح لم يعد خيارًا سياسيًا قابلًا للتأجيل، بل أصبح ضرورة ملحّة إذا ما أُريد الحفاظ على ما تبقى من مقومات الدولة، وصون تماسك المجتمع، ومنع مزيد من التآكل في الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

 

وفي هذا السياق، ركز بعض المتدخلين على المسألة الشرائحية، معتبرين أنها من أبرز معوقات الاستقرار الاجتماعي، وتتطلب معالجة جادة وعادلة تعيد الاعتبار لمبدأ المواطنة المتساوية، في حين ركز آخرون على الإصلاح الاقتصادي، مؤكدين أن غياب العدالة في توزيع الثروة، وضعف فرص التشغيل، واستشراء الفساد المالي، كلها عوامل تغذي الإحباط الاجتماعي وتعرقل أي مسار إصلاحي.

ورغم تنوع زوايا المقاربة، فقد أكد جميع المتدخلين على ضرورة الشروع الفوري في الإصلاح، محذرين من أن التباطؤ في إطلاقه أو الاكتفاء بإجراءات شكلية من شأنه أن يعمق الأزمة ويزيد من كلفتها السياسية والاجتماعية.

 

وفي ختام النقاش، ردّ المحاضران الرئيسيان على أسئلة الجمهور وتعقيبات المتدخلين، حيث قدّما توضيحات إضافية حول مختلف القضايا المطروحة، وأجابا عن الإشكالات المرتبطة بمسارات الإصلاح وأولوياته، مؤكدين على أهمية استمرار الحوار الجاد والمسؤول بين النخب والمجتمع حول قضايا الإصلاح في موريتانيا.

وخلص الجميع في نهاية الندوة ، إلى جملة من التوصيات:

  1. التأكيد على أن الإصلاح ضرورة وطنية ملحّة لا تحتمل التأجيل، لما له من أهمية في الحفاظ على مقومات الدولة وتماسك المجتمع.
  2. التشديد على شمولية الإصلاح وضرورة تناوله لجميع القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحكامة بوصفها قضايا مترابطة.
  3. اعتبار الإصلاح الدستوري المدخلَ الأساسَ لجميع الإصلاحات، من خلال إعادة التوازن بين السلطات، وتعزيز الفصل بينها، وتقييد تغوّل السلطة التنفيذية.
  4. التأكيد على أن الإصلاحات السياسية تأتي مباشرة بعد الإصلاح الدستوري، بما يشمل إصلاح المنظومة الحزبية والانتخابية، وضمان التعددية، وتوسيع المشاركة السياسية.

5.الإصلاح الإعلامي ركيزة أساسية في مسار الإصلاح الشامل، من خلال ضمان حرية الإعلام واستقلاليته، وتعزيز المهنية والمسؤولية، وتمكين الصحفيين من الوصول إلى المعلومة، بما يجعل الإعلام شريكًا فاعلًا في ترسيخ الشفافية والمساءلة.

  1. التأكيد على أن بقية الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والإدارية تأتي تباعًا بعد ترسيخ الإصلاحين الدستوري والسياسي، لضمان نجاعتها واستدامتها.
  2. الدعوة إلى إرساء تنمية حقيقية قائمة على أسس سليمة، تضمن العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، وتحدّ من الفوارق الاجتماعية.
  3. المطالبة بمحاربة الفساد بشكل صارم ومنهجي، وتفعيل آليات المحاسبة وربط المسؤولية بالمحاسبة دون انتقائية.
  4. التأكيد على ضرورة معالجة القضايا الاجتماعية العالقة، وعلى رأسها المسألة الشرائحية، في إطار وطني جامع يقوم على المواطنة المتساوية.
  5. التنبيه إلى أهمية التعاطي المسؤول مع الإشكالين العرقي واللغوي بما يعزز الوحدة الوطنية ويحفظ السلم الاجتماعي.
  6. الدعوة إلى الإسراع في إطلاق مسار إصلاحي شامل، والتحذير من مخاطر التباطؤ أو الاكتفاء بإصلاحات شكلية.
  7. التأكيد على دور النخب السياسية والفكرية في قيادة مسار الإصلاح وتقديم تصورات واقعية وقابلة للتنفيذ.
  8. الدعوة إلى استمرار الحوار العلمي والمؤسسي حول قضايا الإصلاح وتوسيع فضاءات النقاش العام.

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *