القمة العربية : وخيبات الأمل المتكررة/ د . ديدي ولد السالك
إذا الحكام العربية جاءوا إلى الخرطوم قبل أربعين عما من الآن يحملون هموم أمتهم ويحدوهم الأمل في إخراجها من آثار الهزيمة العسكرية التي تعرضت لها على يد العدو الإسرائيلي عام 1967 وإعادة الاعتبار للنظام الرسمي العربي، فإنهم اليوم جاءوا إلى الخرطوم ليعقدوا فيها قمتهم الثامنة عشر، وقد أعيتهم الهزائم و أدمت وجوههم النكسات وتراكم الأزمات، ودخل نظامهم الرسمي في غيبوبة دائمة، ولا يحملون سوى همومهم الشخصية وطرق مواجهة شعوبهم، وفي أحسن الأحوال تسوية خلافاتهم الخاصة مع بعضهم البعض، مما أفرغ القمة العربية التي عقدت بالخرطوم يوم 28/3/2006 من أي معنى، ويجعل عقد عليها أي آمال في حلحلة الوضع العربي المتردي والآسن ضرب من التوهم والأحلام .
وهو الأمر الذي سيزيد من تراكم إحباطات الإنسان العربي العادي المحبط أصلا، فبمقارنة بسيطة بين قمة الخرطوم العربية لعام 2006، وقمة الخرطوم العربية لعام 1967 المعروفة “بقمة اللاءات الثلاثة” سيجد فرقا شاسعا بين القمتين، في نوعية المشاكل وطرق التعاطي معها، فقمة الخرطوم في عام1967 جاءت لمواجهة النتائج الخطيرة للهزيمة العسكرية التي تعرض لها العرب على يد إسرائيل و سبل الخروج منها وطرق مواجهتها، وقدمت لذلك اللاءات الثلاث : “لا سلام مع إسرائيل” “لا تفاوض” “لا استسلام” ، بينما انعقدت قمة الخرطوم الأخيرة وقد زحف العرب على وجوههم لتقبل إسرائيل السلام معهم، كما جاءوا والعلم الإسرائيلي يرفرف في ثلاثة عواصم عربية، والأغلبية من البقية الباقية من الأقطار، تقيم علاقات مع إسرائيل من تحت الطاولة . أما شعار “لا تفاوض مع إسرائيل” فقد تحول إلى ركض للتفاوض معها، حيث سيق العرب فرادا وجماعات إلى مؤتمر مدريد عام 1991 ليستمعوا إلى الشروط الإسرائيلية للسلام، لتتولى سيدة العالم – الولايات المتحدة الأمريكية – فرضها عليهم، في حين تحول شعار ” لا استسلام” إلى استسلام كامل لإسرائيل، والقبول بها بوصفها دولة شرعية في المنطقة، وتخلي العرب عن حقوقهم في استعادة كل أراضي فلسطين التاريخية وقبولهم بالتفاوض على أقل من 20% من أراضي فلسطين التاريخية .
وسلسلة التنازلات هذه وسياسة التفريط التي يتبعها الحكام العرب منذ عقود، قد تقود في المستقبل إلى عقد قمة عربية لإعلان التخلي عن كل الأراضي الفلسطينية، وابسط دليل على هذا التوقع قبولهم في منتصف التسعينيات من القرن العشرين، بإحلال اسم النظام الشرق أوسطي محل النظام الإقليمي العربي، واستبدال مصطلح المنطقة العربية بمنطقة الشرق الأوسط، وقد أظهروا فرحهم بذلك من خلال تنافسهم على استضافة قمم النظام الشرق أوسطي في عواصمهم، كما يبدو ذلك أكثر من خلال عدم اهتمامهم بالحضور إلى القمة العربية، وإذا حضروا عدم التزامهم بما يصدر عنها، لأن أغلبية هؤلاء الحكام يحضرون إلى هذه القمة بتعليمات أمريكية ويتغيبون عنها لنفس الأسباب .
وما يزيد في إحباط الإنسان العربي اليوم أن قمة الخرطوم العربية الأخيرة، انعقدت بعد أربعين سنة من قمة الخرطوم الأولى، وقد تخلى العرب عن القضية الفلسطينية أو كادوا يتخلون عنها، وقد قبلوا باحتلال العراق، بل أن بعضهم لعب دور المحرض على ذلك الاحتلال والبعض الآخر تولى تمويله، في حين اكتف البعض بدور المتفرج عليه. وجميع العرب اليوم يقفون موقف المتفرج على الحرب الأهلية المندلعة بهذا البلد الكبير والمهم إستراتيجيا لكل العرب، كما تفرجوا من قبل على انهيار الدولة الصومالية، وما يزالون يتفرجون على نزيف هذا القطر العربي ومعانات شعبه .
والأدهى والأمر أن القمة العربية قد انفضت بدون تقديم حلول لهذه المشاكل والأزمات ولا حتى النظر فيها بجدية، كما لم تستطع هذه القمة تقديم حلول لمشاكل منطقة وادي النيل، والتي تأتي على رأسها مشكلة “دارفور” بالسودان – البلد المستضيف للقمة- وهي مشكلة إذا استمرت، ستشكل ذريعة للتدخل في الشؤون الداخلية لهذا البلد المنهك أصلا بالمشاكل والحروب وقد تكون سببا لتقسيمه، وعجز القمة عن تقديم الحلول لها، لا يوازيه في الخطورة سوى عجزها عن معالجة الوضع اللبناني الداخلي ومشكلة الحكم فيه، وكذلك مشاكله مع سوريا، وهي المشاكل التي قد تؤدي إلى عودة الحرب الأهلية إلى لبنان، كما ستشكل ذريعة للأطراف الدولية الفاعلة في قضايا المنطقة للتدخل في شؤونها الداخلية، واستخدامها وسيلة للضغط على سوريا لتقديم التنازلات المطلوبة منها في قضايا أخرى بالمنطقة.
في حين لم تستطع القمة النظر في مشاكل وأزمات أخرى بالمنطقة العربية، ظلت تنخر جسم النظام الرسمي العربي وما تزال، مشكلة بؤرا للتوتر والاستنزاف داخل هذا النظام، ومن أبرزها قضية الصحراء الغربية “عقد التجزئة في منطقة المغرب العربي” . فبقاء قضية الصحراء الغربية بدون حل، يعني استمرار تعطل مسيرة الوحدة المغاربية، وبقاء عامل استنزاف و توتر في هذه المنطقة من الوطن العربي، ظل وسيظل يحول دون أي تقارب بين بلدانها أو تقدم مسيرتهم التكاملية.
بالإضافة إلى قضايا نزاعات الحدود الأخرى المشتعلة بين الكثير من الأقطار العربية، وهي المشاكل التي عجزت هذه الأقطار عن حلها أو تسويتها بشكل ثنائي، مما كان يفرض على القمم العربية تناولها و إيجاد الحلول المناسبة لها، لكي لا تبقى هذه المشاكل الحدودية الثنائية قنابل موقوتة، يمكن أن تنفجر في أي وقت ناسفة ما تم تحقيقه من تعاون ثنائي على تواضعه بين هذه الأقطار العربية المعنية بهذه المشاكل.
وإذا أضفنا إلى هذه المشاكل المزمنة المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المتفاقمة، التي يعاني منها كل قطر عربي على حدة مما يجعله ينشغل بمشاكله الخاصة عن الهموم القومية، الأمر الذي يجعلها في المحصلة النهائية مشاكل قومية، فإن ذلك يعني إغراق المنطقة في حلقة مفرغة من المشاكل، إذا لم يتم معالجتها في إطار النظام الرسمي العربي بالشكل المناسب .
وهذه المشاكل مجتمعة ستجعل هذا النظام يغرق في همومه، الأمر الذي يشغله عن التفكير في المستقبل والتخطيط الإستراتيجي لقضايا الأمة . وكعينة على هذه المشاكل المتفاقمة هناك مشكلة البطالة المتصاعدة، حيث يعاني الوطن العربية بمختلف أقطاره من بطالة كبيرة بين صفوف حملة الشهادات العليا، وقد تجاوزت نسبة البطالة في الوطن العربي حدود 20 مليون شاب عاطل عن العمل، كما يعيش 75 مليون من سكان الوطن العربي تحت عتبة الفقر، و أكثر من 64 مليون مواطن عربي يعانون من الأمية الأبجدية، التي تعني حرمانهم من الاستفادة من ثورة المعلومات التي يعيشها العالم الآن.
و تكشف هذه المعطيات والأرقام حجم الأزمة التي يتخبط فيها النظام الرسمي العربي، كما تفيد هذه المعطيات أن القائمين على هذا النظام غير مؤهلين لأخذ القرارات المصيرية لمواجهة هذا الوضع أو أخذ المبادرات لإيجاد الحلول الملائمة للمشاكل المطروحة على الساحة العربية، لأن كبر حجم هذه المشاكل فوق طاقاتهم الفعلية، مما يفسر حالة التخبط والارتباك الشديدين داخليا وخارجيا .
و لكن للقراء العربي النبيه الحق في أن يسأل لماذا وصل الوضع العربي بصفة عامة والنظام الرسمي العربي بصفة خاصة إلى هذه الوضعية من التردي والتقهقر الحضاري ؟
لن نستطيع هنا تقديم كل الأسباب والعوامل التي أوصلت الوضع العربي إلى هذا المستوى من التردي على كافة المستويات، بل سنختصر فقط على ذكر أهمها :
1 – أزمة شرعية أنظمة الحكم المزمنة في الحياة السياسية العربية :
تفتقد أغلبية أنظمة الحكم العربية إلى الشرعية، فالأكثرية الساحقة من الحكام العرب لا يتمتعون بشرعية شعبية أو دستورية، لأن هؤلاء الحكام وصلوا إلى الحكم بطرق غير شرعية، وهو ما يجعل القمة العربية هي القمة الإقليمية الوحيدة تقريبا في العالم، التي يجتمع فيها مجموعة من الحكام لا يمثلون سوى أنفسهم فقط .
وأزمة السلطة وشرعية الحكام في الواقع العربي، قديمة قدم الحياة السياسية العربية، حيث تعتبر هذه الظاهرة ممتدة في التاريخ العربية منذ اغتيال ثالث الخلفاء الراشدين عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهي المشكلة التي لم تجد حلا منذ ذلك التاريخ إلى اليوم، مما جعل الحاكم يتحول في الذهنية العربية، إما إلى إله يعبد أو ممثل للإله على الأرض، تجب طاعته دون أي اعتراض من أحد أو إلى قائد ملهم أو زعيم مظفر أو قائد ضرورة …….الخ – وهي الصفات التي أطقها الحكام العرب على أنفسهم – لا يحتاج إلى شرعية من شعبه، ومن الطبيعي أن تكون محصلة هذا التاريخ الطويل من الاستبداد والممارسات المصاحبة له، هي وصول المنطقة العربية إلى منطقة مختطفة من طرف حكامها، وشعوب محاصرة من هؤلاء الحكام، وتحول هؤلاء الحكام بدورهم إلى رهائن لدى الشعوب التي ترفضهم داخليا والأجنبي الذي يضغط عليهم من الخارج، والنتيجة لهذه الوضعية هو دوران المنطقة العربية في حلقة مفرغة من الأزمات والنكسات التي لا تنتهي .
2 – القطيعة بين القول والفعل في الحياة السياسية العربية :
يقول المفكر التونسي محمود المسعدي في هذا الصدد : (لقد تصوفنا في القول وتصوف غيرنا في العمل) والإشكالية ليست في التصوف في القول فقط دون العمل والفعل الهادف والمنظم، وإنما عدم الالتزام بالقول والاكتفاء بالقول دون الفعل والإنجاز، وتعود هذه الظاهرة في الممارسة السياسية العربية إلى النزعة الشاعرية لدى الإنسان العربي وتمحور شخصيته الثقافية حول الشعر، والشعر بطبعه مفارق للواقع لاعتماده على الخيال الجامح، وتتضح هذه الذهنية العربية المفارقة للواقع أكثر في قول الشاعر عمر بن كلثوم :
إذا بلغ لنا الفطام صبي تخر له الجبابرة ساجدين
كما أبرزها القرآن في سورة الشعراء 🙁 والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون) .
لكن هذه الذهنية الشاعرية عند الإنسان العربي تحولت في العصر الحديث إلى حالة مرضية، وبالذات مع انتشار “ثقافة الشعارات السياسية”، التي عمت ساحة الوطن العربي في مطلع الخمسينيات من القرن العشرين، والتي جعلتهم يعيدون إنتاج شعر عمر بن كلثوم في شكل خطاب سياسي حماسي، يصورون فيه لأنفسهم انتصارات وإنجازات وهمية، تكفيهم مشقة العمل والإنجاز والتخطيط للمستقبل، كما يفعل غيرهم من الأمم المتحضرة، وكانت النتيجة الحتمية لهذا الخطاب الشعاراتي المفارق للواقع سلسلة النكسات والهزائم المتواصلة .
3 – الأزمة البنيوية لمؤسسات العمل العربي المشترك :
من المعروف لدى أهل الذكر أن جامعة الدول العربية المؤسسة الأم لكل مؤسسات العمل العربي المشترك، قد ولدت بإرادة بريطانية ولم تولد بإرادة عربية، وهو ما جعل هذه المؤسسة تولد معاقة لا يمكن أن تخدم إلا أغراض من أنشأها، لا من يدعي أنها ملك له وتعمل لخدم قضاياه التكاملية .
وعدم قدرة أطراف النظام الرسمي العربي على إصلاح هذه الوضعية وتصحيح أوضاع جامعة الدول العربية، جعل هذه المؤسسة غير قادرة على إصلاح الأوضاع العربية، كما أدى إلى عدم فاعلية منظمات العمل العربي المشترك المنبثقة عنها .
ويمكن تلخيص أزمة مؤسسات العمل العربي المشترك في أن المؤسسة الأم لهذه المؤسسات، ولدت معاقة ثم أصيبت بالكساح بعد هزيمة العرب في حرب 1967، لتصاب بالشلل التام بعد قيام مصر بصلح مع إسرائيل وخروجها من جامعة الدول العربية عام 1978، لتدخل هذه المؤسسات في الغيبوبة بعد غزو العراق للكويت في صيف عام 1990 .
وبالتالي لا يتصور أي تطور للعمل العربي المشترك، مادامت تشرف عليه مؤسسات هذه هي وضعيتها، وتغيب عنه أهم مؤسسة لإدارة الصراع بين أطرافه وتسوية ما قد ينشب بينهم من خلافات أي محكمة العدل العربية – التي نص عليها ميثاق جامعة الدول العربية – لأن التكامل والاندماج يحتاج إلى مؤسسات تقوم بدور التنسيق والإشراف عليه .
4 – اختراق المنطقة من الخارج :
تعتبر المنطقة العربية من اكثر مناطق العالم في الوقت الحاضر “أمركة”، حيث تحولت أكثرية الأراضي العربية إلى قواعد أمريكية، مع تنامي نفوذ الدول الأخرى الفاعلة في العلاقات الدولية في المنطقة العربية، وقد يقول قائل أن التدخل الأجنبي بصفة عامة والغربي بصفة خاصة في المنطقة العربية، يعود إلى أهميتها الإستراتيجية، ولما تتوفر عليه من ثروات اقتصادية ولعمقها الحضاري وموقعها الإستراتيجي المهم لكل قارات العالم، وهذا صحيح لكن الأصح هو أن هذه المنطقة من العالم، ما كانت لتعرف سيطرة الأجنبي عليها لولا الصراعات المستمرة بين أقطارها، لأن هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على المنطقة العربية بشكل مطلق في الوقت الحاضر لا يعود إلى قوتها، وإنما يعود إلى ضعف العرب وتفككهم . ولاستمرار نفس عوامل الضعف التي أدت بدورها إلى سيطرة الدول الاستعمارية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين على هذه المنطقة من العالم، وزرع الكيان الصهيوني في قلبها، وهو ما يعني أن المنطقة العربية ستبقى مفعولا بها ومخترقة من الخارج مادات نفس العوامل مستمرة .
وأخلص إلى أن استمرار العوامل السابقة يعني بكل بساطة بقاء العرب في نفس الدائرة المفرغة من التخلف والتبعية، الأمر الذي يعني أن عقد القمم العربية سيبقى بدون فائدة على الوضع العربي برمته، خاصة إذا ظلت أنظمة الحكم العربية تمارس نفس أساليب الاستبداد وتعيش في قطيعة تامة مع شعوبها، ولا تعرف كيف تدير علاقاتها مع المحيط الدولي بشكل صحيح .
didisaleck@yahoo.com
