تأثير أزمة الدولة القطرية على امن الإنسان العربي.
الدكتور ديدي ولد السالك
إن ما تشهده الساحة العربية الآن من غليان وحراك سياسي واجتماعي في شكل انتفاضات شعبية، ووصل إلى ثورة في كل من تونس ومصر، يعبر عن حالة الاحتقان وانسداد الأفق التي يعيشها الوضع العربي بصفة عامة، كما يكشف عن حجم الأزمة التي تردت فيها الدولة العربية القطرية، وفشلها في تحقيق الشعارات التي رفعتها عند الاستقلال من المستعمر ، وعجزها المزمن طيلة النصف الثاني من القرن العشرين عن بلوغ أهداف التنمية، وعن صيانة كرامة الإنسان العربي وحماية حقوقه وأمنه، وانتشار الفساد في مختلف مفاصلها واستبداد أنظمة الحكم فيها، وهذه الوضعية يصفها، محمد عابد الجابري، بالقول :إن الدولة القطرية قد ( استنفذت كل ممكناتها وحققت كل ما يمكن تحقيقه من طموحاتها، وبدأت تشعر أنها أصبحت عبئا على نفسها أو أنها ستغدو كذلك في وقت ليس ببعيد)، وينطلق ذلك القول من أخفاق تلك الدولة في مشاريع التنمية، التي حاولت انجازها خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وهو ما زاد في تعميق مشاكلها، حيث عرفت هذه الدولة منذ نشأتها عديد الأزمات وبشكل دوري، إلا أن أزمتها بدأت في التفاقم في العقود الثلاثة الأخيرة، مع تصاعد أزمة المديونية والبطالة والحرمان الاجتماعي وتعمق ممارسات الاستبداد السياسي، حتى تفكك بعضها كحالة الصومال، وبات بعضها مهددا بالتفتت الداخلي كالسودان واليمن والعراق، وبعضها مهددا بالإفلاس المالي وهي وضعية أغلبية الأقطار العربية، وبعضها مهددا بالتطرف الديني والطائفي كلبنان وموريتانيا والجزائر واليمن وليبيا، وهي جميعا تشكو من فجوة متزايدة بين المجتمع والدولة، تكاد تصل إلى حد القطيعة الكاملة بين الشعب والنخبة الحاكمة. كما تشكو جميعا من التبعية المتزايدة للأطراف الدولية.
ووضعية الأزمة هذه، المتعلقة بموضوع الدولة القطرية العربية، عبّر عنها العديد من الدارسين والباحثين العرب والأجانب، ابتداء من منتصف الثمانينات من القرن العشرين([1])، لأن الأوضاع التي آلت إليها الدولة القطرية كانت مخيّبة للآمال وبعيدة عن كل التوقعات، فأزمات في كل مناحي الحياة ابتداء بالعجز عن توفير الخبز وصولا إلى عدم التمكّن من التحكم في التكنولوجيا.
وتستوي في هذه الوضعية الأقطار الغنية والأقطار الفقيرة، ولوصف وضعية الدولة القطرية وأزمتها استخدمت عدّة مفاهيم منها:
“الدولة التسلطية” و”الدولة التابعة” و”دولة ما بعد الاستعمار” و”الدولة الريعية” و”الدولة الرخوة” و”الدولة الرعوية” و”دولة المخابرات”. وقد استندت أغلب دراسات الدولة في الوطن العربي على عدّة مقولات ومنطلقات عامة منها:
أن جانبا من المشكلات التي تشهدها العديد من الأقطار العربية في الوقت الراهن، إنما يرتبط بظروف ونشأة هذه الأقطار ككيانات سياسية، وأن بعض هذه الأقطار لم تستكمل عملية البناء المؤسسي بعدُ، وهو ما ينعكس على طبيعة علاقاتها بمجتمعاتها من ناحية، وبالنظام العالمي من ناحية أخرى، ومن الافتراضات والمقولات الأخرى في هذا الصدد أن ضعف الدولة القطرية يعود في جزء منه إلى غياب المجتمع المدني وضعف دور ما هو موجود منه وتهميشه، لأن غياب التنظيم المؤسسي للدولة والوسائط الاجتماعية والمدنية بين الدولة والمجتمع التقليدي، التي يمثلها المجتمع المدني، يفتح الباب للفوضى وعدم الاستقرار والحروب الأهلية، وربما تفكيك الدولة القطرية ذاتها، هذا طبعا بالإضافة إلى بعض المشكلات القديمة التي ورثتها الدولة القطرية، سواء من مرحلة المجتمع التقليدي أو من مرحلة الاستعمار، والتي استمرت وتفاقمت دون أن تنجح النخب الحاكمة في هذه الدولة القطرية في حلها أو احتوائها.
واستمرار أزمة الدولة القطرية العربية وتعمقها مع الزمن، جعل العرب يظهرون في العصر الحديث بين الأمم والشعوب وكأنهم، ففقدوا الحس الاستراتيجي والحس التاريخي والحس بالاتجاه، فالحس الاستراتيجي، يوحد الأمة تجاه قيم ومصالح أساسية تمس وجودها ككل، أما الحس التاريخي فيزوّد الأمم بالشعور بوحدتها وتضامنها وإبداعها ودورها في الحضارة البشرية، وهو الذي ينتج الحس بالاتجاه الذي يؤدي إلى الإجماع حول مشروع حضاري سياسي تتكاتف النخب على تحقيقه على مراحل، أما فقدان الحس بالاتجاه فيؤدي إلى الضياع، بل يصيب الأمم بالشلل وعدم القدرة على الرؤية والحركة([2])، وهذه الوضعية تكاد تكون هي وضعية أغلبية الأقطار العربية في الوقت الراهن، لكن قبل التوسع في الموضوع ينبغي لفت الانتباه إلى مسالة في غاية الأهمية، وهي أن معالجة أوضاع الدولة القطرية العربية بشكل خاص والبحث عن سبل الوحدة العربية بشكل عام، ينبغي أن يمر حتما بالاعتراف بهذه الدولة، بوصفها أصبحت واقعا تاريخيا وجغرافيا قائما له خصوصيته في كل بلد عربي، وبالتالي فإن الوحدة العربية المنشودة أو التكامل الاقتصادي في الحد الأدنى، يمر حتما عبر التعامل مع الدولة القطرية وتقويتها وتقويم اعوجاجها بعيدا عن الخطابات المثالية الحالمة، خاصة أن واقع هذه الدولة القطرية في ظل التحولات الدولية والإقليمية والمحلية، يظهر أنها تعيش أزمة تجعل حاضرها مهددا ومستقبلها غير مضمون، وهو ما يتهدد أمن الإنسان العربي بشكل مباشر، وما الانتفاضات المندلعة الآن في أكثر من قطر عربي إلا خير مثال على ذلك، وللإحاطة بأهم جوانب الموضوع، سنتناوله من خلال المحاور الثلاثة التالية:
المحور الأول : أسباب أزمة الدولة القطرية
إن من ينظر اليوم إلى أوضاع الدولة العربية القطرية يلاحظ دون عناء، أنها تعاني من أزمات حادة ومزمنة، لكن الصعوبة تكمن في تحديد الأسباب التي تقف وراء تلك الأزمات، لتداخلها وتوغل جذور بعضها في الماضي العربي البعيد، والتباس علاقة العرب تاريخيا بالدولة، من حيث الشكل والدور وارتباط ذلك بطريقة إدارتها وبمن يديرها؟ وقد لا يقل دور العامل الفكري وما راكمه من معطيات عن الدولة العربية القطرية، عن سابقه، مع صعوبة تميز العلمي فيه من العاطفي الوجداني، وجاء العامل الدولي وممارساته الاستعمارية في المنطقة العربية، ليزيد علاقة العرب التباسا بالدولة القطرية، التي كان ظهورها بشكلها الحالي نتيجة سياساته في هذه المنطقة، وفي ما يلي سنحاول أبراز أهم أسباب أزمة الدولة العربية القطرية:
أولا : رفض الفكر القومي للدولة القطرية
يعتبر البعض أن الخطاب القومي العاطفي انطلق من رفض كل دولة وطنية أو قطرية والمطالبة بإذابة الوطني في مفهوم العروبة التراثي والوجداني”[3]” وعلى ذلك رُكبت تحليلات سياسية خاطئة، وإن كانت من الناحية الاقتصادية مقبولة، لعدم نجاعة الدولة الوطنية اقتصاديا بمعزل عن الاندماج في محيطها القومي استراتيجيا، ونسيت هذه الأطروحات أن تلتفت إلى تطوير الدولة القطرية في غياب العجز عن تجسيد دولة الوحدة القومية المنشودة، والفصل التام بين التمنيات والرغبات وحقيقة الواقع الداخلي العربي المتردي العاجز عن تلك الأمنيات إلى حقائق على الأرض، والمدعوم كذلك بواقع دولي يقف حائلا دون التقدم في تحقيق أهداف العرب في الوحدة والنهوض، ونتيجة لذلك أصبح مفهوم القطري مفهوما ضائعا بين عدم التحديد المعرفي وبين الهوية القومية ” المؤملة ” الأمر الذي خلق تعارضا وهميا بين القطري والقومي كان الجميع في غنى عنه، بل كان ضرّه أكثر من نفعه. وبالتالي من المهمّ الابتعاد عن النظرة السائدة في الوعي العربي، البعيدة عن الواقعية السياسية ومنطق التدرج.
وخلفية هذه الأحادية في الفكر القومي العربي والمشرقي منه بصفة خاصة، أنه قام على مواجهة مخطط “سايكس – بيكو” التجزئي في المنطقة العربية، من هنا بدت الظاهرة القطرية في الوعي العربي الحديث، وكأنها “خطيئة أولى” لا يمكن للعربي أن يتعامل معها إلا وهو ” متلبس “، على الرغم من أن الواقع القطري هو الواقع اليومي المعيش على مختلف الأصعدة لكل مواطن عربي، وهي منطلق ومنفذ لكل تعاطي قومي إقليمي أو دولي، بغض النظر على المواقف من هذا أو ذاك.
في حين كان من المفروض من البداية الاعتراف بأن الدولة القطرية ، ليست حالة عابرة أو ظرفية ، وإنما ينبغي التعامل معها كحالة واقعية ، مما يحتّم العمل على تطويرها في الاتجاه الصحيح أي تجاه التكامل والاندماج العربـي، بتحويل الحالة القطرية العربية من وضعية الشك عند البعض والرفض عند البعض الآخر، إلى حالة مقبولة عند الجميع، بوصف الدولة القطرية يمكن أن تكون عنصرا فاعلا في البناء الوحدوي العربي، وهي المسألة التي إذا تحققت، ستحول النظام الرسمي العربي من حالة الشلل إلى الفاعلية، إلا أن ما حصل في النصف الثاني من القرن العشرين، وهي الفترة التي حصلت فيها أغلبية الأقطار العربية على استقلالها من الاستعمار الغربي، هو التمسك بالقطرية المفرطة، حتى تحولت إلى حالة مَرَضية رغم تمسك الجميع الظاهري بالنظام العربي وبعقيدته القومية القائمة على السعي على تحقيق الوحدة العربية.
والحقيقة أن هذه الازدواجية لم تكن فقط على مستوى الحكومات التي كثيرا ما يلقى على عاتقها مسؤولية الأوضاع الحالية، وإنما أيضا على مستوى النخب العربية وإفراد الشعب العادين، فأغلبية الأقطار العربية ساهمت بشكل مباشر أو غير مباشر، في تعطيل العمل العربي المشترك، الساعي إلى التنسيق بين المصالح القطرية الخاصة والمصالح العربية الجماعية، لمواجهة التحديات التنموية الداخلية المشتركة وتحديات الأمن والتدخل الخارجي، لأن النـزعة القطرية حالت دون ربط المصلحة الذاتية والخاصة لكل قطر بالمصلحة العربية العليا .
ثانيا : دور القوى الخارجية في عرقلة مسار الاندماج العربي :
بعد انهيار الحكم العثماني للوطن العربي، قامت قوى الاحتلال البريطانية والفرنسية بتقسيمه إلى كيانات قطرية؛ لذا فعملية نشوء هذه الكيانات القطرية العربية تمت بشكل قسري، ولم يراع في جعل الحدود السياسية للدولة القطرية، أن تكون متجانسة مع الحدود الاجتماعية أو القبلية والعشائرية والطائفية وحتى العرقية؛ بمعنى آخر استقطبت الدولة القطرية العربية، مجتمعات غير متجانسة بل متصارعة أحياناً عرقياً وطائفياً وعشائرياً أو مذهبياً، وهذا التكوين أو النشوء القسري للكيانات القطرية، جعلها في بعض الأحيان مهيأة “تلقائياً” لاستمرار التدخل الخارجي، لتوفر الأجواء السياسية والاجتماعية والاقتصادية لذلك، كما ساهمت النظرة السائدة عند الدول الاستعمارية بشكل خاص والدول الغربية بصفة عامة، أن وصول العرب إلى أي مستوى من مستويات الوحدة، يمثل تهديدا لمصالحها، وللحيلولة دون تحقيق أي نوع من أنواع الوحدة العربية أو الاندماج الاقتصادي والاجتماعي، طبقت تلك القوى سياسة فرق تسد، عبر غرس بذور الخلاف بين الأقطار العربية، ويستوي في ذلك الدول الغربية، التي لها مصالح آنية أو التي استعمرت بعض بلدان هذه المنطقة لفترات طويلة، والتي عملت على إيجاد مصادر للنــزاع لاستمرار نفوذها، كما أن إخفاق تجارب التنمية المستقلة، التي طبقتها هذه الأقطار بعد حصولها على الاستقلال وتخليها عن مشاريع التحرر الاقتصادي، أدى بها إلى الاستسلام للتبعية للسوق العالمي، وهو ما يعني أن عهد الاستعمار بصورته العسكرية قد انحصر في معظم الأقطار العربية، إلا أن آثاره ما تزال قائمة بالنسبة إلى الكثير منها.
حيث تشير معطيات الواقع الدولي إلى تهميش النظام العربي لصالح التدخل الأجنبي وبفعل بعض أعضاء النظام نفسه، لمزيد إحكام تبعية الدولة القطرية للقوى الخارجية، وقد تضاعفت هذه الضغوط في عقد التسعينيات من القرن العشرين، كما انضمت بعض القوى الإقليمية من دول الجوار إلى قائمة الأطراف الخارجية الضاغطة، وعلى رأس هذه القوى الإقليمية تأتي إسرائيل وتركيا وإيران.
وقد تجاوزت الدول الكبرى مرحلة الضغوط إلى استخدام القوة السافرة ضد بعض الأقطار العربية، ودون ردّ فعل عربي جماعي لمواجهة هذا النوع من الاعتداءات، ذلك إستراتيجية القوى الكبرى بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، لا تهدف إلى منع التضامن العربي فقط، بل تسعى إلى استخدام أسلوب الإيقاع والتفرقة كأداة معززة لإستراتيجية التفتيت، الأمر الذي جعل مكانة العرب تستقر كطرف متلقي لا يمتلك قرار الحد الأدنى، القائم على توظيف بعض الإمكانات من أجل بلورة ما يعرف بقدرات الفاعل الدولي الذي تخوله لعب دور على الصعيد العالمي.
بفعل هذه الوضعية المزرية، تحولت المنطقة العربية إلى أكبر منطقة في العالم “أمركة” على الصعيد السياسي والاستراتيجي، وبمعنى آخر الأكثر تعرّضا للاختراق السياسي الأمريكي، وهو ما يتضح أكثر في تأثيرها في صياغة السياسات العربية، وتحديد الأولويات الفعلية لهذه السياسة، والتدخل الفاعل في العلاقات العربية – العربية، وفي أدق تفاصيلها، مما جعل الأقطار العربية تفضل التعامل بمنطق العلاقات الثنائية لكل قطر على حدة مع القوى الإقليمية ومع التكتلات الاقتصادية الكبرى، وخير مثال على هذا الاتجاه، تعامل الأقطار العربية بشكل انفرادي مع مشروعي الشرق أوسطية والشراكة المتوسطية الأوروبية.
ثالثا : غياب تقاليد الدولة في التاريخ العربي
ما تزال علاقة العرب بالدولة تثير جدلا كبيرا في الأوساط الثقافية العربية والأجنبية، نتيجة طول هذا التاريخ وتشابكه، وانطلاقا من هذه الخلفية، يعتبر البعض أن العرب لم يجرّبوا العيش في نطاق دولة منتظمة وثابتة ودائمة، وفقا للمعنى التقليدي المتعارف عليه للدولة ([4]). فالدولة في التجربة التاريخية للعرب كانت عرضة للإجهاض والانقطاع المتتابع بين وضعية الدولة واللادولة، على التوالي، حيث عاش العرب في نطاق “مجتمع موحد” حضاريا وعقائديا وتشريعيـا وثقافيـا وذلك في إطار الحضارة العربية الإسلاميـة، لكنهم لم يخبروا مثل هذا المجتمع الموحد في المجال السياسي، كما حصل مع بعض الحضارات والدول الأخرى “الحضارة الصينية” مثلا ([5]). فجذور حالة اللادولة في المنطقة العربية هي جذور مجتمعية عميقة تستند إلى تناقض البداوة المطلقة مع حالة الاستقرار والتمركز التي تمثلها الدولة، لأن البدو في الحقيقة لا ينشؤون دولا.
يضاف إلى ذلك أن الفكر السياسي العربي الإسلامي قد تمحور حول مفهوم “الجماعة” أكثر ممّا عالج موضوع “الدولة”، من حيث هي كيان قانوني سياسي اجتماعي مؤسسي قائم بذاته، ويمكن القول إجمالا إن تجربة العرب مع الدولة من أي زاوية نظرنا إليها، كانت تجربة محدودة، متقطعة، غامضة، وأن علاقاتهم بها عموما غلبت عليها السلبية أكثر من الإيجابية([6])، ومن هنا يمكن فهم مقولة ابن خلدون: ( فبعدت طباع العرب عن سياسة الملك ) أي سياسة الدولة، باعتبار أن “الدولة مدرسة السياسة” في حياة الأمم، أي أن العرب بصفة عامة لم تتح لهم هذه المدرسة، إلا بقيام الدولة القطرية التي تمثل أول تجربة للدولة مباشرة في حياة كل عربي، بعد أن كانت أغلبية الوطن العربي قبل قيام هذه الدولة القطرية، تمثل مساحات بلا حدود ولا سلطة لأحد عليها، تتنازعها أيدي الإمارات والقبائل والقوى الأجنبية، ولا يتحقق لأهاليها الحد الأدنى من الاستقرار والأمن والرعاية.
ففي ما عدا القرون الثلاثة الأولى من صدر الإسلام، حيث استطاع العرب الإمساك بدفّة القيادة والسلطة، بالسيطرة القيادية الحضرية في مكة والمدينة ثم دمشق وبغداد على القوى القبلية البدوية الضاربة عن طريق التوجيه والنظام الديني الضابط لقوى البادية، وعن طريق المكانة القبلية ذاتها التي كانت تتمتع بها تلك العناصر القيادية الحضرية المنتمية أساسا إلى قريش وأحلافها، أي أن التاريخ العربي بعد الإسلام قامت فيه ثلاث دول، وإن كانت في شكل إمبراطوري: الدولة الراشدية والدولة الأموية والدولة العباسية ما عدا ذلك فإن تاريخ العرب كان تاريخ سياسة القوى الأجنبية بمختلف مواصفاتها.
والملاحظ اليوم أن النظم العربية الحاكمة على اختلاف توجهاتها وسياساتها المعلنة تستند أساسا إلى جذورها وعصبياتها وتوظف آلياتها ومفاهيمها، الأمر الذي يؤكد تأثيرها البالغ والمستمر حتى الآن في واقع العرب، وربما مستقبلهم إذا تركت تفعل فعلها من دون وعي علمي وفعل عملي تصحيحي وتطويري، لأن الدولة بأجهزتها وآلياتها وتقاليدها السياسية من الكيانات البشرية التي لا يمكن أن تقوم فجأة أيا كانت قوة المبادئ التي تقف وراءها، فهي تحتاج إلى وقت تاريخي طويل لتتأسّس وتنمو وتترسخ، ولا يمكن أن تقوم بالجانب المبدئي المثالي وحده أيا كانت قوته. فهو أحد أركانها الهامة لكنه ليس ركنها الوحيد. والدول التي قامت في التاريخ العربي ذات طابع تجريـبـي في تطورها تحكم فيه الواقع أكثر مما وجهه المثال والفكر الإرادي الواعي، وتتضح هذه التجربة في اختلاف طريقة اختيار كل خليفة من الخلفاء الراشدين، وفي تحول الشورى إلى حرب أهلية، ثم تحول الخلافة إلى وراثة خلال وقت قصير، ثم في قيام سلطنات عسكرية مغتصبة الشرعية في الخلافة التي غدت رمزية إلى غير ذلك من التشكيلات السياسية التي لم تستقر على نمط تنظيمي عامّ واحد، والتي فرضتها الظروف التاريخية القاهرة أكثر من أي شيء آخر”[7]“، ولكثرة ما حصلت الصراعات بين العرب وغابت عنهم الدولة المركزية، صارت تستخدم اليوم ضدّهم، لدعم الافتراض الذي يروّجه البعض ضد العرب، من أنهم لا يحسنون حكم أنفسهم بأنفسهم ويحتاجون إلى من يهيمن عليهم من الخارج، وهذا التأرجح المستمر في تاريخ المنطقة منذ عصر الكيانات القبلية إلى الكيانات القطرية، دون حسم نهائي لصالح أحدهما، لم يؤثر فقط على مسار تطور الدولة القطرية، بل كان له أثره الذي استمر بظلاله مع النظام الإقليمي العربي وانعكس بشكل مباشر على بنيته المؤسسية.
المحور الثاني : مظاهر أزمة الدولة القطرية
رصد جورج طرابيشي في كتابه: “النظرية القومية والدولة القطرية” الصادر عام 1982، بعض من مظاهر فشل الدولة القطرية، من إخفاقها على صعيد قضية فلسطين إلى إخفاقها على صعيد قضية الديمقراطية، مروراً بعجزها عن التحرر من الهيمنة الاستعمارية وعن الخروج من دائرة التخلف إلى دوائر التقدم، على صعيد التنمية، وإخفاقها البين على صعيد الوحدة العربية، وعلى صعيد “تحويل العلاقات الاجتماعية، وتحقيق أمنية الجماهير في العدل الاجتماعي”، وكذلك على صعيد “الإنجاز الأساسي الذي كان يمكن للدولة القطرية أن تباهي به، وهو تحرير المجتمع من سطوة الانقسامات الطائفية والعشائرية وإعلاء صفة المواطنة على كل ما عداها من الانتماءات الموروثة عن العصور الوسطى”.
وفيما يلي سنحاول ذكر أهم مظاهر فشل الدولة العربية القطرية:
أولا : عدم امتلاك الدولة القطرية مقوّمات الدولة الحديثة
في عديد من الحالات تبدو بعض الأقطار العربية، وكأنها لم تستكمل بعد امتلاك مقوّمات الدولة بمعناها الحديث، ويظهر ذلك جليا من خلال التماهي بين كيان الدولة والحاكم الذي يمارس سلطته المطلقة على الدولة، وانتشار البنى والهياكل والتنظيمات ما قبل الدولة في أغلبية الأقطار العربية، من قبلية وطائفية، وهي تنظيمات معادية لوجود الدولة، لطبيعتها المناقضة كيانها ووظيفتها، ووجود البنى التقليدية القائمة على الروابط العضوية، يعني غياب الدولة وضعفها، لأن حضور الدولة وقيامها بمهامها بالشكل الصحيح يقضي على هذه البنى والتنظيمات تلقائيا، والمفارقة في الدولة القطرية العربية، أنه رغم عجزها وترهلها، فإن مؤسساتها قد تضخمت بصورة كبيرة خلال العقود الأخيرة سواء من حيث عددها أو إجمالي العاملين فيها أو نصيبها من الإنفاق العام، وما ترتب عن ذلك من تمدد دورها في الاقتصاد والمجتمع، ومع ذلك ظلت قاصرة في إدارة علاقاتها مع المحيط الدولي والإقليمي، وهو ما يفسّر إخفاقها في تحقيق طموح مواطنيها في التنمية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية والاستقلال الوطني.
ثانيا – غياب الديمقراطية وتجذر العنف في الحياة السياسية العربية.
لقد عانى الواقع العربي تاريخيا من غياب الديمقراطية، بداية من الدولة الأموية التي اتسم تعاملها مع خصومها ومعارضيها بالقسوة والدموية، حتى صارت تصفية المعارضين جسديا ممارسة عادية في التاريخ السياسي العربي، وهذا النهج سارت عليه أنظمة الحكم في العصر الحديث التي قادت الدولة القطرية العربية، الشيء الذي رسخ العنف في الحياة السياسية المعاصرة، وجعله ميزة من مميزاتها، لأن غياب الديمقراطية كآلية وقيم اجتماعية تضبط القرار وتعقلن الممارسة السياسية وتشرك الأغلبية في السلطة وفي إدارة الشأن العام وتخلق قنوات للحوار والتفاوض وتبادل الرأي ومنع الانسداد السياسي والاختناق في المؤسسات، ليس له من نتيجة إلا اندلاع العنف في الحياة العامة بين أطراف الحقل السياسي في كل قطر عربي، بحيث تحولت المنطقة العربية إلى ساحة للعنف بمختلف أشكاله، بعد أن عجزت أنظمة الحكم العربية عن تسوية النـزاعات المتعددة الأشكال المندلعة بين بعض أقطار هذه المنطقة، وتحول الساحة الداخلية في الكثير من الأقطار العربية، إلى ساحة حرب أهلية فكرية وسياسية وعسكرية على نحو ينذر حتى بتحلل هذه الكيانات القطرية.
وتشخيص ظاهرة العنف السياسي في الوطن العربي يقود إلى الاستنتاج أنها ظاهرة مركّبة وناشـئة عن اجتماع وتضافر وتداخل جملة من العوامل والأسباب، منها ما هو تاريخي ومنها ما هو اجتماعي اقتصادي، وبعضها متعلق بالعقل السياسي السائد المتسم بالاستبداد وروح الإقصاء، وحضور العقل الأمني الاستئصالي، القائم على المقاربة السياسية المخابراتية، التي تتعامل مع الظاهرة في تجلياتها الخارجية بعيدا عن المنظومة الكاملة من العوامل التي صنعتها، وقصارى ما يمكن أن تنجح فيه الرؤية الأمنية، هو أن تخمد إلى أمد تجليات هذه الظاهرة من دون أن تستطيع إنهاء أو إلغاء الأسباب التي كانت وراء قيامها، ويقدم محمد حسنين هيكل وصفا لظاهرة العنف في المنطقة العربية قد لا يخلو من الدقـة: (الحرب الأهلية العربية – العربية ليست بالضرورة الحرب المباشرة بين أطراف عربية، وإنما الحروب الأهلية داخل البلدان العربية وبتمويل أطراف عربية أخرى…، إننا بشكل أو بآخر نعيش حربا أهلية عربية أو شبه حرب أهلية عربية، وهذه الحرب الأهلية العربية قائمة ومستمرة منذ وقت طويل جدا، ويخيّل إلي أنها تدور بشكل أو بآخر بين قبائل البدو في الوطن العربي )([8]).
ويمكن عموما تقسيم ظواهر العنف في الأقطار العربية إلى نوعين: ظواهر العنف المادي، وظواهر العنف الرمزي.
1 – ظواهر العنف المادي:
تزايدت وقائع وظواهر العنف السياسي المادي في كثير من الأقطار العربية على نحو رهيب في العقود الأخيرة، من تعذيب وقتل المعارضين السياسيين وصراعات مسلحة بين بعض الأقطار العربية، وخير مثال على العنف المادي الشديد، ما تقوم به بعض الأنظمة العربية في الوقت الراهن من عدوان مسلح على شعوبها لإخماد ثورتها في كل من ليبيا واليمن وسوريا، وتفاقم مظاهر هذا العنف الشديد، يهدد الاستقرار السياسي والاجتماعي ووحدة الكيانات الوطنية القطرية، وقد ساهم الجميع في العنف، ولعل جدلية القمع والتطرف التي تحكم معطيات الحقل السياسي في الأقطار العربية، تهدد بتعريض السلم المدني إلى التصدع, حتى بات العنف الدموي فرديا وجماعيا عنصرا يتزايد بروزه لدى معظم الأنظمة العربية اتجاه شعوبها، وكذلك لدى الحركات السياسية في المنطقة العربية، والمفارقة أن الدولة القطرية العربية “التسلطية”، تحصد الآن ما قد بذرت من بذور العنف، فيما انتهجته من سياسات وسلكته من اختيارات واعتمدته من أساليب، فهي لا تفعل سوى أن تحصد اليوم الثمار المرّة لما كانت قد زرعته، ليحصد معها المجتمع الوطني برمّته حصادا لم تكن له مسؤولية فيه.
2 – العنف الرمزي
لا يقل هذا العنف عن سابقه خطرا، ومن مظاهره الحملات الإعلامية المتبادلة بين السلطة ومعارضيها، عبر المنابر المكتوبة والمسموعة والمرئية ومواقع الانترنت، وكذلك بين أنظمة الحكم العربية، ضدّ بعضها البعض، وإن كانت خفّت حدّته في السنوات الأخيرة، وتتمثل هذه الحملات في التحريض على الخصوم في شكل صريح من العنف اللفظي، كجزء من الحرب النفسية، الهادفة إلى إلحاق الهزيمة المعنوية بالخصم، والخطير في هذا العنف الرمزي الجاري بين شركاء الحقل السياسي في الوطن العربي، أنه يفسد الممارسـة السياسيـة نتيجـة الإرهاب الفكري وأخلاق العدوان.
وهو ما يجعل البنية التحتية للعنف قائمة في كل الأقطار العربية، ويزيد تعقيد الوضع أزمة الثقة المستحكمة بين الشعوب العربية، فهناك أزمة ثقة في الذات العربية كذات جماعية، إنها سلسلة خطيرة من أزمات الثقة قد لا يكون بمقدور العرب تجاوزها في الوقت الراهن، لازدياد الفجوة بين الدولة القطرية العربية والمجتمع وسعيها، للسيطرة عليه من خلال القمع أو بواسطة ممارسات وإجراءات سياسية واقتصادية. بالإضافة إلى عجز هذه الدولة في كثير من الحالات عن المحافظة على وحدة المجتمع وتماسكه، ووقوعها فريسة للحروب الأهلية والصراعات الداخلية على غرار ” لبنان، مصر، الجزائر في السابق، السودان واليمن وليبيا حاليا”، والانهيار الكامل كحالة “الصومال”.
ثالثا – استمرار التخلف والتبعية الهيكلية للخارج
تبعية الأقطار العربية للخارج واقع قائم له مظاهره وأبعاده الاقتصادية والغذائية والعسكرية والأمنية والسياسية، ويمكن اعتبار تحكم مؤسسات التمويل الدولي من أبرز مظاهره، حيث تكاد تتحكم هذه المؤسسات في إدارة السياسات الاقتصادية والاجتماعية وتوجهها في أغلبية الأقطار العربية، وهذه التبعية ليست محصلة الضغوط وعوامل خارجية فحسب، بل هناك قوى اقتصادية وسياسية في بعض الأقطار العربية مرتبطة مصالحها باستمـرار بعلاقـات التبعيـة، كما أن ضعف النظام العربي وتعدد الصراعات داخله، وتواضع حصيلة التكامل الاقتصادي العربي كلها عوامل مشاركة، وغلبة الطابع الريعي وشبه الريعي على عدد من الأقطار العربية، حيث يشير مفهـوم الدولة الريعية إلى كل دولة تحصل على جزء كبير من إراداتها 40 % فأكثر، من مصادر خارجية في شكل ريع، ويشكل الإنفاق العام جزء كبيرا من ناتجها المحلي الإجمالي، وهذه هي وضعية أغلبية الأقطار العربية([9]).
.
رابعا – استشراء الفساد:
تؤكد مؤشرات وظواهر عديدة على أن الفساد أصبح يمثل جزء من بنية الدولة القطرية العربية في عديد من الحالات، حيث ينخرط في ممارسته بشكل مباشر أو غير مباشر، أعداد من شاغلي المناصب السياسية والإدارية والاقتصادية العليا في الدولة، لأنه من شبه المؤكد أن فساد القمة، يؤدّي إلى انتشار الفساد على مستويات إدارية ووظيفية أدنى، حيث أشار المشاركون في المؤتمر الدولي الحادي عشر حول “إستراتيجية مكافحة الفساد” الذي عقد في القاهرة، أكتوبر 2010،ً تحت شعار “الإبداع والتجديد في الإدارة العربية”، إلى أن الفساد كلف الوطن العربي خلال الخمسين عاماً الأخيرة فقط تريليون دولار (1000 مليار دولار)، وهو ما يمثل ثلث الدخل القومي المتراكم في الفترة المذكورة، وهو مبلغ كان بإمكانه حسب تقدير الخبراء أن يزيد في دخل المواطن العربي، بحدود 200 دولار شهرياً ويحقق اكتفاء ذاتياً من الغذاء والماء ويقضي على ظاهرة الفقر والأمية والبطال، كما أكد تقرير صادر عن البنك الدولي عام 2009، عن حجم الفساد المالي في العالم ( تريليون دولار سنويا)، وأن حجم الفساد في الأقطار العربية، ما بين 300 إلى 400 مليار دولار سنويا، وهذا يعني أن هذا المبلغ كفيل بتوفير20 مليون فرصة عمل في العام الواحد، مع العلم أن الوطن العربي يحتاج إلى 5 مليون فرصة عمل جديدة كل سنة، كما أكد المؤتمر الدولي الحادي عشر حول “إستراتيجية مكافحة الفساد”، على أن اغلب الأقطار العربية تعاني من الفساد السياسي، وتأثير المال على صناديق الاقتراع، بما يؤثر على سير العملية الانتخابية، ويخلق فجوة بين الحاكم والمحكومين، وخلق دولة رخوية تفتقد القدرة على علاج المشاكل، مع اختلاف درجات الفساد ووضعياته من قطر عربي إلى آخر، لكن وضعية الفساد هذه تهدد بتقويض أركان الدولة القطرية العربية، لما ينجرّ عنه من التفسخ الاجتماعي والأخلاقي، والأخطر في كل ذلك، أن الفساد متى زاد عن معدّلات معيّنة، فإنه يلتهم برامج وعوائد التنمية([10]).
خامسا- تأثير عدم شرعية الأنظمة على شرعية الدولة .
إن غياب الديمقراطية عن ممارسة أغلبية الأنظمة الحاكمة في الأقطار العربية، أفقدها شرعيتها، وهو ما تولد عنه في كثير من الحالات توسع أزمة الشرعية هذه لتشمل النظام السياسي العربي برمته، لكن الخطير في الأمر أن يصل ذلك إلى اهتزاز شرعية الدولة نفسها، لأن ذلك سيؤدي في المحصلة النهائية إلى زوالها، وقد تعمقت هذه الوضعية بشكل كبير في العقود الأخيرة، نتيجة فشل الدولة القطرية العربية عن تحقيق انجاز أهداف التنمية، والعجز بالتالي عن إشباع حاجيات مواطنيها خاصة في مجال الخدمات الاجتماعية، ويظهر ذلك بوضوح من خلال ظهور بعض الهويات ” القبلية، العشائرية، الطائفية، النـزاعات العرقية ” على حساب الدولة الوطنية ([11]).
وعندما تتزامن أزمة شرعية النظام الحاكم مع أزمة شرعية الدولة، فإن الدولة تصبح عرضة لخطر الصراعات الاجتماعية الممتدة والحروب الأهلية على غرار ما حدث ويحدث في كثير من الأقطار العربية، حيث أصبحت كل الأقطار العربية غنيها وفقيرها، كبيرها وصغيرها، تواجه إما أزمة بقاء أو بقاء الأزمة، لعجزها عن حماية الاستقلال الوطني، وعجزها كذلك عن التنمية الاقتصادية المستقلة، وعن إقرار العدالة الاجتماعية، وعن التجديد الحضاري والثقافي، وعن توسيع دائرة المشاركة السياسية والشعبية، ويظهر ذلك من خلال هيمنة الدولة على المجتمع وتغلغلها في مختلف مجالات حياته وعدم سماحها بقيام المجتمع المدني بدور فعال في إدارة الشأن العام، وهو ما أدى في النهاية إلى تآكل شرعية أغلبية الأنظمة العربية بشكل مطرد، حيث ظهر ذلك للعيان منذ نهاية عقد الثمانيات من القرن العشرين، ومن أبرز أسباب تآكل شرعية أنظمة الحكم العربية ما يلي:
1 – فشل أنظمة الحكم في إدارة الحوار بين القوى الاجتماعية والسياسية
لقد فشلت أغلبية أنظمة الحكم في الوطن العربي في إدارة حوار وطني بين القوى الاجتماعية والسياسية، لأنها غالبا ما كانت طرفا في النـزاع الأهلي وعجز مؤسسات السلطة عن تأدية دورها التقليدي في حماية الوحدة الوطنية، لتفككها وترهلها، وهذا ما حصل في كل من مصر والجزائر مع نهاية الثمانينيات من القرن العشرين، فتعطل الحوار أو اقتصر على فئات محددة، وغابت فئات سياسية مؤثرة في مجريات الحوار الوطني وسط تنافس ظاهر على السلطة([12])، لعجز السلطة السياسية عن إدارة الحوار بين مكوّنات المجتمع السياسي والمدني، وعن حماية الدولة الحاضنة لهذا المجتمع من التفكك، ذلك أن أنظمة الحكم بدل القيام بدورها بوصفها حكما عادلا يسعى لإحلال الأمن والاستقرار، فإنها تتحول إلى طرف في النـزاع الأهلي والعمل على تقليص الحريات السياسية وزيادة القهر والبطش ضد قوى المجتمع الحية، حيث تعتبر تلك الممارسة هي الأكثر شيوعا لأنظمة الحكم العربية في مجابهة الأزمات، والخطورة في هذه الممارسات أنها قد تطيل من أجل النظام الحاكم في المدى المنظور، وتقوض من دعائم شرعية الدولة نفسها، وهذه الوضعية غالبا ما يتمّ استغلالها من طرف القوى الدولية.
2 – طول بقاء الحكام العرب في السلطة
ومن بين المشكلات التي تواجهها أغلبية الأقطار العربية، وتعتبر سببا للثورات العربية المندلعة اليوم في بعض هذه الأقطار، وكذلك سببا في استمرار الخلافات العربية – العربية، هي بقاء الحكام مدّة طويلة من الزمن في السلطة، وتستوي في ذلك الأنظمة الملكية والجمهورية، وهي معضلة من ضمن المعضلات التي يواجهها العرب والتي جعلتهم في آخر السلم الحضاري العالمي على صعيد تطور الأنظمة السياسية واكتساب شرعية السلطة، فقد بات معروفا أن العمر السياسي للحكام العرب هو الأطول بين جميع دول العالم، حيث قضى بعضهم أكثر من أربعين عاما في السلطة، كحالة النظام الليبي، الذي يشن الآن حربا على شعبه من أجل بقائه في السلطة فترة أطول، يليه النظام اليمني والمصري، بمدة تزيد على ثلاثين سنة، لأن أغلبية الحكام العرب لا يرحلون عن السلطـة إلا بوسيلتين: إما الموت أو الانقـلاب العسكـري.
3 – عدم احترام القانون وغياب الفصل بين السلطات:
رغم أن أغلبية الأقطار العربية تتمتع بدساتير مكتوبة، إلا أن هذه الدساتير تبقى معلقة من دون تنفيذ في كثير من موادها بشكل عملي وغير معلن، ويساهم في عدم تطبيق محتوى هذه الدساتير غياب مبدأ فصل السلطات، حيث تختصر كل السلطات في شخص الحاكم أو فئة قليلة من بطانته، رغم أن جل هذه الدساتير صيغ بطرق توافق مصالح الأنظمة الحاكمة غير الشرعية أصلا، لكن المفارقة تكمن أن هذه الدساتير المفصل تفصيلا على مقاس الحاكم لا يلتزم بتطبيق نصوصها، فغالبا ما يعمد إلى تجاهلها أو تعطليها، بحيث تكون القرارات الصادرة عن هذه الأنظمة مخالفة لها نصا وروحا.
ويعود ذلك في جزء منه إلى غياب الفصل بين السلطات في أغلبية الأقطار العربية وانعدام البنى المؤسسية الحقيقية للدولة في هذه الأقطار، وما يوجد منها على قلته ما يزال ضعيف، خاصة مؤسسات المجتمع المدني التي تعبر عن إرادة المواطنين بشكل مباشر، فالمؤسسات في أغلبية الأقطار العربية، تكاد تقتصر في النظام السياسي، الذي يقوم على إرادة فرد أو مجموعة صغيرة، بعيدا عن أي مشاركة شعبية أو أي تمثيل شعبي حقيقي وفاعل، فالمجالس النيابية معطلة أو غائبة، وأحيانا يجري حلها أو تعطيلها، وإذا وجدت تكون غرف للتسجـيل والتصفيــق، مما أدى في هذه الأقطار إلى إحجام المواطنين عن المشاركة في الحياة العامة، وخاصة الانتخابات، لتدخل الأنظمة فيها بما يؤدّي إلى تشويه هذه الانتخابات وتزوير إرادة الشعب.
4 – أزمة اتّخاذ وإصدار القرارات:
لقد ساهم في استمرار أوضاع الأقطار العربية نحو الانحدار، أن القيادات التي تتصدى لاتّخاذ قرارات مصيرية تمس المستقبل العربي كله وتتصل بحقوق أجيال لا يجوز التصرف فيها، تعمد تحت شعار الواقعية إلى عزل الظواهر عن الأسباب، وتبخس الذات العربية وتغالي في تضخيم قدرات العدو، على حساب الإمكانيات العربية، وتأخذ هذه القرارات المصيرية دون دراسة أو تمحيص مما يكون له عادة أوخم العواقب، فتضيف إلى التحديات القائمـة تداعيات سلبيـة أخـرى، وأحد الأسباب الرئيسية الكامنة وراء استمرار هذا الوضع، هو تركّز اتخاذ القرار في يد مسؤول واحد، أو حفنة صغيرة من المسؤولين، ولما كانت الطاقة الاستيعابية محدودة بطبيعتها الإنسانية، ناهيك عن “القدرات الخلاقة” لأي حاكم فرد، فإن الازدحام التنافسي على وقت الحاكم الفرد في التعامل مع هذه التحديات المتزامنة يتعاظم، مما جعل هذه الممارسة بكل ما تنطوي عليه من اختناقات في عملية اتخاذ القرار بصرف النظر عن صحته أو صوابه أو فاعليته، هي الوجه الآخر “لعبثية” أخذ القرار في الأقطار العربية، والتي تفسر في جزء منها القرارات التي اتخذها بعض الحكام العرب، وكانت نتائجها كارثية على أقطارهم بشكل خاص وعلى المنطقة العربية برمّتها.
بالإضافة إلى ما ينجرّ عن هذه الوضعية من غياب المبادرة بحيث تصبح الأجهزة الإدارية لا تأخذ المبادرة من تلقاء نفسها، ولا تتحرّك عادة إلا بالإشارات والإيحاءات من القائمين على أجهزة الدولة المعنية بصناعة القرار، بالتحرك للدراسة وصياغة البدائل وإعداد مشروعات القرارات، عادة ما تتكاثر هذه الدراسات والبدائل على مكتب رأس النظام إلى حدّ استحالة التعامل الفعال معها، ومن حيث لا تريد هذه الأجهزة عادة تحمل المسؤولية، فإنها تترك الأمر للقيادة السياسية، التي تأخذ وقتها بدورها إلى أن تتخذ القرار.
ومما يزيد من سوء هذه القرارات الاعتبارات التي تدخل في صياغتها وبعدها في الغالب عن الوضوح والشفافية وعن المصلحة العامة، بحيث أن الاعتبارات التي تدخل في صياغة القرار السياسي العربي، لا يمكن أن يدركها غير صانع القرار، لاعتبارات تتعلق بنظام الحكم واستقراره في الأجل القصير جدّا، واعتبارات شخصية كعلاقاته بغيره من الحكام واعتبارات مصالح مادية وأمنية متعددة، والمضحك في الأمر استمرار الحكام العرب في ادعاءاتهم، باحتكار الحكمة والوطنية والقومية، فالكل كان على صواب، والكل انتصرت وجهة نظره في كل القضايا، التي خسرها العرب جميعا وعلى كافة المستويات.
المحور الثالث : الإنعكاسات المباشرة لأزمة الدولة القطرية على أمن الإنسان العربي
إن أزمة الدولة القطرية العربية المتفاقمة انعكست على حياة المواطن العربي بشكل مباشر وأصبحت تهدد أمنه الشخصي، بحيث لا يجادل أحد اليوم في المنطقة العربية خاصة والعالم عموما في شدة معاناة الإنسان العربي، بداية بغياب حريته ومرورا بفقره وحرمانه وانتهاء بعدم اطمئنانه على مستقبله وقلة الخيارات أمامه في حياته اليومية، وهذا الواقع المأساوي للإنسان العربي، لكثرة ما يتهدد حياته من مخاطر متعددة ومتداخلة، هو ما عرضه تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2009، الصادر عن المكتب الإقليمي للبلدان العربية التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ممهدا لذلك بتعريف أمن الإنسان بالقول: إنه ، (تحرّر الإنسان من التهديدات الشديدة، والمنتشرة والممتدّة زمنيًّا وواسعة النطاق التي تتعرّض لها حياته وحريته)، وبعد التعريف الموسع لمفهوم أمن الإنسان، يستعرض التقرير بالتفصيل المخاطر التي تهدد أمن الإنسان العربي عبر فصوله التسعة، وهي:
1 – الضغوط على الموارد البيئية.
2 – أداء الدولة في ضمان أمن الإنسان أو تقويضه.
3 – انعدام الأمن الشخصي للفئات الضعيفة.
4 – التعرض للمخاطر الاقتصادية والفقر والبطالة.
5 – الأمن الغذائي والتغذية.
6 – الصحة وأمن الإنسان.
7 – الانعدام المنهجي للأمن جراء الاحتلال والتدخل العسكري الخارجي.
هذه المخاطر التي تتهدد حياة الإنسان العربي، تعتبر من ابرز تجليات أزمة الدولة القطرية، التي تعود في جذورها إلى الاستبداد والغياب شبه المطلق للحريات والممارسة الديمقراطية، الذي أدى بدوره إلى تعثر مشاريع التنمية على كافة المستويات، التي حاولت الأقطار العربية إنجازها خلال العقود الماضية، وذلك ما أشار إليه تقرير التنمية الإنسانية العربية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، عام 2002، بالقول: (إن أزمة التنمية في الوطن العربي، أصبحت من الحساسية و التعقيد وتشابك الجوانب، بحيث أصبح أي إصلاح حقيقي لإحدى النواحي المطلوبة لبناء نهضة إنسانية في المنطقة العربية، يستلزم أن يمتد إلى جميع مناحي الحياة بمختلف أبعادها، لأن التجربة السياسية العربية خلال نصف القرن العشرين، توضح أن القيود السياسية على التنمية في المنطقة العربية هي الأكثر تأثيرا دون غيرها)، ومن أبرز تأثير فشل الدولة القطرية وإخفاقاتها على أمن الإنسان العربي، ما يلي:
أولا – أزمة البطالة:
يشير تقرير التنمية الإنسانية العربية، إلى أن أزمة البطالة، تعد من المصادر الرئيسية لانعدام الأمن الاقتصادي في معظم البلدان العربية، وحسب بيانات منظمة العمل العربية لعام 2008، فإن معدل البطالة الإجمالي في الأقطار العربية، يصل إلى نسبة 14.4 في المائة من القوى العاملة في العام 2005 ، مقارنةً بِ 6.3 في المائة على الصعيد العالمي.
وبالنسبة إلى البلدان العربية ككل، )وباستخدام عدد العاطلين عن العمل في العام 2005 (، وصل المعدّل المثقَّل لنمو البطالة إلى نحو 1.8 في المائة. وتتفاوت معدلات البطالة المحلية بدرجة ملموسة بين بلد عربي وآخر،إذ تتراوح بين 2% في قطر، ونحو 22 % في موريتانيا، غير أن البطالة في أوساط الشباب تمثل في كل الأحوال تحدّيًا جدّيًّا مشتركًا في العديد من الأقطار العربية، وتشير اتجاهات البطالة ومعدلات نمو السكان إلى أن البلدان العربية ستحتاج، بحلول العام 2020 إلى 51 مليون فرصة عمل جديدة، ومما يزيد في صعوبة وضعية البطالة بالمنطقة العربية، هو التزايد السريع للسكان، فحسب تقديرات الأمم المتحدة ستضمّ البلدان العربية نحو 395 مليون نسمة بحلول العام 2015 مقارنةً بِ 317 مليونًا في العام 2007 .
ثانيا– أزمة الفقر :
يمكن مناقشة عدم الاستقرار الاقتصادي الملازم للفقر من منظورين: الأول هو فقر الدخل
الذي، يُعرَّف : (بمقياس ما يتوافر للإنسان من سلعٍ وخدمات متمثّلاً بالإنفاق الاستهلاكي الحقيقي للفرد(؛ والثاني هو الفقر الإنساني، الذي يعرف: (بمقياس الدخل وبأبعاد أخرى ذات قيمة حياتية، مثل التعليم والصحة والحرية السياسية(، وفي تحليل فقر الدخل، يشير تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2009، إلى مستويات الفقر الدولية التي تعتمد على دخل يعادل دولارين “خط الفقر المدقع” للفرد يوميًّا، وخطوط الفقر الوطنية في البلدان العربية على وجه الإجمال قليلة الانتشار نسبيًّا خاصة فقر الدخل، ففي العام 2005 كان نحو 20.3% من السكان العرب يعيشون تحت خط الفقر الدولي المحدد بدولارين يوميًّا.
وبناءً على خط الفقر الدولي، فإن نحو34.6 مليون عربي كانوا، في العام 2005 ، يعيشون في فقر مدقع، غير أن استخدام عتبة الدولارين يوميًّا قد لا يعطي صورة إحصائية كاملة في جميع الحالات عن فقر الدخل في البلدان العربية، ومع تطبيق خط الفقر الوطني، يتبيّن أن معدل الفقر العام يراوح بين 28.6 % ، وبموجب هذا المقياس،يشير التقرير إلى أن هناك 65 مليون عربي يعيشون في حالة فقر، ويزداد الفقر المدقع حدّةً في البلدان العربية ذات الدخل المنخفض، حيث يعاني الفقر المدقع نحو 36في المائة من السكّان حسب نفس التقرير، وكما هو متوقع فإن فقر الدخل، وما يلازمه من عدم الاستقرار هو الأكثر شيوعًا في أوساط أهل الريف، ولكن الخطير في الفقر ما يصاحبه من فقدان الأمن، والعجز عن تلبية الاحتياجات الضرورية من التعليم والصحة والمعيشة، وهذا ما يلقي ظلالاً من الشك حول فاعلية أداء الدولة في ضمان حصول المواطنين على ضروريات الحياة الأساسية، ويهز من صورتها لديهم.
ثالثا – أزمة الجوع وانعدام الأمن الغذائي :
يبرز الاقتصادي الهندي “امارتيا سن” أهمية الديمقراطية لتنمية البلدان الفقيرة، من خلال قوله: ( إن المجاعات لا تقع في ظل النظم الديمقراطية. إذ لم تحدث في الحقيقة أي مجاعة بالمعنى الموضوعي لها في أي نظام ديمقراطي مهما كان البلد فقيرا) ([13])، ومن المعروف أن الحرية هي الركيزة الأساسية للديمقراطية، ورغم وفرة الموارد في المنطقة العربية مقارنةً بالمناطق الأخرى، فإن شعوب العديد من الأقطار العربية يعاني من الجوع، كما يُلاحَظ تزايد نسبة الجوع بين شعوب الأقطار غير الفقيرة، مع تباين ملموس بين بلد عربي و آخر في مدى التقدم في مكافحة الجوع. والبلدان التي حققت التقدم الأكبر في تخفيض انتشار قصور الغذاء بين العامين 1990 1992، تأتي الكويت في مقدمتها، ولكن يظل المستوى المتدني للاكتفاء الذاتي من الأطعمة الأساسية واحدًا من أخطر الفجوات التنموية في المنطقة العربية، حيث تعتبر من بين أكثر مناطق العالم إسترادا للغذاء، حسب تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2009.
4 – مشاكل الصحة
حسبّ تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2009، أن الصحة ليست مضمونة لكل المواطنين العرب؛ إذ ما زالت النساء يعانين أكثر من غيرهن من الإهمال ومن التقاليد القائمة على التحيز في معاملة الجنسين. ثمّ إن أنظمة الصحة غالبًا ما يكبلها العجز وتدني القدرات المهنية، ونقص التمويل؛ مع تعاظم الأخطار الصحية جراء انتشار أمراض مُعْدية جديدة، حيث تتسم البيانات الصحية في المنطقة العربية عموما، بالقصور والنقص وغالبًا بعدم المصداقية، ما يجعل من الصعب رسم السياسات الصحية الفعالة، أو الوصول إلى المحتاجين، وما تزال خدمات الصحة في المنطقة العربية، حسب التقرير تواجه جملة من التحديات، من أبرزها :
- التزايد المطرد لكلفة الرعاية الصحية.
- الإنفاق الحكومي غير الكافي في البلدان ذات الدخل المتوسط والمنخفض.
- عجز الأنظمة في بلدان الدخل المرتفع عن ترجمة التمويل الوافر إلى مكاسب صحية.
- تزايد الإنفاق الخارج عن حدود ميزانية الأسرة على المتطلبات الصحية، ما يزيد من وطأة الأعباء على الأفراد والعائلات على حد سواء للغياب العام للضمان الاجتماعي الصحي والمزايا الوظيفية التي يقدمها أرباب العمل.
وخلاصة القول، أن الدولة العربية القطرية قد فشلت في تحقيق الشعارات التي رفعت عند الاستقلال خلال العقود الماضية، وتعيش أزمات متفاقمة منذ عقود، وبصرف النظر عن الأسباب التي تقف وراء ذلك الإخفاق، فإن الدولة القطرية العربية أو الوطنية باتت حقيقة واقعة من الناحتين المادية والمعنوية، وهي مكرّسة قانونا بدساتير واعترافات دولية، وتجاوزها واعتبارها غير موجودة لا يساعد على معالجة الإشكاليات التي تواجهها ولا يحقق المصالح العربية المشتركة، كما أثبتت تجربة العقود الماضية، بقدر ما يثير نزاعات وخلافات على مختلف المستويات، بل أن الواقع يفرض البحث في هذه الدولة ومعرفة مشكلاتها، وفهم الأزمة الشاملة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية التي تعيشها، مع ضرورة الإقرار أن إصلاح أوضاع الدولة العربية القطرية، لا يمكن أن يتم إلا بعد الاعتراف بها، بوصفها الوحدة المركزية للنظام العربي، وأن الوحدة العربية المنشودة لن تتحقق إلا عبر تقويم وتصحيح أوضاع هذه الدولة، فالأجسام المريضة تتنافر والأجسام الصحيحة هي القادرة على انجاز الوحدة، ولتحقيق ذلك لا بد من عمل جاد لإطلاق حريات الإنسان العربي والسماح له بالمشاركة في الحياة العامة، بما يضمن مشاركته في تحقيق التنمية الشاملة، بوصفها شأنا جماعيا، ولا يمكن أن يتحقق في ظل إبعاد الإنسان وتكبيل حريته، الذي هو وسيلة التنمية وغايتها، وكذلك إيجاد مؤسسات قارة حقيقية لهذه الدولة، وتأسيس علاقة جديدة مع مواطنيها، تجعل مفهوم المواطنة بمعناها السياسي والقانوني، هو محور الرابطة بين الحاكم والمحكوم، فالدولة التي تحكمها القوانين و تحترم الحقوق المدنية والسياسية، هي الضامن لأمن الإنسان، وقد تكون التحولات الجارية الآن في بعض الأقطار العربية بداية لتحقيق ذلك.
[1] انظر :علي نصار، ) محرر( الدولة ودورها في النشاط الاقتصادي في الوطن العربي، دار الرازي، بيروت 1991.
وكذلك أنظر:
– غسان سلامة ” محرر ” الأمة والدولة والاندماج في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت 1989
– برهان غليون: ” المحنة العربية: الدولة ضد الأمة”، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1991.
– خلدون النقيب، الدولة التسلطية في المشرق العربي، دراسة بنائية مقارنة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1991، ولنفس المؤلف: المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية من منظور مختلف، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1987.
– علي أومليل، الإصلاحية العربية والدولة الوطنية، المركز الثقافي العربي الدار البيضاء، 1985.
– محمد عبد الباقي الهرماسي، المجتمع والدولة في المغرب العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1987
[2] – محي الدين صبحي، الأمة المشلولة، تشريح الانحطاط العربي، رياص الريس للكتب والنشر، لندن 1997، ص 20.
[3] عبد الله عبد الدايم، الأيديولوجيا القومية العربية بين التجديد والترشيد والردة، في ” دراسات في القومية العربية والوحدة “، مرجع سابق، ص 108.
[4] كانت أول محاولة جادة في الأوساط العلمية العربية بظاهرة الدولة مشروع المستقبلات العربية الذي أنجزه مركز دراسات الوحدة العربية في نهاية الثمانينيات بالتعاون مع مجموعة من المفكرين العرب.
[5] – انظر: محمد صالح المراكشي، الدولة بين العرب والغرب، الشركة العامة للطباعة، صفاقس، ص58-68.
[6] LAROUI (A): L’idéologie arabe contemporaine. François Maspéro, Paris 1977, p.20..
[7] LAROUI (A): L’idéologie arabe contemporaine. op. cit., p.20.
[8] محمد حسنين هيكل، أزمة النظام العربي، المستقبل عدد 115، بيروت 1988، ص130.
[9] إبراهيم العيسوي، قياس التبعية في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1989، ص90.
[10] انظر: خلدون حسين النقيب، الدولة التسلطية في المشرق العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1992.
وكذلك أنظر: محمود عبد الفضيل، الفساد وتداعياته في الوطن العربي، في ” حال الأمة العربية 1999″، مرجع سابق، ص 481-492.
[11] أنظر محمد جابر الأنصاري، إشكالية التكوين المجتمعي العربي أقليات أم أكثرية متعددة؟ في ” النزاعات الإقليمية الأهلية العوامل الداخلية والخارجية “، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 1997، ص 31-45.
[12] عدنـان السيد حسين، السلطة ومصادر الشرعية في البلدان العربية، المستقبل العربي عدد 207، بيروت 1996، ص94.
[13] آمارتيا سن ، التنمية حرية ، مرجع سابق ، ص70 .
