النشاطاتدراسات

أثر الواقع في صياغة الأحكام الفقهية في الخطاب الإسلامي المعاصر د. يحيى ولد البراء

 

أثر الواقع في صياغة الأحكام الفقهية

في الخطاب الإسلامي المعاصر

 

 

 

 

د. يحيى ولد البراء

محمول: (00 222) 36 67 13 53

بريد ألكتروني: yelbara@yahoo.fr

 

 

 

 

 

شكل العمل

 

  1. الخطاب الإسلامي المعاصر: أشكاله وآفاقه 2
  2. النوازل الطارئة وكيفيات معالجتها 10
  3. 1. المدرسة النصية “السلفية” 13
  4. 2. المدرسة التقليدية “الفروعية” 14
  5. 3. المدرسة التجديدية “الأصولية” 17
  6. نماذج من الإجابات والحلول. 21
  7. 1. نوازل التعاملات المالية الحديثة 23

 التأمين. 24

 المعاملات البنكية 28

  1. 2. نوازل الشأن السياسي. 31

 الديموقراطية……………………………………………………… 32

 الدولة الدينية والدولة المدنية 35

  1. 3. نوازل حقوق الإنسان. 37

 حق المعتقد……………………………………………………… 39

 حقوق المرأة 41

الخاتمة 41

المصادر والمراجع 51

 

 

 

 

نسعى في هذا المقال إلى إبراز الكيفية التي حاول بها أصحاب الفكر المسلمون المعاصرون أن يوائموا بين التزاماتهم الدينية وبين مُنتجات الحضارة الحديثة الاقتصادية والسياسية والفكرية والثقافية والمادية التي أصبحت اليوم – بحكم نجاعتها النسبية، وبحكم سيادة مُنتجيها شبه المطلقة – تفرض نفسها على المسلمين كغيرهم من شعوب المعمورة. تلك المُنتجات التي ترى فيها الغالبية العظمى من الأمم الحلولَ المثلى للنجاح في الخروج من ربقة التخلف والتبعية، وكسب رهان الحاضر لما وفرته من سعة في العيش ووفرة في أسبابه، وتغلب على الطبيعة وانفتاح في آفاق العلم والمعرفة.

وهذا المطمح الذي نقصده يفترض منا طرح الأسئلة التالية التي نريد منها أن تكون موجها منهجيا في معالجة الموضوع وتلخيصا مكثفا لمضمونه وهي:

  • ما هو الخطاب الإسلامي المعاصر وهل يتفق أصحابه في أطروحاتهم وطرق عملهم؟
  • كيف واجه منتجو هذا الخطاب أو الخطابات هذه الظواهر الجديدة وما هي الأدوات التي استعملوا؟
  • هل قدموا فقهيات متسقة مع الأنموذج الذي يتبنونه في تنزيل الخطاب الشرعي على الواقع تتسم بالكفايات الضرورية وبالخصوص الكفاية النفسية والملاءمة المجتمعية؟

ولتسهيل عملية تتبع القارئ للعرض، فسنفصله بحسب قضايا الأسئلة الثلاثة السالفة، وسنركز على مسائل معدودة ومن أبواب فقهية متعددة لكي نفي بشرط الاستدلال ولنعطي المقال محتواه التجريبي الذي ينأى به عن التنظير المفرط والجنوح نحو اللاواقعية.

1. الخطاب الإسلامي المعاصر: أشكاله وآفاقه

إذا انطلقنا من تعريف الخطاب الإسلامي بأنه مجموع الجهود الفكرية الرامية إلى جعل تعاليم الإسلام تحتل موقعا مؤثرا وأوليا في حياة المجتمعات، فإننا نرى أن هذا الخطاب ظل منذ النصف الأخير من القرن الأول للهجرة يتردد بين اتجاهين طبعاه في بعديه العقدي والعملي على طول مساره هما: مدرسة النص ومدرسة التأويل. وقد ترجمت هذا التمايزَ في بعده العقدي مدرستا: العقل والنقل، كما ترجمته في جانبه العملي مدرستا الأثر والرأي.

واستمر هذان الاتجاهان طيلة عدة قرون يتجاذبان الشرعية ويتنافسان في الميدان ويتبادلان التأثر والتأثير في مناخ فكري وثقافي “خالص” يمكن أن نصفه بأنه مستقل لا ينفعل بالغ الانفعال بالمناخات الفكرية والثقافية الأجنبية عليه. ولا يعني هذا أنهما، وبالخصوص أصحاب مدرسة التأويل، لم يتأثرا بفكر ومعارف حضارات أخرى وعلى رأسها الحضارة اليونانية، بل يعني أنهم، وإن تأثروا بتلك الروافد، لم يكونوا منفعلين بها غالبا وإنما أفادوا منها من موقع القوة الذي سببته غلبة الإسلام آنذاك وسيادة وجاذبية نموذجه الحضاري. فكان إدماج ذلك الفكر وتلك المعارف في المنظومة العقدية والفكرية الإسلامية سهلا ومتحكما فيه لأنه وليد هضم تام لذلك الموروث، ونتيجة تحكم فيه يتسم بالانسجام والنسقية.

غير أنه منذ أواخر القرن التاسع عشر حدث منعرج كبير في مسار تفكير تينك المدرستين جراء الاحتكاك المباشر بالحضارة الغربية التي تتصف بالغلبة لقوتها الآسرة ونموذجها الجاذب، كما تتصف بالنزوع إلى التوسع ودمج الآخر، أي إلى أن تكون الحضارة الكونية التي ينتهي عندها التاريخ، فجاءت صدمة أهل العلم والفكر من المسلمين قوية لعمق الفجوة الحضارية بين الطرفين وقوة دفع التحديات الواردة عليهم. كما جاءت ردة فعلهم مرتبكة وانفعالية في معظمها لانعدام فقه يستوعب الجديد ويحسم في أحكامه، ويطمئن إليه أبناء الأمة في تبرئة ذممهم. هذا بالطبع مع غياب نظام سياسي قوي يعمل هو الآخر على الأخذ بأسباب القوة وتطوير النموذح الحضاري والثقافي الإسلامي ونقله خارج الحدود.

ولم يكن سواد المسلمين بأحسن حالا، فقد أحدث التواصل بينهم وحضارة الغرب، وتغلغل مدنيته في حياتهم العامة والخاصة أثراً عميقا في طبيعة علاقتهم بدينهم وبتراثهم الفكري والثقافي. لقد تزعزعت ثقة أغلبهم بهويته الإسلامية، وأذعن لوطأة مظاهر الحضارة الغربية. وقد يكون السبب في ذلك راجعا إلى عاملين: أولهما: انزواء هذه الحضارة في إطار دنيوي بحت مما سهل استقبالها وأبعد شبح التبشير الديني عنها. والثاني: قناعة غالبية المتعلمين من المسلمين بكونيتها، وبأن صورتها الدنيوية بعد أن انعتقت من ربقة الدين، هي العتبة القصوى لنضج حضارة الإنسان. فتلك الصورة لا يمكن أن يعتورها تدهور ولا يصيبها فساد، بل من المفترض أن تقود الإنسانية إلى طريق الوحدة الاجتماعية والثقافية([1]).

فكيف كان التفكير في الكيفية التي يمكن أن تحفظ بها البيضة وتصان وحدة الأمة، فلا تعصف رياح التغريب العاتية بالمسلمين فتقتلع جذور هويتهم وتقوض دينهم من أساسه؟ لقد جاء الحلول مختلفة استتباعا لاختلاف أصحابها في المنطلق النظري ولتباينهم في تقييم الوضع، وانبنى على أساسها خطاب إسلامي متباين في خلفياته الفكرية، ومختلف في تقنيات تطبيقه.

ويمكن من خلال نوع من التتبع المستقرئ لهذا الخطاب أن نصنفه في ثلاث مجموعات:

  • مجموعة تذهب إلى وجوب الرجوع إلى النص (القرآن والسنة) وإلى ما كان عليه السلف باعتباره المخلص والمنقذ، إذ لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. وسنجد أن هؤلاء ذهب بعضهم إلى رفض كلما هو فكر وافد وترجموا ذلك في نظريات وممارسات معروفة. وقد سمينا أصحاب هذه المجموعة بـ”المدرسة النصية السلفية”.
  • مجموعة تقول بإمكانية معالجة هذه المستجدات من خلال الرجوع إلى النص وإلى التراث التشريعي المذهبي والعقدي الدائر حوله، والمتسم بالتنوع والثراء والحكم بما يخولانه. وسنجد أن هؤلاء حاولوا إيجاد الحلول لبعض النوازل المطروحة عن طريق النظر في الأقوال المذهبية واختيار الأوفق منها، وعن طريق تفعيل آليات الاستنباط المقررة في علم الأصول، ولكنهم لم يوصلوا خطابهم إلى مستوى رفع التناقض بين هويتهم الإسلامية وهوية الحضارة الغالبة التي تدعي أنها كونية ولا مجال فيها للخصوصيات. وقد أعطينا أصحاب هذا الاتجاه اسم “المدرسة الفروعية المذهبية”.
  • مجموعة تقول بإمكانات انفتاح النص وتعدد قراءاته بحسب الظروف والسياقات معتبرين أن النص يسير جنبا إلى جنب مع العقل ويدور معه حيث دار. وقد أطلقنا على أصحاب هذا الرأي اسم “المدرسة التجديدية الأصولية”.

نرى أن الميزة الأساسية للمجموعتين الأوليين هي أن أصحابها ينطلقون في الغالب من النصّ إلى الواقع، فالنصّ هو الفاعل أما الواقع فهو التابع المنفعل. وإذا دعت الحاجة إلى مراجعة الواقع قبل مطالعة النص فإنهم يراجعونه من منطلق الحاجة إلى تحقيق مناط الحكم، حتى يتم وضع الحكم الصحيح في مكانه الصحيح.

كما نرى أن السمة الفارقة لأصحاب المجموعة الأخيرة هي أنهم على خلاف المجموعتين الأوليين ينطلقون من الواقع إلى النص متعللين بقلة النصوص القطعية: ورودا ودلالة، وبدور نظر العقل السليم في التشريع انطلاقا من محدودية النصوص وكثرة الوقائع المستجدة. لذا جاء قولهم بحاكمية الواقع مضخما بشكل مبالغ فيه، ودرجة إحساسهم وانفعالهم به طاغية شديدة الوقع. فجعلوا الواقع مؤثراً معرفياً وإيبستيميا في النص لحد أنه يقيد مضمونه ويعيد قراءته طبقاً لمتطلّباته.

وإذا كانت تأثيرات الواقع في فهم النص وتأويله حقيقة موجودة أقر بها من أقر، وأنكرها من أنكر، وما اجتهادات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم إلا دليل على تنوع النظر في النص وتعدد لتأويلاته بما يخدم الواقع ويعالج متغيراته، ما دام الفقيه ابن مجتمعه وعصره، ومتفاعل مع قضاياه، ويحرص على مواكبة احتياجات أفراده ليبقى الواقع تحت سلطة الشرع، فإن لجدلية الواقع المتغير والنص المقدس المتسم بالثبوت والثبات أثرا كبيرا في أدبيات الخطاب الإسلامي المعاصر وانجرت عنه معارك طويلة تنحو أحيانا نحو غلبة خطاب النص، وتميل أحيانا لانتصار سلطة الواقع وضروراته المصلحية التي تلزم الذهاب إلى التأويل بفعل تباعد الزمان عن عصر التنزيل وشدة إكراهات الظرف، فتقوم بإخضاع شمولية النص العام للواقع المنفعي الخاص وإقصاء دلالات الأحكام الثابتة لوقائع السياسية المتغيرة.

ومن المعروف أن هذا التداخل بين سلطتي النص والواقع قد أثار عدداً من التساؤلات حول الحدود الفاصلة بين المقبول والممنوع من هيمنة الواقع على النص ومقدار التأثير المسموح به. فهنالك مجالات تترجح فيها كفة النص كالأمور القطعية التي غالبا ما تأتي على شكل قاعدة صالحة للتطبيق مهما تغيرت الظروف والأحوال، وهنالك مجالات أخرى تميل فيها كفة ميزان الواقع من مثل العادات المجتمعية التي ترتبط بطبيعة النمو المدني وتقلبات الزمان على الناس. فيحاول الفقيه تلمس تلك المتغيرات وتأثيراتها على السياق الفقهي، فلا يجمد على المنقول في كتب أشياخ مذهبه لاختلاف العصر والحال، ومن مثل أحوال المكلفين ومدى تقبلهم للحكم الاجتهادي. فيُراعى المريض والمسافر والشيخ الكبير والحالات الاستثنائية للمرأة في حملها وحيضها ونفاسها، كما تُراعى ظروف الأفراد وطبائعهم المختلفة، وهذا ما يفسر تعدّد إجابات النبي (صلّى الله عليه وسلّم) في القضية الواحدة بحسب حال السائل لا بحسب المسألة، واعتبار حال الفقر شبهة تمنع من تطبيق حد السرقة.

إننا إذا نظرنا إلى أصحاب المدرستين النصية/السلفية والفروعية/المذهبية، الذين يشكلون الكم الأكبر من تعداد المسلمين لأنهم هم أتباع المذاهب الفقهية والعقدية والصوفية المنتشرة في العالم الممثلون لجمهور الأمة وقاعدتها الواسعة، نجدهم يختلفون في مقدار الهامش الذي يعطونه للواقع في التأثير في الأحكام. فمنهم من يقلص هامشه كثيرا لحد الامتناع من إعماله وهم في الغالب من مدرسة النص، ومنهم من يعطيه هامشا من التأثير يضيق ويتسع بحسب المدارس والملابسات وهم أصحاب المدرسة الفروعية، وإن اتفقوا كلهم على أن الأداة المنهجية المستعملة في تقدير مُعامِلات الواقع الفاعلة في التشريع يجب أن تنضبط بالضوابط التي وضع الأقدمون لكي لا يكون الدين هزؤا وتسقط حكمة التكليف والطاعة.

فالرأي الذي يجعل الواقع أساساً للنظر والاجتهاد، ويدعو لتأويل النص مهما كانت قطعية دلالته ليتسق مع الواقع المتغير مهما كانت تقلباته له خطر عظيم على الدين، لما يؤدي إليه من إخضاع النص لاعتبار واقع متقلب يساير ميول الناس ومصالحهم وأهوائهم المتباينة([2]). وهذا ما يفقد الخطاب الشرعي وظيفته التكليفية، خاصة أن الشريعة في مقاصدها الكلية قائمة على التحديد والضبط، وجاءت لإخراج العبد من داعية هواه ليكون عبداً لله اختياراً كما هو عبداً له اضطرارا.

أما أصحاب المدرسة التجديدية فيرون أن وسائل استنباط الأحكام الشرعية المعروفة في أصول الفقه قد استنفدت طاقاتها التوليدية المسموح بها، فلم يبق أمام المهتمين بأمر المسلمين إلا إعادة النظر في فلسفة التشريع ومحاولة تجديد أصول الفقه لإنشاء أداة تشريعية قادرة على النظر في المستجدات وتفقيه مختلف مظاهر حياة المسلمين. لهذا كان الأخذ باستحسان العقل باعتباره أحد المصادر المستقلة (وليس المعارض) للفقه، مع ضميمة النظر في المصادر الأخرى (القرآن والسنة والإجماع) أخذا بقاعدة تلازم حكم العقل والشرع، السمةَ البارزة في البحث الفقهي عند أصحاب هذه المدرسة.

من هنا انطلق تفكير معمق حول الأخذ بفقه المصلحة، ونزوع جامح نحو اعتبار المقصدية والمآلات في التشريع، إيقانا من أصحاب التجديد بأن هذه الأدلة تبقى السبيل الأوحد للتجاوب مع مستجدات الواقع بشكل أكثر نجاعة وأجدى فائدة. وقد مثل هذا الاتجاه في خطاب الإسلام المعاصر مفكرو وفقهاء التيار الإسلامي الذين يتبنون خطا فكريا قوامه مبدأ “الحل الإسلامي” أي القول بأن الإسلام ليس عبارة عن ديانة فقط وإنما هو نظام سياسي واجتماعي وقانوني واقتصادي يصلح لبناء مؤسسات الدولة الحديثة جميعها.

ولهدف إعطاء المصداقية اللازمة لهذا المشروع الفكري والسياسي، تعاظم العمل عندهم بدليل الاستصلاح والمقاصد والمآلات لمواجهة تحديات قوية الشحنات الدهرية لابد من إيجاد حلول مناسبة لها لما ينبني عليها من تأثير في الشعوب هدف الاكتتاب والحشد سلبا أو إيجابا، خاصة أن فكرة تطبيق الشريعة الإسلامية كما بينتها كتب الأحكام السلطانية لا تلقى أي نوع من الترحيب من المجتمع الدولي عموما ومن التيارات الليبرالية أو الحركات العلمانية في بلاد الإسلام التي تريد بناء دول محايدة دينياً، تكون مسألة اتباع الشريعة الإسلامية أو غيرها من الشرائع شأنا فرديا خاصا.

هذا طبعا مع ملاحظة أن منتجي الخطاب المصلحي من أصحاب التيار الإسلامي “السياسي” هؤلاء، يظهر منهم المتحفظ الحذر اتجاه هذا المسلك المبالغ في إعمال العقل والواقع، كما يظهر منهم المتفاعل غير الملتفت ولا الآبه بالانزلاقات الخطيرة التي كثيرا ما تنجر عنه كما سنرى في الأمثلة التطبيقية في القسم الثالث من هذا المقال.

ومن الواضح البديهي أن أصحاب المدرسة التجديدية عموما قد وقفوا أمام سؤال كبير ومتشعب يتعلق بمدى انسجام أو تناقض تعاليم الإسلام مع هذا الكل الوافد من الغرب بشتى تفاصيله ومستوياته. إن هذا السؤال يطرح أكثر من إشكال خاصة إذا انطلقنا من أنه حتى العلوم تبدو في التحليل النهائي غير حيادية في صياغتها وفروشها ومنطلقاتها كما بينت الدراسات المعرفية والنفسية. فهي متأثرة بالغ التأثر بوسوم الخلفية العقدية والاجتماعية والإنسانية لمنتجيها.

فالتضاد بين المادة والروح الذي بشرت به الفلسفة اليونانية هو في الواقع المبدأ الذي يؤسس المعرفة الغربية في مجملها وهو الذي أوجد فكرة التقابل بين السياسة والناس والعقل من جهة وبين الدين والأخلاق من جهة أخرى. فكانت القطيعة بين الدين والدنيا أو المعبد والدولة إحدى مظاهره البادية للعيان.

ولقد تكرست هذه القطيعة بظهور النزعة العقلانية التي رفدتها ميتافيزيقية كانت، وواقعية ديكارت وميكانيكية نيرتوني فقوت فكرة أصالة المادة ووحدتها، وداخلت هذه الفكرة مختلف العلوم الطبيعية والاجتماعية والسياسية والقانونية. ومن هذا المنطلق نشأت نظريات دهرية كنظرية الحق الطبيعي التي تعتبر الطبيعة مرجعا كونيا بعيدا عن الثقافة وإرادة المشرع (روسو) وكنظرية الحق الإيجابي ذي البعد النفعي (جيرمي بنتام) التي جعلت من الحقوق مادة تصاغ عبر الانتخابات والقوانين والدستور والقرارات البرلمانية.

لذا ما إن تنبه بعض المفكرين من المسلمين إلى أن أساس “العلموية” يقوم على مبدأ إقصاء الدين من كل محطات مسار العلم حتى بدأت القناعات تهتز وصار البناء النظري للتجديد على شفا الانهيار لما بدا فيه من الخداع والمغالطة. فاقتنع عندئذ هؤلاء المفكرون بضرورة إعادة النظر في “اليقينيات المحايدة” التي ظلت إلى حد قريب معطى متفقا عليه معلوما بالبداهة، وبرزت نظرية “أسلمة المعرفة” أو “إسلامية المعرفة” عند مفكرين إسلاميين من ذوي الاطلاع على العلم والفكر الغربيين وإلى ما يتأسس عليه من خلفيات فلسفية تقوم على نقيض التصور الإيماني.

فجاءت هذه النظرية مترددة بين تشييد بناء علمي يتوافق مع الإسلام في محتواه ومنهجه وصياغته، أو إعادة صياغة البناء العلمي القائم بما يوائم التصور الإسلامي بإخراج الطابع الكفري من داخله. وطبعا كان الخيار الأخير هو وحده المتاح لأن القرار العلمي ليس بأيدي المسلمين وإنما هم في كرسي التلمذة والتلقي.

وبدأ هؤلاء المفكرون التجديديون مشاريع مختلفة بحسب تنوع القطاعات المعرفية، لنخل العلم الغربي وغربلته من اللواصق المصاحبة له تماما كما فعلوا بشأن منظومة المعرفة الإسلامية بدعوى أسلمة العلوم النقلية، أو أسلمة علوم معارف الوحي، فحاولوا تخليصها من شائبات التخليط والتساهل في النقل الذي لحقها من تطاول الأمد وتراكم التجارب، كما لحقها من تأثير القبليات على نفسية الفقيه وعلى إنتاجه. تلك القبيليات التي تكونت من تداخل الصبغة الذاتية والخبرة المكتسبة والتجربة والموروث والتي تمثل بعدا ثابتا من كينونة الإنسان ولولاها ما أمكنه أن يتلقى أي خطاب؛ لأن الذات الفارغة من العقائد والمقاييس والمبادئ غير قادرة على الفهم بأي شكل من الأشكال.

غير أن نظرية “إسلامية المعرفة” هذه ما ولدت حتى بدأت تتآكل وتذبل. ولعل أول عائق واجهته هو العائق المنهجي المتعلق بتحديد العلم. فالعلم وإن كان بناءات نظرية تفسيرية تقارب الواقع وترمزه، فهو أيضا إدراك الشيء على ما هو عليه، فإذا لم يدرك على ما هو عليه فلا يسمى عندئذ علما ولو اتصف بشروطه الإبستمولوجية المعروفة كالصورية والانسجام والحياد. ومن هذا المنطلق لا تبدو العلاقة جلية بين العلم والدين الذي هو قبل كل شيء أمر روحي وأخلاقي وتنظيمي. خاصة أن قضايا الوحي والمغيبات والمعجزات مسائل خارجة عن الموازين العلمية ذات المعيار التكميمي. فلا مكان للقداسة واليقينية في مناهج العلم وأطروحاته.

ثم إن من شروط العلم أنه كلي وشمولي وقابل للانطباق كلما توفرت الأسباب وانتفت الموانع. ولذا لابد في بنائه من وجود قاسم مشترك ينتظم الطبيعة بكاملها ويخاطب البشر جميعهم. وفي نظرية “إسلامية المعرفة” يتجه السؤال عن القاسم المشترك بين البشر والعلم. وبطبيعة الحال لا يمكن أن يكون هو الإسلام لأن ثلاثة أرباع البشرية – على الأقل- يدينون بغير دين الإسلام. وإذا افترضنا جدلا أن الدين شرط في بناء العلوم فلنستعد لظهور نظريات “تديين” أخرى للعلم؟

2. النوازل الطارئة وكيفيات معالجتها

يتضح الجواب عن السؤال الذي طرحنا في المقدمة، والمتعلق بكيفية مواجهة منتجي الخطاب الإسلامي المعاصر للنوازل الطارئة، من خلال تتبع أجوبة وفتاوي أصحاب المجموعات الثلاث السالفة الذكر حول القضايا المطروحة في الساحة بشيء من التفصيل. إنه بتعبير أكثر شمولا السعي إلى إدراك آليات النظر الاستنباطي المستخدمة في أشكال تفكيرهم حول طبيعة الموقف اللازم اتخاذه من مفردات الحضارة الحديثة المادية واللامادية.

ولما كان التكليف الشرعي هو خروج المكلف عن دائرة هواه وائتماره بأوامر الشارع، وكان الدين الإسلامي قد تميز بميزات الخاتمية والعالمية والتعالي (أي عدم التاريخية)، التي تفرض بالنظر إليها مجتمعة صلوحيته لكل زمان ومكان ومجتمع، وقدرته على مسايرة مصالح العباد، فقد شعر الفقهاء والمفكرون المسلمون المعاصرون بقوة التحدي الذي يواجهون خاصة مع طلب المسلمين المتزايد والضاغط عليهم من أجل التيسير ورفع الحرج و”إتاحة فرص التدين” وأمام المستجدات التي فرضت نفسها على مجتمعات المعمورة جميعا، فحاولوا أن يقدموا إجابات وإن ظل أغلبهم محجما عن الإدلاء برأيه لعدم وجود نصوص من الأقدمين أو لعدم انسجام هذه المستجدات والفقه المتاح.

ومن المعروف أن هذا الهم الناصب المتمثل في “تفقيه” مخرجات المدنية الحديثة، قد بدأ يحتل مساحة كبيرة من فكر المسلمين من أيام جيل النهضة حين تم الاحتكاك شبه الدائم بالغرب. فتسائل الأمير شكيب أرسلان (1869-1946م): “لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم”([3])؟ ذلك الاستفهام الذي ما زال لحد الساعة مدويا، بل انضافت إليه استفهامات أخرى أكثر عمقا وإشكالا من مثل السؤال عن طبيعة الهوية الحضارية للأمة الإسلامية وإمكان تجددها بتجدد إلزامات الظرف التاريخي وموقع الأمة داخله، ومن مثل تجديد قراءة النص والتراث والحاضر بتجدد النظرة للذات وتجدد فاعليتها، وكيف يكون التعامل مع تحديات الحداثة بما تحمله من خلفيات ويحيط بها من لبوسات باعتبارها لحظة فكرية ونفسية حضارية مهيمنة؟ وهل منتوجات الحضارة الغربية تفرض في الحقيقة نفسها؟ وهل تتعارض كلها مع مبادئ الدين الإسلامي؟ وهل يمكن أن نستفيد من إيجابياتها دون سلبياتها؟ وما هي إمكانات المزاوجة بين الخصوصية الثقافية الإسلامية والمشترك الإنساني العام؟

والتفكير حول هذه الأسئلة، توجهه موجهات واقعية وجيهة، تفرض على الفقهاء والمفكرين أكثر من أي وقت آخر، لكي يؤدوا الأمانة التي أنيطت بهم وتحملوا، أن يقترحوا حلولا ملائمة وناجعة تنسجم وتعاليمَ دينهم، وتقي الناس من الحرج والضيق والاشمئزاز، وأن يقدموا بالخصوص مسوغات شرعية لما يتراءى من مستوردات الغرب مما هو كالحيادي من الناحية المعيارية الدينية. خاصة في هذا الظرف الذي تعرف فيه الأمة الإسلامية اجتياحا متعدد الواجهات سواء بالتبشير الديني أو بالقهر العسكري والاقتصادي أو بالاختراق الثقافي والغزو الفكري، وفي الوقت الذي تنساق شعوبها كرها أو اختيارا إلى تبني وأخذ كل ما يعرضه ويُسَوِّقه النموذج الحضاري الغالب الذي يرى أنه كوني شمولي.

وبالرغم من اختلاف ردود فعل أصحاب المجموعات الثلاث على هذه الأسئلة المعروضة فوق، فإنهم ينطلقون كلهم من مبدأ انطولوجي واحد ومركزي هو أن الوقائع التي هي حاجات الناس كثيرة ومتزايدة، وأن النصوص التي هي ألفاظ وعبارات محدودة ومتناهية، وبالتالي يلزم اللجوء إلى أدلة الاستنباط وإن اختلفوا في تقرير الهامش المسموح به منها وفي طبيعة الأحكام الشرعية المنبثقة عنها.

ولما كان القياس التمثيلي (وهو: إلحاق أمر غير منصوص على حكمه بآخر منصوص على حكمه لاشتراكهما في علة الحكم) هو أقوى أدلة الاستنباط وأكثرها إنتاجية في مسار التشريع الإسلامي التاريخي، فقد لجأ إليه الفقهاء واستعملوه كثيرا في تلك الإجابات إلا أنه بحكم ضوابطه الصارمة يحتاج إلى مرجع يسوغ القيام به أي إلى أصل يقاس عليه.

والواقع أن هذه المستجدات في أغلبها لم تعرف لها سوابق في التاريخ ولا مشابهات تكلم عنها الفقهاء ولذا فهي ليست في مقدورات القياس الإنتاجية. من أجل ذلك، توجهت الأنظار نحو آلية أخرى من آليات الاستنباط أقرب مأخذا وأكثر واقعية وهي التي تُووضِع على تسميتها بـ”الاستصلاح” أي الأخذ بالمصالح واعتمادها في التشريع وما ينجر عنها من اعتبار المقاصد والمآلات. ذلك لأنها البوابة الواسعة التي يمكن أن تعالج من خلالها الأسئلة المطروحة من منظور إسلامي، لأن الشارع إنما قصد بشريعته مصالح العباد فكان إليها الملجأ والمفزع لأنها كقياس معنوي – إلى جانب القياس اللفظي- تحقق الاتساع والشمول الذي يكفل مواجهة الحاجات المتجددة.

والمقصود بمراعاة المصالح عند الفقهاء هو أخذ المنفعة معيارا يُقدر الفقيه المفتي من خلاله أحكامَ الوقائع النازلة التي لم يرد فيها نص، سواء كانت تلك المنفعة دينية أو دنيوية مادية أو غير مادية وسواء كانت دافعة لضرر أو جالبة لخير. فالمصلحة هي كلّ معنًى قام به قانون الشريعة، وحصلتْ به المنفعة العامّة في الخليقة”([4]). وهي بحسب الشرع السبب المؤدّي إلى مقصود الشارع؛ عبادةً أو عادةً([5]).

فالحكمة الإلهية قد راعت في الأحكام التي شرعت للعباد ما فيه المصلحة من حفظ دينهم ونفوسهم وعقولهم ونسلهم وأموالهم. وكلّ ما يتضمن حفظ هذه الأصول فهو مصلحة، وكل ما يُفَوّت هذه الأصول فهو مفسدة، ودَفْعُه مصلحةٌ([6]) إذ من المعروف أن الإسلام جاء لحفظ المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها.

ومع أن العلماء أجمعوا على كون الشارع قد راعى مصالح العباد في معاشهم ومعادهم؛ إلا أنهم اختلفوا في التشريع لها من قبل العقل البشري، أو على ضوء الاجتهاد الناظر إلى مقاصد الشرع أو حتى القياس فمنعه بعضهم، وأطلق فيه أخرون في حدود معلومة، وبالغ فيه آخرون مبالغةلم يسلموا فيها من الانتقاد والتبديع. خاصة أن المصلحة أصبحت مصدرا مورودا يتجه إليه كل من انسدت أمامه نصوص الوحي أو الفقه بحيث لم يجد فيها ملاذا أو ضعف عن تحصيلها ومكابدتها.

وسنرى في هذا المكان كيف تعامل الفقهاء والمفكرون مع مبدأ المصلحة للإجابة عن النوازل الواقعة وإلى أي مدى وظفوها في استدلالتهم على أطروحاتهم وردودهم على مخالفيهم. وسنتتبع ذلك من خلال التصنيف الثلاثي الذي عرضنا قبلُ لهؤلاء الفقهاء والمفكرين.

2. 1. المدرسة النصية “السلفية”

لا يولي أصحاب هذه المدرسة كبير أهمية للواقع والسياق البشريين. فقد قرروا أن المصلحة هي ما ورد في الشريعة من المأمورات والمفسدة ما ورد فيها من المنهيات. فمن العلوم من الدين ضرورة أن الوحي قد انقطع وأن الدين قد كمل بتوقفه، وأن الله قد ارتضاه لعباده إلى نهاية الدنيا خطابا متكاملا، وافيا بحاجات الناس. ولذا نلاحظ أن تفكيرهم حيال القضايا المطروحة قد نحا منحيين:

  • أحدهما انعزالي يقول بوجوب الفرار للسلامة من الفتن المتلاحقة كقطع الليل المظلم، وبلزوم العزلة لارتذال الزمان وحلول زمن الخويصة. وهذا المنحى تمثله في نظرنا النزعات الصوفية في أغلبها،
  • ثانيهما صدامي يقول بعموم الجاهلية على مناكب الأرض وحتى في بلاد المسلمين وبحتمية الصراع ووجوب التغيير باليد عينا على كل مؤمن صحيح العقيدة. وهذا المنحى تمثله السلفيات الجهادية التي عرفت في العقدين الأخرين نموا كبيرا وجاذبية منعدمة النظير.

وهكذا ضمر استدلال أصحاب هذه المدرسة بالمصلحة كما ضمر في سلفهم: المذهب الظاهري الذي توقف عند النص وأبطل ما سواه من الأدلة([7])، وكما ضمر قبل ذلك في المذهب الشافعي الذي يعتبر أصحابه أن القول بها ما هو إلا إحداث حكم في الدين لا على مثال سبق. ولذا منعوا الأخذ بها، وردوا على المحتجين لها بعكس القياس الذي عملوا به. خاصة أن العقل يغلب عليه الهوى وتخفى عليه بعض وجوه الضرر والفساد، الأمر الذي يجعل المصلحة – في نظرهم- غير منضبطة، بخلاف الحال مع القياس الذي مرده إلى فهم النص لا العقل المستقل([8]).

ولقد شنع أصحاب هذه المدرسة على القائلين بالاستصلاح ووصفوهم بقلة الفقه ورقة الدين، وأنهم صاروا يخوضون في أحكام الشريعة، ويفتون في المسائل بلا حجة ولا برهان مستدلين بالمصالح المرسلة، التي تقررها عقولهم القاصرة، وبذلك أباحوا كثيراً من المحرمات، لأنها بزعمهم خلاف المصلحة التي هي مقصود الشارع.

من هنا قلت الفتاوى التي تعتمد على الاستصلاح في إنتاج أصحاب هذه المدرسة، وغابت الإجابات عن الإشكالات الفكرية والحضارية المطروحة اليوم على المسلمين بخلاف ما سنرى مع أصحاب المدرستين الأخيرتين الذين سعوا –كل حسب آلته الاستدلالية- إلى بناء منظومة تشريعية تجمع بين غايتين كالوجهين للورقة الواحدة إحداهما: تيسير حياة الناس وثانيتهما: الخضوع لأوامر الشرع.

2. 2. المدرسة “الفروعية المذهبية”

يعتبر أصحاب هذه الدرسة – ويمثلون المجموعة الثانية في التصنيف الذي اعتمدناه- أن الاستصلاح دليل شرعي قوي سواء كان مستقلا بذاته أو اندرج في باب مسالك العلة من القياس. فالمصلحة هي ما ورد به الشرع من كليات وما قرره النظر مما لا يصطدم بالشرع من الجزئيات، ولذا كان اعتمادها منتجا للأحكام – لأنها الوسيلة إلى تفقيه حادثة لم يرد ذكرها بنص ولا أمكن ربطها به على نحو القياس- دليلا اجتهاديا سائغا.

ذلك لأن مبدأ صلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان يرجع إلى أن أحكامها مبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد. والمصلحة كما يرى الإمام الغزالي لا تعود إلى دليل معين كالقياس، وإنما إلى أدلة كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسنة وقرائن الأحوال وتفاريق الأمارات، مما جعلها حجة قطعية. إذ باستقراء مختلف أدلة الشريعة العامة والخاصة يتبين مراعاة الشارع للمصلحة مما يجعلها أصلا مستقلا مقصودا. فجميع أحكام الشريعة لا تخلو من مصلحة ضمن مصالح ثلاث هي الضرورات والحاجيات والتحسينات، ولكل منها ما يكملها.

وقد عُرف عن الإمام مالك أنه أبرز من قال بالأخذ بالمصلحة صراحة حتى قال الفقيه المالكي ابن العربي: “لم يفهم الشريعة من لم يحكم بالمصلحة”. وحتى قرر الإمام الشاطبي أن الشريعة إذا ما أخذت كالصورة الواحدة بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المرتبة عليها، وعامها المرتب على خاصها أو مطلقها المحمول على مقيدها، ثبت أنها مؤسسة على المصلحة.

وليس المالكية وحدهم من انفرد بقبول الأخذ بالمصلحة والاقتناع بحجيتها، وإنما وافقهم على ذلك العلماء في غالب المذاهب([9]) مكتفين بمطلق المناسبة التي لا معنى لها إلا اعتبار المصلحة المرسلة. فالمصلحة المرسلة كما قال القرافي معمولٌ بها في جميع المذاهب عند التحقيق؛ لأنهم يقيسون ويفرّعون بالمناسبات، ولا يطلبون شاهدا بالاعتبار، وهم عند التفريع يعلّلون بمطلق المصلحة، ولا يطالبون أنفسهم عند الفروع والجوامع بإبداء الشاهد بالاعتبار، بل يعتمدون على مجرّد المناسبة، وتلك هي المصلحة المرسلة([10]).

وربما يكون قائد مالك إلى التعويل على المصلحة هو ما رأى عليه العمل بين الصحابة إبان عهد الخلافة الراشدة، إذ كان نظرهم لا يخلو من العمل بها. وقد ذكر العلماء نماذج عدة من عمل الصحابة بالمصلحة المرسلة واتفاقهم عليه: كجمع المصحف في عهد الخليفة أبي بكر، وحد شارب الخمر بثمانين جلدة في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وزواج امرأة المفقود بعد أربع سنين من انقطاع خبره لترجيح مصلحة الزوجة، وتضمين الصنّاع عند تلف أو ضياع ما في أيديهم من أمانة، وجواز الضرب للمتهم ليقر بالمسروق، وجواز قتل الجماعة بالواحد، إلخ.

وبما أن نص الوحي هو منطلق الشريعة، ومدار التكليف، والعناية به مطلب شرعي وسيلةً ومقصداً، ومما يتصل بذلك: بيان المؤثرات على النص الشرعي، وموقعها منه اعتباراً وإلغاءً، تقديماً وتأخيراً، والمصلحة من العوامل المؤثرة في عمل النص الشرعي، وعلى هذا الأساس جاء بحث العلماء في بيان الضوابط الأصولية لإعمال المصلحة في النص الشرعي. فنبهوا على تأخر مرتبة المصلحة عن مرتبة النص في الدرجة لأن المصلحة التي يحتجّ بها أهل العلم هي المصلحة المرسلة أي التي لم يشهد لها الشرع باعتبار ولا إلغاء، فمتى ورد النص بخلافها فهي المصلحة الملغاة. كما قيدوا إعمالها بضوابط محددة صيانة للشريعة عن تأويل الجاهلين وتحريف الغالين وتحقيقا لمقصدها من تعبيد العباد لربهم بإخراجهم من دواعي الأهواء ورغبات النفوس.

وهذه الضوابط منها ما يتعلق بالاحتجاج بالمصلحة كأهليّة المحتجّ المستدلّ بها من حيث تمكنه من العلم الشرعي وفقه الواقع، وكتعظيم النصّ الشرعي وتقديمه ومجانبة الهوى، وكإعمال دليل المصلحة في العادات المعقولة المعنى افتراضا، دون العبادات المبنية على التوقيف والاقتصار على مورد النص([11]).

ومن هذه الضوابط ما يتعلق بالمصلحة المراد الاحتجاج بها، كأن لا تكون معارضة للنصّ الشرعي ولا مصطدمة بمصلحة أرجح منها، وكأن تكون ملائمة لمقاصد الشريعة مندرجة في أحد فروعها المعتبرة شرعاً، وأن تكون ضرورية داخلة ضمن مقصود الشرع من الضرورات الخمس، وأن يعم النفع المترتّب على تحقيقها عامة الناس أو أكثرهم، وأن يتيقّن تحقيق الفائدة المرجوة منها([12]). لذا ذهب الإمام الغزالي إلى أن المصالح المرسلة لا يجوز العمل بها حتى تتوافر فيها ثلاثة شروط: هي: القطعية، والكلية، والضرورية([13]) وقد تبعه في هذا القول كل من الفخر الرازي([14])، والآمدي([15]).

ويؤكد ذلك السيوطي في كلامه عن الوصف المؤثر والمناسب والمرسل في باب القياس فيقول: “وقد قبله مالك مطلقا. وكاد إمام الحرمين يوافقه مع مناداته عليه بالنكير. ورده الأكثر مطلقا. وقوم في العبادات. وليس منه مصلحة ضرورية كلية قطعية لأنها مما دل الدليل على اعتبارها فهي حق قطعا. واشترطها الغزالي للقطع بالقول به، لا لأصل القول به”([16]).

2. 3. المدرسة التجديدية “الأصولية”

يذهب رواد هذه الدرسة – ويمثلون المجموعة الثالثة في التصنيف الذي اعتمدناه- إلى أن المصلحة هي ما يراه العقل مصلحة ويمليه الواقع. فنصوص الشريعة لا يمكن أن تتقاعد عن إفادة المصالح ولا أن تتعارض معها بأية حال. ويعتبر مذهب الفقيه الحنبلي نجم الدين الطوفي (ت. 716هـ)، الذي كان أول من وسع حجية المصلحة وبسطها الى الحد الذي أجاز من خلالها تغيير حكم النص والاجماع([17])، المرجعَ الذي ينطلق منه أغلبهم ويستدل به.

لذا يرى فقهاء هذه المجموعة جواز الأخذ بالمصالح حتى مع عدم ضرورتها وكليتها وقطعيتها، طالما أنها ليست مما نص الشرع على إلغائه، وكانت مما يلائم مقاصده بحيث لا تتنافى مع أصل من أصوله ولا دليل من أدلته، ومعقولة في ذاتها بحيث لو عرضت على العقول لتلقتها بالقبول، وأن تكون راجعة إلى حفظ أمر ضروري، أو رفع حرج لازم في الدين. فرجوعها إلى حفظ الضروري من باب ما لم يتم الواجب إلا به واجب، أما رجوعها إلى رفع الحرج فراجع إلى باب التخفيف والمشقة([18]).

بل ذهب البعض منهم إلى أنه يكفي لجريان حكمها اعتبارها عقلانية وملائمة لمقاصد الشرع العامة. فبهذا الاعتبار يمكن الأخذ بالمصلحة الشخصية، كما يمكن الأخذ بالمصالح الكمالية مما لا يعود إلى الضرورات المتعارف عليها كما هو مذهب الغزالي، ولا إلى رفع الحرج. وفي هذا المعنى يقول الشاطبي: “ينبغي المحافظة على الحاجي والتحسيني للضروري”([19]).

وهذا الكلام يدل على أن الإخلال بالحاجيات أو التحسينيات يعود بالإخلال بوجه ما على الضروريات. بمعنى أن الحاجيات والتحسينيات تكون مثل الضروريات في بناء الأحكام عليها، وأن المحافظة على المصالح الضرورية لا تكمل إلا بالمحافظة على المصالح الحاجية والتحسينية.

ويتأيد هذا الموقف بكلام للغزالي في مكان آخر يقول فيه: “أما الواقع في رتبة الضروريات والحاجيات فالذي نراه أنه يجوز الاستمساك به إن كان ملائما لتصرفات الشارع ولا يجوز الاستمساك به إن كان غريبا”([20]). ففي كلامه هنا يضيف الحاجيات إلى الضروريات ويدخلها في مجال المصالح المرسلة وإن لم يذكر التحسينيات.

ولقد وجه السبكي كلام الغزالي عندما ذكر أن المصلحة المرسلة لابد أن تكون: كلية، ضرورية، قطعية، بأنه يقصد بذكر هذه الشروط بيان متى تكون المصلحة المرسلة قطعية، ولا يقصد أنه لا يعمل بالمصلحة المرسلة حتى تتوافر فيها هذه الشروط. وإنما معنى كلامه أن المصلحة المرسلة قد تكون قطعية وقد تكون ظنية وكلاهما يعمل بها. وأما متى تكون قطعية فلا بد فيها من هذه الشروط الثلاثة. فهذه الشروط إنما تعتبر لقطعية المصالح المرسلة وليس للعمل بها. وانتفاء أحدها يعني انتفاء قطعية المصالح المرسلة ولا يعني عدم العمل بها([21]).

كما يستدل أصحاب التجديد بنصوص بعض العلماء الآخرين الذين لا يذهبون مذهب الطوفي كابن السبكي الذي يقول: “أرجعَ شيخُ الإسلام عزّ الدين بن عبد السلام الفقهَ كلَّه إلى اعتبار المصالح ودرء المفاسد، ولو ضايقه مضايق لقال: أُرجع الكلّ إلى اعتبار المصالح، فإن درء المفاسد من جملتها”. وكالقرافي القائل: “إنّ الله تعالى إنّما بعثَ الرسلَ عليهم الصلاة والسلام لتحصيل مصالح العباد عملاً بالاستقراء، فمهما وجدنا مصلحة؛ غلب على الظنّ أنّها مطلوبة للشرع”.

ويؤكد أصحاب هذه المدرسة أن توظيف طريقة الشاطبي في الإستقراء تؤدي إلى جعل حجية المصلحة تتجاوز القضايا التي لا نص فيها إلى تلك التي ورد فيها النص, وذلك ما يبرر تغيير الحكم لا في حدود التغيير الجزئي من تخصيص عام النص وتقييد مطلقه، وإنما تغييرا كليا وذلك لعدة اعتبارات عدوا منها:

  • إجازة للغزالي ترجيح المصلحة على حكم النص والاجماع فيما لو تعارضا، معتبراً أن هذا الترجيح يستلزم ثلاثة شروط؛ هي: ضرورية المصلحة وقطعيتها وكليتها. وقول الغزالي بجواز ترجيح المصلحة على حكم النص والاجماع ولو ضمن شروط يجعل القول بترجيح المصلحة على حكم النص بابا مفتوحا لا ممنوعا من حيث المبدأ، أو مرفوضا جملةً وتفصيلاً.
  • وجود قواعد فقهية مثل: “الضرورات تبيح المحظورات” و”الحاجة تنزل منزلة الضرورة”، و”المشقة تجلب التيسير”، تمثل موجهات تسند حجية ترجيح المصلحة واعتبارها أقوى من حكم النص والاجماع. وإن كانت تلك القواعد تشترط وجود الضرر البالغ الذي لا يوجد في دليل المصلحة القائم على التعميم وإن كان الطوفي يرى المصلحة نقيض الضرر بحيث لا واسطة، فحيث تكون المصلحة ينتفي الضرر، وحيث تنتفي المصلحة يتحقق الضرر.
  • حكم العلماء أن المقصد الأساس من وضع الشرع هو تحقيق مصالح الانسان الذي تدل عليه مختلف الاحكام الشرعية في جميع أبواب الفقه، سواء كانت المصالح ضرورية أو حاجية أو تحسينية. وهذا الحكم هو الذي أخذ من الشاطبي جلّ اهتمامه في كتاب الموافقات والذي كرس له منهجه المميز في الاستقراء. فعدّ المصالح مقاصد شرعية تُبتغى وراء أحكام النصوص يقضي ضرورة تقديم المقاصد على الوسائل عند التعارض، مما يدل على صحة حاكمية المصلحة على غيرها من الأحكام.
  • إطلاق مقولات من مثل مقولة صحة تأثير الزمان والمكان على تغيير الأحكام، وتبني بعض الفتاوى التي تختلف كلياً عن أحكام النصوص بدعوى أن هذه الأخيرة كانت تعالج وضعاً خاصاً ضمن ظروف معينة لا يليق تمديدها عبر الزمان والمكان. وكذلك قولهم في جواز تشريع ولي الأمر ما يناسب اعتبارات المصلحة حتى ولو اختلف في ذلك عن السياسة النبوية لتغير الظروف.

غير أن أغلب العلماء من هذه المدرسة يتوجّس خيفة من الأخذ بالمصلحة بمفهومها الواسع، فاعتبر أن قول الطوفيّ في الاحتجاج بها وتقديمها على النصّ والإجماع كان شذوذاً لم يوافَق عليه إلا من طرف الذين اعتبروه من باب البيان والتخصيص، أي تقديم نص على نص لمعارضته له وليس افتئاتا على الأدلة أو معاندة لها([22]). خاصة أنّ هناك –حسب نظرهم- من يتذرّع بها للانفلات من أحكام الشرع بجعلها فوق هذه الأحكام زاعمًا أن مدار الشريعة على مصالح العباد وحيث وُجدت المصلحة فثمّ شرع الله ولو خالفت نصوص القرآن والسنة، وأن على هذا يسير الكثير من العلمانيين في دول الإسلام وقد ذهب به دعاة الحداثة والتنوير والتيسير كل مذهب.

وفعلاً يلقى هذا المبرر مصداقية كبيرة في واقع التشريع بسبب التوظيف المفرط الذي مارسته الأنظمة ومحترفو السياسة لتوجيه الآراء الفقهية لما يريدون. فلعدم وجود الضابط مع كثرة الأهواء، سيما هوى السياسة، أخذ الكثيرون يستحسنون ويستصلحون لأدنى مبرر ومناسبة. وقد سبق للقرافي أن كشف عن سبب عزوف العلماء عن استثمار مبدأ المصالح المرسلة وتوظيفها، معطياً للجانب السياسي مركز الصدارة في ابتعاد الفقهاء الورعين عن ممارسة هذا المبدأ الفقهي، وذلك – كما يقول – بسبب خوفهم “من اتخاذ أئمة الجور إياه حجة لإتباع أهوائهم وارضاء استبدادهم في أموال الناس ودمائهم، فرأوا أن يتقوا ذلك بإرجاع جميع الأحكام إلى النصوص ولو بضرب من الأقيسة الخفية. فجعلوا مسألة المصالح المرسلة من أدق مسالك العلة في القياس ولم ينوطوها بإجتهاد الأمراء والحكام”.

3. نماذج من الإجابات والحلول

سعيا منا -كما أسلفنا – في إعطاء هذا المقال محتواه التجريبي، فإننا سنحاول النظر في جملة من النوازل المتأتية من عولمة النموذج الغربي لقوة جاذبيته وإقناعه وفرضه أنماط تفكير وممارسة على جميع المجتمعات والثقافات سواء منها ما كان ذا طبيعة اقتصادية ومالية، أو ما كان لصيقا بالسياسة أو ما تعلق بالحقوق.

نلاحظ أن أصحاب “المدرسة النصية/السلفية” وقفوا من المستجدات التي يصدرها الغرب موقفا رافضا لها جملة لا تفصيلا. ولشرح ذلك نجدهم يفرقون بين جانبين منها: جانبٍ مادي يعتبرونه محايدا ولذا فهو مقبول كالحاسوب والتلفاز، وجانب غير مادي كالأفكار والنظم والمعايير فهو غير مقبول ولا مرحب به، بل شرك وطاغوت وأحكام وضعية.

أما أصحاب المدرستين الأخيرتين (الفروعية/التقليدية والأصولية/التجديدية) فيتفاعلون مع هذه المستجدات الوافدة بنسب من القبول مختلفة بحسب اختلاف المدرستين، وبدرجات متفاوتة بينهم في داخل كل واحدة منهما. فهم في أغلبهم لا يقولون بمبدأ العزلة، ولا يريدون للناس أن يبقوا على الهامش وتضيع حقوقهم، ولا أن يضيقوا عليهم شؤون دنياهم، ويستحضرون جميعهم قاعدة: “الضرورات تبيح المحظورات”، ولكنهم يختلفون في تقدير الضرورة اختلافا كبيرا. فمن مقلص لأثرها في الحكم إلى حد القول بأنها المبيحُ للميتة أو دونه، ومن متوسط يرى أنها ما يدخل على الإنسان عسرا في حياته اليومية، ومن موسع لها لدرجة شمولها للحاجيات والتحسينات.

ولن نتوقف عند رأي الممتنعين من التعامل مع هذا الجديد الوافد إلا في جزئه المادي، وإن كنا نرى ضرورة التنبيه على أن التحكم في آثار المستورد المادي ليس أمرا بديهيا، لا لأنه سلاح ذو حدين فحسب، بل لأنه يحمل معه خلفية منتجيه الدينية والثقافية والاجتماعية التي لا شك أنها تفرض نفسها على مستخدميه، وإنما سيكون همنا تقصي إجابات أولئك الذين سعوا في توسيع باب إمكانات التعاطي مع هذا الجديد في مختلف أشكاله إثر التغير الكبير في الإحداثيات الفكرية والمسلكية والاقتصادية التي انبنت عليها أغلب الأحكام سابقا، ومن أجل تسهيل حياة الناس التي لم تعد في غنى عن ما يتمهد من أسباب الرفاه وموجبات التقدم المتولدة عن هذه المستجدات.

لذلك سينحدُّ تحليلنا في جواب السؤال الذي طرحنا في مقدمة هذا العمل حول درجة نجاح أصحاب هذا الخطاب الإسلامي “المنفتح” في تقديم إجابات فقهية تحل جزءا من هذه الإشكالات القائمة، وتكتسي صفة المقبولية في أوساط المجتمع الفقهي، وتخضع لشروط صناعة الفتوى والاجتهاد.

وسنركز في استعراض الإجابات المقدمة على بيان المصدر التشريعي الذي انطلق منه هؤلاء في الاستدلال لآرائهم، وعلى طبيعة الأحكام التي خرجوا بها هل استطاعت رفع اللبس والغموض عن بعض القضايا المشكلة وهل قدمت حلولا واضحة للمسائل المستعصية التي عمت بها البلوى؟ وكيف زاوجت بين ما هو من الدين مجمع عليه، وبين قواعد الترخص والضرورة وعسر الاحتراز.

ولقد اخترنا عينات من المستجدات نعتبرها أشد وقعا على المسلمين وأكثر إثارة للجدل بين أهل الفقه وجمعناها في ثلاث زمر هي:

  • التعاملات المالية الحديثة وسنخص بالنقاش مسألتي: التعامل البنكي والتأمين
  • الشأن السياسي وسنتعرض لمسألتي: الديموقراطية والدولة المدنية
  • حقوق الإنسان وسنقتصر على الحديث عن مسألتي: حق المعتقد والرأي وحقوق المرأة

ومن نافلة القول الإشارة إلى أن هذه المسائل ليست هي وحدها التي اشتد حولها النقاش وتعددت عنها الإجابات وإنما نحن أمام غيض من فيض من المستجدات التي تولدت عنها أجوبة كثيرة ومتفاوتة في القيمة والوجاهة الشرعيتين يمكن أن نعدد منها: حد الرجم، حكم المصافحة والخلوة، فقه الأقليات،حكم التجارة مع غير المسلمين، زواج المسيار، مفهوم دار الحرب ودار الاسلام، إلخ.

3. 1. نوازل التعاملات المالية الحديثة

كما أسلفنا قبل قليل، تكثر أشكال المعاملات المالية الجديدة التي لم تعرف فقها خاصا في التشريع الإسلامي والتي يطالب الفقهاء أفرادا أو مجامع أن يقدموا فيها رأيا فقهيا حين أصبحت من المعيش في واقع المسلمين جراء التواصل السريع، وتدفق سيل المستجدات التقنية والفكرية والثقافية والعلمية، وانفتاح الأسواق العالمية على مصراعيها.

وطبيعي أن تتأخر إجابات الفقهاء والمفكرين وتضعف أحيانا، وطبيعي أن تتقاصر عن ملاحقة ما يجد في الغرب من أفكار ونظم ومنتجات، فعذرهم قائم لأنهم يعيشون صدمة حضارية قوية ما زالت آثارها بادية للعيان، ولأن وتيرة ظهور هذه المستجدات ما فتئت تتسارع وحلقاتها تتواصل في حين أن آليات الاستنباط عند هؤلاء المذكورين تتضائل جيلا بعد جيل، ويحتاجون إلى وقت متسع لفهم تلك المستجدات واستيعابها والتأمل في آثارها السلبية أو الإيجابية.

كما أنه من الطبيعي أن تتسع شقة الخلاف حول القضايا المتعلقة بالمعاملات المستحدثة لوجود الفقهاء بين خيارين أحلاهما مر: أحدهما إلزام المسلمين برأي فيه تضييق عليهم شديد قد يؤدي إلى فتنتهم في دينهم فيسبب ذلك ضررا أكبر هو الصد عن سبيل الله، والحال أن هذا الدين يسر وأنه ما شاده أحد إلا غلبه، وأن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى، وأن الأمر ورد بالتبشير لا بالتنفير وبالتيسير لا بالتعسير.

وثانيهما تشريع نظام اقتصادي عالمي يتنافر ومبادئ الإسلام في بعديه التعاملي والأخلاقي. فمما لم يعد يحتاج اليوم إلى البيان والدليل أن الرأسمالية الليبرالية المسيطرة اليوم تقوم على خلفية فكرية قوامها أن الكون المادي أبدي آلي نشأ بمخلوقاته من خلال تطور عشوائي، وتتسم فيه مصادر العيش بالندرة، ويحكمه مبدأ “البقاء للأقوى”، ولا يتم فيه الحصول على الاحتياجات الأساسية إلا من خلال الصراع والتناحر، والإنسان حر في البحث عن مصالحه أين وأينما كانت وكيف كانت، والفائز هو الأجدر بالبقاء لأنه الأقوى.

من هذه المعاملات المالية الجديدة التي تفرض نفسها في ساحة الإفتاء يمكن أن نذكر: التقابض بالهاتف أو بوسائل الاتصال الحديثة، إرسال المال عن طريق مكاتب النقل، شراء الدور بصيغ الكراء المنتهي بالبيع، تحديد طبيعة الأوراق المالية، إلخ. غير أننا اقتصرنا على مسألتي التأمين والمعاملات البنكية اللتين أصبحتا الآن تقليديتين في واقع النقاش الفقهي لطول البحث فيهما ولقيام محاولات بدائل عنهما أصبحت متاحة للجميع وإن لم تظهر نجاعتها في واقع الناس بشكل مقنع.

Ø   التأمين

يمثل التأمين عقد معاوضة يتم بين شركة تأمين ومستأمن معين تتعهد الشركة بموجبه بدفع مبلغ من المال في حال حدوث خطر على المستأمن، مقابل التزام هذه الأخير بدفع مبلغ مالي محدد. وبالطبع فهذا النوع من المعاملة المالية لم يكن معروفا في الفقه الإسلامي لأنه من مستجدات المعاملات التي نشأت في بلاد الغرب في سياق انتشار الفردية المفرطة في مجتمعاته، وانبتات عرى التعاون بين أفراده، وإحجام الكثير من أهل المال عن المعاملات التجارية التي يقوى فيها هامش المخاطرة وتتعدد حوادث الخسارة.

ولقد ناقش الفقهاء المسلمون أفرادا ومجامعَ هذا العقد في صيغه المختلفة من تأمين على الأنفس، وتأمين على الأموال، وتأمين على الأفعال (المسؤوليات)، واختلفت فيه آراؤهم ومال أغلبهم إلى تحريمه([23]). لأنه –حسب نظرهم- فاسد في جميع صوره فلا ينعقد شرعا. وصور الفساد التي تعتوره لها عدة أوجه.

  • وجه قمار وميسر أي لعب بالحظوظ لاستحكام الجهالة فيه. لأن حقيقته: ادفع كذا فإن وقع لك كذا أعطيناك كذا. وهذا تعليق على خطر قد يحدث وقد لا يحدث. ووجه القمار فيه أنه يؤدي إما إلى أن تتحمل جهة التأمين (المستَأمَن) غرما بلا جناية ولا تسبب فيها ما دام المُأمِّن إذا دفع قسطاً من التأمين ووقع الحادث، فإنها تغرم كل مبلغ التأمين، وإما أن تكتسب غنماً بلا مقابل في حال ما إذا دفع المُأمِّن كل أقساط التأمين ولم يقع له أي حادث. وعلى هذا الأساس اعتبر هؤلاء الفقهاء التأمين داخلا في عموم النهي عن الميسر الوارد في قوله تعالى: “يَـۤأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلاٌّنصَابُ وَٱلاٌّزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”.
  • وجه غرر وجهل لأن المُؤمِّن يدفع مبلغا معروفا لغرض الحصول على مبلغ مجهول وهو ما سيدفعه المستَأمَن من مال مقابل الخطر الممكن الحدوث في المستقبل، المجهول الوقت والمقدار. خاصة أن التأمين لا يكون إلا ضد الخطر المحتمل لأن المُؤمِّن قد يدفع قسطاً واحدا ويقع الخطر، وقد يدفعه ولا يقع له خطر إطلاقا. وبهذا تجتمع في التأمين أنواع الغرر الثلاثة الفاحشة (الحصول، المقدار، الأجل). والغرر محرم بأحاديث كثيرة صحيحة، كحديث أبي هريرة: “نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر”.
  • وجه غبن: وهذا قد يكون للمستَأمَن إذ قد يدفع له المؤَمِّن قسطاً أو قسطين ثم تقع الكارثة فيستحق هذا الأخير كل ما التزم له، وقد يكون للمؤَمِّن، إذ قد لا تقع الكارثة أصلاً فيدفع الأقساط التي التزم بها ولا يأخذ شيئاً.
  • وجه رهان محرم: لأن الشرع لم يبح من الرهان إلا ما فيه نصرة للإسلام. ولذا حصر النبي صلى الله عليه وسلم رخصة الرهان بعوض في ثلاثة فقال: “لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل”. وليس التأمين من هذه الثلاثة ولا شبيهاً بها، فكان محرماً لأنه قائم على الجهالة والغرر والمقامرة.
  • وجه أخذ مال الغير بلا مقابل في عقد معاوضة، وهو محرم لدخوله في عموم النهي عن أكل أموال الناس بالباطل الوارد في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (سورة النساء، آية 29). والتأمين عملية احتيال لأخذ مال الغير بمجرد التزام المستَأمَن ضمان الخطر على تقدير وقوعه مقابل مبلغ يدفعه المؤَمِّن مسبقا، والحال أن الأول لم يبذل عملاً يستحقه به. وقد أثبتت دراسات إحصائيات قيم بها في آلمانيا([24]) أن نسبة ما يعاد إلى المؤمِّنين مما أخذ منهم لا يتجاوز مقدار 2.9%.
  • وجه إلزامٍ بما لا يلزم شرعاً. ذلك أن المستَأمَن لم يحدث الخطر، ولم يتسبب في حدوثه فلا هو مباشر ولا متسبب وبالتالي لا موجب لتعويضه ما لم يكن من جنايته.
  • وجه ربا: لأن أصحاب التأمين يأخذون نقود الناس حالة أو مقسطة، ويعِدونهم بإعطائهم نقودا أقل أو أكثر متى وقع الحادث المعين المؤمن ضده. وهذا هو عين الربا المحرم بالنص والإجماع لاشتماله على ربا الفضل (بيع نقد بنقد أقل منه أو أكثر) وعلى ربا النسا (شراء نقد بنقد مع تأجيل أحدهما)، وعلى ربا الدين الذي هو بيع الدين بالدين، (حيث أن المؤمِّن يدفع قيمة التأمين مقسطة في سبيل الحصول على دراهم أكثر منها مؤجلة).

وفي المقابل ذهب بعض الفقهاء والمفكرين إلى جواز عقود التأمين بأنواعها([25]). واستدلوا بأدلة عديدة منها:

  • أن الضرورة تقتضيه: لأن حد الضرورة هو ما يغلب على الظن وقوع المرء بسببه في الهلكة، أو أن تلحقه بسببه مشقة لا تحتمل، أو لا يتمكن المرء معه من تحقيق الحد الأدنى من الحياة. ومن أمثلة هذه الضرورة عند الفقهاء حال من أشرف على الهلاك ولم يجد سبيلاً لإطعام نفسه إلا بالربا، أو كان في حرج وضائقة لا يدفعها إلا به كأن لم يجد لباسا يكسو به بدنه أو مسكناً يؤيه. فالصواب الذي تشهد له نصوص الشرع وتتحقق به مقاصده أن الربا في هذه الحالة جائز لاضطرار صاحبه. وقد قال تعالى: “وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه” [الأنعام: 119] وقال تعالى: “فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه” [البقرة: 173]. والمأمِّن مضطر لأنه مفروض عليه من السلطان وإلا منعه من الانتفاع بما طلب منه تأمينه، ولأنه إذا جنى في مال أحد أو نفسه لا يستطيع بمفرده تحمل قيمة الجناية والعاقلة لم تعد موجودة كما كانت. والضرورة تقدر بقدرها وحيث زالت فلا يجوز التعامل بالربا بل يرجع الخطاب إلى أصل التحريم.
  • أن المصلحة توجبه: لأن مصلحة المؤمِّن تنحصر في حصول الطمأنينة في مزاولة نشاطه، والتأمين يحقق له هذا الغرض فلا يتهيب إذن في سعيه. وبما أن المصالح في الشريعة على ثلاثة أقسام: قسم شهد الشرع باعتباره فهو حجة، وقسم شهد الشرع بإلغائه فهو ملغى، وقسم سكت الشرع عنه فلم يشهد له بإلغاء ولا اعتبار فهو (مصلحة مرسلة) وهي محل اجتهاد المجتهدين. والتأمين واضح الدخول في هذا القسم الأخير لأن منفعته محققة واضحة الفائدة، وتتعلق بأمر معقول المعنى، وتعم على الجميع، وتحفظ أمورا داخلة في مشمول الضروريات الخمس المعلومة التي لا قيام للمجتمع بدونها.
  • أن الأصل في العقود الإباحة ولا تحرم إلا بنص، والتأمين عقد جديد لم يشمله نص بالإلغاء لعدم مصادمته قاطعا من قرآن أو سنة أو مقصداً من مقاصد الشريعة الإسلامية.
  • أنه صورة من التعاون المطلوب، فكلا طرفي عقد التأمين مفيد ومستفيد.
  • أن السلطات التي لها الأمر تفرضه على الجميع.
  • أنه يقترب من عقد الموالاة الذي يتم بمجرد أن يقول شخص مجهول النسب لآخر معلومه: أنت وليي تعقل عني إذا جنيت وترثني إذا أنا مت.
  • أنه يشبه نظام العاقلة الذي تدفع فيه القبيلة أو الديوان حق دية القتل الخطأ أو شبه العمد لزاما عليها.

ورغم وضوح وجه المصلحة في استدلالات مبيحي عقد التأمين، بدليل سعي المحرمين له لإيجاد بديل شرعي عنه يقتبس منه كثيرا كما سنرى لاحقا، فإن قياس عقود التأمين على ولاء الموالاة عند من يقول به، قياس مع وجود الفارق. ومن الفروق بينهما أن هدف جهة التأمين هو الربح المادي حصرا، القائم على الربا والغرر والقمار وفاحش الجهالة بخلاف عقد ولاء الموالاة الذي يعتبر التآخي في الإسلام والتناصر والتعاون في الشدة والرخاء وسائر الأحوال هو مقصده الأول، وما يكون من كسب مادي فالقصد إليه بالتبع.

كما أن قياسه على نظام العاقلة قياس أيضا مع وجود الفارق، ومن الفارق أن الأصل في تحمل العاقلة لدية الخطأ وشبه العمد ما بينها وبين القاتل من الرحم والقرابة التي تدعو إلى النصرة والتواصل والتعاون وإسداء المعروف ولو دون مقابل، وعقود التأمين تجارية استغلالية، تقوم على معاوضات مالية محضة، لا تمد إلى عاطفة الإحسان وبواعث المعروف بصلة.

ولضرورة التأمين في عالم اليوم، برزت منه أنواع يعتبرها الفقهاء شرعية، ويرونها بديلا عن التأمين التقليدي وهي: التأمين التعاوني، والتأمين التكافلي (التأمين الإسلامي). فالتأمين التعاوني عقد تبرع يقره الإسلام([26])، وهو أن يشترك مجموعة من الأفراد في دفع مبلغ معين في صندوق، ويتفقون على دعم من تنزل به نازلة أو يحدث له سماوي. وهذه المجموعة لا تستهدف في هذه العملية الربح وإنما تسعى للتعاون في تعويض الضرر الذي يلحق بأحد الأعضاء بتوزيعه عليهم جميعاً. ولابد أن يكون القسط أو الاشتراك في هذه الجمعيات التعاونية من قبيل التبرع.

أما التأمين التكافلي فهو عبارة عن شركة فيها مساهمون يسعون لتحقيق الربح ويختصون بصندوق المساهمين، وفيها مشاركون هم المؤمن لهم يدفعون اشتراكات تكوِّن صندوق المشتركين هو الذي يقوم بدفع التعويضات المستحقة. وفي حالة عدم كفاية الأموال الموجودة في الصندوق، فإنه يقترض من صندوق المساهمين قرضا بدون فائدة ويسترجع القرض من الفائض الذي قد يحققه صندوق المشتركين في المستقبل. أما في حالة تحقيق فائض في صندوق المشتركين فييوزع عليهم أو يسجل لحسابهم لتسديد الاشتراكات المقبلة.​​

Ø   المعاملات البنكية

من أكثر القضايا التي اختلف حولها العلماء طيلة القرن الماضي نقاشا مسألة التعامل البنكي وعلاقته بالربا، وطبيعة البدائل عنه في واقع حضاري واجتماعي ضعفت فيه الآليات التقليدية التي تهب عادة لمساعدة ذوي الحاجات، وكيفية إقامة مؤسسة مصرفية مقبولة شرعا في ظل نظام اقتصادي ومالي شمولي، صائغوه ومسيروه ليسوا من المسلمين، ويتعاملون مع الآخر من موقف الغلبة والشعور بالتفوق، والاستقلالية في الرأي والقرار.

فالبنك في شكله التقليدي: مؤسسة ينحد اختصاصها في إقراض واقتراض النقود. وأساس وظيفتها هو الاتجار في الديون، وذلك بإقراض ما يودع الزبناء لديها، أو باقتراض أموال المودعين مقابل زيادة محددة على أصل المال، ووظيفتها الثانية هي: خلق الديون أو الائتمان. ولقد ذهب أغلب الفقهاء والمجامع إلى أن شكل المعاملة في هذه البنوك قائم على الربا، وأن كثير الربا وقليله حرام لا تبيحه حاجة ولا ضرورة، وأن الفائدة كلها ربا بنصوص الكتاب والسنة القطعية سواء كان القرض استهلاكيا أو إنتاجيا. لأن تحديد البنك للربح مقدما زمنا ومقدارا على الأموال المستثمرة يعد من القرض الذي يجر نفعا وهو عين الربا. لذا حكموا بحرمة التعامل معها.

وكل مال جاء من طريق الفوائد الربوية فهو مال حرام، لا يجوز أن ينتفع الإنسان (مودع المال) به، ولا أن ينتفع به أحد ممن يعول أو من له به قرابة، بل لا يجوز الانتفاع به مطلقا على أي وجه كان، ولو بالتصدق أو الإنفاق في المشاريع ذات النفع العام، لأنه مسؤول غدا بين يدي الله عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه.

وبقيام البنوك الإسلامية اليوم في الكثير من البلدان، وهي تلك التي ينص نظامها الأساسي على أنها تلتزم وجوبا بأحكام الشريعة الإسلامية في كل معاملاتها، وتلتزم إدارتها بتشكيل هيئة رقابة شرعية، فقد صار البديل متاحا. لذا لم يعد أي مسلم يتيسر له التعامل معه معذورا في التعامل مع المصارف الربوية لإمكانه أن يستعيض عن الخبيث بالطيب، وعن الحرام بالحلال.

وفي المقابل ذهب فقهاء آخرون إلى أن تحديد البنك للربح مقدما في هذا العصر الذي خربت فيه الذمم وقلت الأمانة، أمر جائز لما فيه من نفع ظاهر لصاحب المال، ونفع كذلك لمن يستثمره من بنك أو غيره. فوجه منفعته لصاحب المال أنه وكل طرفا عارفا بطرق الاستثمار على تنمية ماله، أما وجه منفعته للمستثمر الوكيل فمن حيث أن ذلك يحمله على أن يجد ويجتهد في العمل حتى يحقق الربح الملتزم لصاحب المال، بل حتى يزيد على الربح لكي يكون لجده في العمل ونشاطه مقابل.

ويتقوى عند هؤلاء الفقهاء حكم إباحة هذا الشكل من التعامل في استثمار الأموال لعدة معضدات:

  • منها: نفعه البيِّن للمجتمع للأفراد، ومنها: انعدام الظلم فيه والخديعة والغش بين الطرفين،
  • ومنها: كونه من قبيل المعاملات المستحدثة التي لا تدخل في أي باب من العقود المسماة([27])،
  • ومنها أن الربا الذي نزل القرآن بتحريمه هو القرض الذي يأخذه المحتاج الجائع المعدم من الثري المرابي الذي يستغل فرصة جوع المحتاج ليعطيه قرضاً بربا، وهو ما لا ينطبق على التعامل مع المصارف والبنوك لأنها لا تتعامل مع المعدمين وإنما تتعامل مع أصحاب رؤوس مال يسعون في استثمارها فيودعونها لتنشأ منها مشاريع تجارية أو صناعية تساعد في خلق فرص للعمل وانتعاش في الاقتصاديات العامة.
  • ومنها: الاحتمال القوي لتضرر صاحب المال في حال عدم تحديد الربح مقدما عند التعامل مع البنوك أو غيرها لإمكان جحدها للربح مطلقا أو لبعضه خاصة في هذا الزمن الذي استولى على الناس الجشع وحب العاجلة. ولا شك أن صاحب المال في هذه الحالة سيصطلي بنار الغبن ولا حيلة له في إثبات حقه، وهذا ما تأباه الشريعة الإسلامية التي هي شريعة الحق العدل.

من هنا اعتبر هؤلاء الفقهاء أن تحديد الربح مقدما بالنسبة للبنوك وغيرها ومشروعية فوائد البنوك يدخل بشكل واضح في باب المصالح المرسلة التي تعد حجة شرعية تبنى عليها الأحكام. فهو من باب الضرورة بالنسبة للفرد والأمة. وهذا ما يجعلنا نحكم أن الفتاوى التي أفتى بها هؤلاء المبيحون تعتمد المنهج المصلحي المقاصدى فى الأساس لأنها تنظر إلى مقاصد التشريع الكلية ثم تحكم من خلالها على ما تراه من التفريعات الجزئية.

3. 2. نوازل الشأن السياسي

من النقاط التي يشير إليه الفقهاء كثيرا عند التعرض للأمور الجمهورية أن نصوص القرآن والسنة التي تتحدث عن الشأن السياسي جاءت قليلة وما ورد منها اتسم بالإجمال والعموم. لذا كانت فقهيات هذا الشأن المتداولة مستمدة في الغالب من لحظات من التاريخ الإسلامي ومعبرة عن تجارب في السلطان عرفها المسلمون أكثر مما هي ثمرة استنباط كباقي الأحكام الاجتهادية. وهذا ما رشحها لأن تكون مجالا متسعا لإعمال التشريع بالاستصلاح.

فالساحة تمور بالتساؤلات التي تطلب أجوبة صريحة حول كيفية الحكم الإسلامي وطرقه وأهدافه وحول بعض القضايا المطروحة كالتعددية السياسية، المشاركة النيابية، المشاركة النيابية لغير المسلمين، التحالف مع غير المسلمين، الاستعانة بهم، دعم الأنظمة المتغلبة، الموقف من الأنظمة التي لا تطبق حكم الله، القبول الشرعي لممارسة سياسية لا تنطلق من قواعد الشرع وأصوله.

وعن هذه الأسئلة تولدت كمية كبيرة من الإجابات تقدم بها فقهاء ومفكرون معاصرون سواء من غير المصنفين أو من المصنفين في حركات أو جماعات منظمة. وسنتناول مسألتين كثر فيهما النقاش وتعددت الإيجابات وهما: مسألة الديموقراطية، والثانية مسألة الدولة الدينية والدولة المدنية (أي تغييب الخطاب الديني عن المشهد السياسي).

Ø   الديموقراطية

كانت الديموقراطية، هي الأخرى، وما زالت من أكثر الأمور جدلا في الساحة الفكرية عند المسلمين، وذلك منذ أن أصبحت واقعا يحيط بهم ويفرض نفسه بالقوة أحيانا وبالإقناع أحيانا، فتنوعت حولها الإجابات وبرزت مواقف فقهية متعددة أبرزها موقفان أحدهما رافض لها جملة وتفصيلا، والثاني قابل لها بشروط وضوابط.

بالنسبة للرافضين فإنهم يبنون موقفهم على الاعتبارات التالية:

  • أن الديموقراطية تعني الحكم الذي تكون فيه السلطة للشعب، بواسطة المجالس النيابية بحيث يكون لها الحق المطلق في التشريع واختيار الحاكم ومحاسبته، وهي بهذا المعنى تتنافى وقواعد الإسلام؛ التي من أولها أن الحكم لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولما اقتبسه العلماء منهما. وذلك لمنطوق الآيات التالية: “إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ” (الأنعام: 57)، “وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ” (الشورى: 10)، “وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً” (الكهف: 26)، “أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ” (المائدة: 50).
  • أن لفظة الديموقراطية لا يمكن أن تستعمل للدلالة على الشورى لاختلاف محمليهما. فالأول أن الديمقراطية تعني أن الحكم للشعب لا سلطة لأحد فوقه أبدا، وحكمه نافذ وماض وإن اتفق على مخالفة أحكام الشريعة وما وردت به النصوص القطعية ولو بالأغلبية البسيطة([28])، والثاني أنها نظام يعتبر فصل الدين عن الحياة هو القاعدة الأساسية وعليه فالحاكم الذي له حق إصدار الأحكام على أفعال الإنسان هو العقل وحده. فالإنسان هو الحاكم والمشرع وهو صاحب السيادة ممثلا في نظر الإغلبية([29]). بينما الشورى – التي وردت في القرآن: “وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ” (الشورى: 38)، و”وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ” (آل عمران: 159)، وحث عليها وفعلها رسوله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون – تنحد فيما لا نص فيه، أو فيما فيه تنزيل الحكم على الحادثة المعينة. ولأهلها الذين تتعلق بهم صفات معينة على حسب الموضوع محل المشاورة. ولا يشاور كل أحد.
  • أن الكلمة وضعت للدلالة ويترتب عليها مدلولها ولو لم يقصده المتكلم كما هو مقرر في علم الأصول. ولذا يتجنب اللفظ الموهم الدال على معنى فاسد وإن أريد به معنى صحيح ومعتبر. وقد نهى الله عباده عن قول راعنا لأن اليهود كانوا يريدون بها معنى فاسداً. قال تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا” (البقرة: 104).

أما القابلون للديموقراطية داخل الإطار الإسلامي فيمثلهم التيار الإسلامي اليوم الذي يرى أصحابه أن المسألة تندرج في باب السياسة الشرعية التي تعتمد الموازنة بين المصالح والمفاسد. فالديموقراطية –في نظرهم- شكل وليست ماهية، إذن لا مجال لتصورها دينا يوضع بموازاة الإسلام، وإنما هي تنظيم للعلاقة بين الحاكم والمحكوم. ولذا لزم الأخذ بها لعدة اعتبارات منها:

  • أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وهي الوسيلة المتاحة التي بموجبها تصان الحقوق وتضمن الكرامة الفردية للمؤيد والمعارض على السواء، وتشاد أسوار قانونية لمنع الفرد أن يطغى.
  • أن الديموقراطية هي الوسيلة الوحيدة لحد الساعة لتحقيق الرقابة على السلطة من أجل شفافية التسيير، وحفظ الممتلكات العمومية، واحترام الحريات العامة. وهي الطريق الأقصد إلى الاستقرار السياسي وسد الذرائع أمام حركات التمرد ونوازع الاستبداد([30]).
  • أن الاستبداد كان الأرضة التي نخرت دين المسلمين ودنياهم وأوصلتهم إلى هذا المستوى من الوهن والتبعية، وكان المسؤول عما حدث لهم من مآس وأخطاء عبر التاريخ. فلا مانع يمنع ناشدي الخير للمسلمين أن يقتبسوا بعض الصور الإجرائية التي أظهرت نجاعتها لما عملت بها أمم أخرى حينما ابتلوا بمثل ما ابتلي به المسلمون([31]).
  • أن الديموقراطية هي السبيل إلى إقامة العدل الذي هو المقصد الأسمى لبعثة الرسل بإجماع علماء الإسلام. قال تعالى: “لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط”. وذلك عبر تحقيق مصلحة العباد وإسعادهم في العاجل والآجل فحيث توجد المصلحة فثم شرع الله([32]). وكل ما خرج من العدل الى الظلم ومن المصلحة الى المفسدة ومن الرحمة الى ضدها فليس من الإسلام في شيء لأنه عدل كله ورحمة كله. فكل ما ثبت أنه عدل ورحمة فهو من الإسلام وإن لم يرد في نص مخصوص إذ المدار على عدم المخالفة([33]).

ويعتبر هؤلاء المفكرون أن الإسلام قد سبق الديموقراطية إلى تقرير القواعد التي تتأسس عليها، ولكنه أجمل أحكامها وترك تفصيلاتها لاجتهاد العلماء وفق أصول دينهم ومصالح دنياهم، وسياقات حياتهم بحسب الزمان والمكان.

فالديموقراطية –في نظرهم- تعد من أقوى الضمنات لحماية الشعوب من تسلط المتجبرين لحد الساعة. لذا لا عذر للمسلمين أن لا يقتبسوا من أساليبها وآلياتها ما لابد منه لتحقيق العدل والشورى واحترام حقوق الإنسان([34]). ولهم بعد ذلك أن يحوروا فيها ويعدلوا ليستبدلوا خلفيتها الفلسفية التي يمكن أن تحلل الحرام أو تحرم الحلال([35]) بخلفية تسعى إلى التخلق بأخلاق الإسلام في الرأي والشورى، وإلى الالتزام بأحكامه فيما يتعلق بشروط الولاية والمسؤولية، وإلى إلغاء رأي الأغلبية عند تعارضه مع النص([36])، وإلى تحقيق القيم التي تتلائم ومنظومتهم الأخلاقية.

Ø   الدولة الدينية والدولة المدنية

من القضايا المهمة التي نوقشت أخيرا وثار حولها جدل كبير خاصة في أوساط الإسلاميين المهتمين بالشأن السياسي، مفهوم وطبيعة الدولة التي يسعون لإقامتها. هل هي دولة الخلافة كما كان سلفهم يقول به؟ أم هي دولة تسير في الخط العام الذي يفرضه النظام الدولي وتطالب به غالبية النخب من أبناء المسلمين؟

يذهب القائلون بأن دولة الإسلام المطالب بإقامتها دولة دينية بالأساس أي أنها دولة تقوم مرجعيتها على الكتاب والسنة، والحكم فيها لله وحده لا معقب لحكمه، وتوجب على نفسها التمسك بالشريعة لسياسة الدنيا بها. هذا ما يتضح من مراجعة تعاريف العلماء في كتب الأحكام السلطانية والسياسة الشرعية لتعريف الخلافة التي تقابل السلطة أو الحكومة في الدولة الحديثة.

وينفي هؤلاء أن تكون الدولة الإسلامية مدنية كما يحلو لبعض المفكرين المسلمين أن يصفها. ذلك لأن الدولة المدنية جاءت ردة فعل على مفهوم الدولة الدينية (الثيوقراطية) التي نشأت في بيئات وثنية أو مسيحية تؤمن بنظرية الحق الإلهي أي أن الحاكم ذو طبيعة إلهية (إله أو ابن إله) أو أنه مختار بطريقة مباشرة أو غير مباشرة من الإله. ويترتب على ذلك أن يكون في منزلة لا يرقى إليها أحد من الناس، ولا يعترض على أقواله أو أفعاله، وليس لأحد قِبَله من حقوق أو التزامات بل على الناس مطلق الخضوع والاستسلام.

ولقد كانت ردة الفعل من مفكري الغرب وفلاسفته قوية، جعلتهم يبالغون في نفي أن يكون للدين أي تدخل في الشأن العام أو تعلق بأمور الدولة. واستعاضوا عن ذلك بوضع الإنسان في موضع الإله، فأصبح هو الذي يضع القوانين وينظم الأمور من غير أن يتقيد في ذلك بشيء من خارج ما يراه مصلحته ويحسبه حسنا. والدولة التي يحل فيها الإنسان محل الإله هي الدولة “المدنية” التي يكون بها الخلاص من النعرات الدينية والطائفية والمذهبية بحكم موقفها المحايد من كل المعتقدات.

ومن البين أن هذا التصور المؤلِّهَ للحاكم لا وجود له في الفقه السياسي الإسلامي، ولا في التاريخ الإسلامي “المرجعي”. فالحاكم بشر خالص، لا علاقة له بالله إلا مطلق العبودية والخضوع والطواعية، وللمسلمين الحق في متابعته ومراقبته ومحاسبته، وكذا الخروج عليه إن هو حاد عن ضوابط الشرع الذي يجب عليه التقيد بها. فنموذج الدولة الإسلامية لا يمثل الإنسان فيها-رغم تكريم الله له-أية مرجعية تشريعية، على خلاف نموذج الدولة المدنية التي تقوم على أن الإنسان هو المشرع وصاحب الحكم الفصل.

ثم إن الخلاف بين هذين النموذجين يتسع كثيرا عند الحديث عن تصور خريطة كل من الدولتين. فالسيادة في النموذج النمطي للدولة المدنية تقوم على رقعة جغرافية تسمى وطنا، ويسمى أهلها شعبا، يعتبرون مواطنين لهم وثائق تثبت هوياتهم. وعلى هذا الأساس تتأسس السيادة في هذه الدولة على مفهوم رقعتها الجغرافية التي أقرت بحدودها هيئة الأمم المتحدة. أما السيادة في الدولة الإسلامية فتقوم على مفهوم البيضة والعصمة، بمعنى أن سلطة دولة الإسلام تمتد حيث يشكل المسلمون أغلبية سكانية في أي منطقة من العالم لضمان حفظ دينهم وأنفسهم ودماءهم وعصمة أموالهم، وهو مفهوم أقرب إلى النطاق الديموغرافي منه إلى النطاق الجغرافي.

ومن الدليل على الاختلاف الجوهري بين الدولة الإسلامية والدولة المدنية، أن الداعين إلى هذه الأخيرة، تلافيا منهم للتلازم بينها وبين تغييب الدين وتأليه الإنسان، يقولون: “نحن نريد دولة مدنية بمرجعية إسلامية”. ومن الواضح أن هذا الطلب يدل على أنه ليس من معنى الدولة المدنية تقيدها بدين الشعب ولو كان ذلك داخلا في معناها أو جزءا من معناها لما كانت بحاجة لهذا القيد.

وعلى عكس موقف هؤلاء القائلين بوجوب إقامة الدولة الإسلامية، يذهب مفكرون وفقهاء آخرون إلى خيار الدولة المدنية انطلاقا من فقه المصالح الذي يعتبرونه الأجدر بالاستعمال في هذه المباحث التي لم يفصِّل فيها الدين تفصيلا بيّنا، وكل ما جاء فيها من نصوص فهو يتسم بالإجمال والعموم ومحتاج إلى تفصيل وتفريع لا سبيل إليهما إلا بإعمال المصلحة. ولاشك أن المصلحة قاضية بأن نموذج الدولة المدنية الحديثة هو الأجدر بأن يحتذى نظرا لعدة موجبات، منها:

  • أن الدولة المدنية خيار بين الحداثة وبين العودة للماضي وسد لذريعة الطغيان والظلم اللذين كانا عملة الحكام المسلمين الرائجة، وأديا بمجتمعاتهم إلى هذه الحال من التخلف والضعف التي لا يحسدون عليها.
  • أن في اختيارها استجابة لتطلعات أغلب منتجي الرأي من المسلمين خاصة في ظل ظروف وأجواء الثورات العربية التي تنهض ضد الدكتاتوريات لإيجاد سلطة النظام العام أو القانون.
  • أنها المجال الوحيد لخلق جو من التنافس الإيجابي عند المهتمين بالشأن العام، والسبيل الأقوم لإتاحة حق التكافؤ في الفرص بين الفاعلين السياسيين بعيدا عن السياقات التي قد تؤثر في قواعد اللعبة كسلطة المنبر وشكل الزي.

لهذه الموجبات اعتبروا أن: “الدولة الإسلامية هي دولة مدنية بالأساس”، “تقوم السلطة بها على البَيْعة والاختيار والشورى والحاكم فيها وكيل عن الأمة أو أجير لها، ومن حق الأمة ـ مُمثَّلة في أهل الحلِّ والعَقْد فيها ـ أن تُحاسبه وتُراقبه، وتأمره وتنهاه، وتُقَوِّمه إن أعوجَّ، وإلا عزلته، ومن حق كل مسلم، بل كل مواطن، أن ينكر على رئيس الدولة نفسه إذا رآه اقترف منكرًا، أو ضيَّع معروفًا، بل على الشعب أن يُعلن الثورة عليه إذا رأي كفرًا بَوَاحًا عنده من الله برهان”.

3. 3. نوازل حقوق الإنسان

يعني مصطلح “حقوق الإنسان” في القاموس المتداول المبادئ الأخلاقية والمعايير الاجتماعية التي يجب الوفاء بها لكل بني الإنسان على قدم المساواة لمجرد كونهم بشرا أي بغض النظر عن دياناتهم أو أوطانهم أو لغاتهم أو أصولهم العرقية أو أي وضع آخر. ولقد تمت صياغة مبادئ “حقوق الإنسان” في ميثاق الأمم المتحدة الذي يعد دستور العلاقات الدولية في العصر الحاضر باعتبارها تشمل كلا من: حقوق السلامة الشخصية، والحريات المدنية، والحقوق الاجتماعية والاقتصادية. ومن مفردات هذه الحقوق: حرية الفكر والضمير والعقيدة الدينية والرأي والتعبير والحياة والأمن والحرمة والكرامة.

ومفهوم حقوق الإنسان مستمد إلى حد كبير من الأدبيات الفكرية لعصر الأنوار. تلك الأدبيات الناتجة عن الصراع ضد السلطة المطلقة والمتعسفة في أوروبا، والمعطية لهذه الحقوق محتوياتها الفلسفية التي يمكن إرجاعها إلى أربعة مرتكزات هي:

  • العقلانية الغربية
  • المشروعية التاريخية
  • النزعة الفردانية
  • الوضعانية القانونية([37])

هذه المرتكزات شكلت بمجموعها الأرضية الفكرية التي قامت عليها مقولة الحريات الأساسية (التي هي صفة جوهرية لهذا الكائن و”حق” غير قابل للتفويت بدرجة أنه بتخليه عنه ينخلع من صفته إنسانا([38]))، ومقولة العقد الاجتماعي (الذي يعني أن الحقوق كمكاسب ينظمها نص تعاقدي)، ومقولة الحق الطبيعي الذي يعتبر مبدأ مسجلا في ماهية الأشياء ومدونا في طبيعة الإنسان([39]).

ولقد جاءت مدونة “حقوق الإنسان” أبرز تحد ورد على المسلمين في العصر الحديث لا لمداعبتها لهوى وميول فئات كثيرة من المجتمع الإسلامي ربما تكون عرفت حيفا في التاريخ، ولا لأن مفهوم حقوق الإنسان يختلف من مجتمع إلى آخر أو من ثقافة إلى أخرى، لاختلاف التصور الذي يتصور به الكل منزلة الإنسان في العالم والحياة، ولكن لما تحمله هذه الحقوق في مرتكزاتها من فكر مناقض للدين، فكرٍ أعاد ترتيب صورة الكون، وألَّهَ الإنسان فجعله مستقلا عن كل شيء بعقله المبدع، وإرادته التي لا تني، وقدرته على الفعل في الوجود، وحريته المتمنعة على الإنكار أو السلب، ولما يوجد في تفاصيلها من مواد تناقض بشكل صريح بعض الأحكام الفرعية في الشريعة الإسلامية.

وكان لهذا التحدي القائم على المركزية الأوروبية، والمقصي لإسهام الثقافات الأخرى وللمرجعية الدينية عموما، صدى قويٌ رنَّ في أقوال وكتابات الفقهاء خاصة في العقد التاسع من القرن العشرين حين اشتد وقع الحضارة الغربية على شعوب المعمورة، وفرض عليهم الالتزام بهذه الحقوق بالقوة. فاتقد جراء ذلك أوارُ النقاش حول من يرى إمكانية التوفيق بين هذه الإلزامات وبين ما في الإسلام من قيم التكريم الإنساني والأمر بالعدل والإحسان التي كان الحفاظ على الكليات الخمس ترجمتها في الواقع، وبين من لا يرى إمكانية التوافق بين الوجهتين بل يرى في ذلك جمعا للنقيضين.

هذه الحقوق التي أثارت جدلا كبيرا في الوسط العلمي عديدة ومتشعبة ويمكن أن نعدد منها: حقوق الأقليات الدينية في بلاد المسلمين، وحقوق المثليين، وحقوق النوع، وعدم المساس بالحريات إلخ، وسوف نتوقف عند عنصرين منها هما: حق المعتقد والرأي، وحقوق المرأة.

Ø   حق المعتقد

من بين القضايا التي طرحت بشدة على الفقهاء والمفكرين المسلمين في الوقت الحاضر مسألة حرية المعتقد أي بتعبير آخر إمكانية ترك المسلم دينه أو تبديله إياه. فإذا كان هذا الحق من صميم الحقوق الفردية التي أقرتها أمم الأرض في المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والتي تقرر الحق في حرية التفكير والضمير والدين، فإنه يصطدم في الدين الإسلامي بنصوص يعتبرها أغلب الفقهاء واضحة وصريحة.

ويتزايد اليوم اتجاه في صفوف المفكرين الإسلاميين([40]) ينحو إلى القول إن صاحب الردة الفكرية البحتة أي المسلم الذي يغير دينه إلى دين آخر أو إلى اللادينية، لا يقتل بتطبيق الحد المعلوم، لأن حرية الاعتقاد، حق شرعي، بدليل قوله سبحانه وتعالى: “وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ” (الكهف: 29).

بذلك يصرح أحد رموز التيار الإسلامي فيقول: “إن كل ما هو مصلحة للعباد وخير وعدل ومعقول لا يمكن إلا أن يجد له مكانا مريحا في الإسلام، مثل مبادئ الحكم الديمقراطي وحقوق الإنسان، إلى سائر النظم والترتيبات الادارية والانتاجية التي ثبت نفعها للناس، وذلك إما في نصوصه الصريحة أو في مقاصده الثابتة. فالاتجاه صوب التوافق مع الإرث الإنساني لا التصادم معه هو الاتجاه العام للحركة الاسلامية في العالم ([41]).

بل من هؤلاء المفكرين من يذهب إلى القول بالحق في الردة بناء على مبدأ حرية المعتقد الذي هو –بحسب رأيه- ثابت من ثوابت الإسلام. وذلك بناء على أن دين الإسلام لا يتعارض مع فكرة الحرية وإن بدا بينهما نوع من التعارض فمرده إلى كيفية فهم المسلمين للحرية وليس إليها هي في ذاتها ([42]).

وقد استدل الذاهبون هذا المذهب في الحق في الردة وفي عدم الحد فيها بعدة أمور منها:

  • أن آية: “لا إكراه في الدين” (البقرة: 256) محكمة وردت بصيغة من أعم صيغ العموم في اللغة العربية وهي النكرة في سياق النفي والنهي. مما يعني شمولها لكل الأحوال: ابتداء، ودواما([43]).
  • أن حديث: “من بدَّل دينه فاقتلوه”([44])، حديث آحاد ملتبس المعنى. وإذا تعارض النص القطعي (القرآن الكريم) مع الظني (حديث الآحاد)، فالواجب في هذه الحالة الترجيح، خاصة أن إزهاق روح بحديث آحاد، أعظم ذنبا من إحيائها بآية محكمة([45]).
  • أن حروب أبي بكر الصديق كانت ردا على التمرد العسكري على السلطة الشرعية ومنع حقوق الفقراء، ولم تكن لإكراه الناس على الرجوع إلى الإسلام.
  • أن اثنين من أعلام التابعين هما الإمام الثوري والنخعي قالا في حد الردة بالاستتابة أبدا([46]).
  • أن القول المشهور عند الأحناف بعدم قتل المرأة بالردة يظهر الفرق بين التمرد العسكري والموقف النظري، بأن العلة أن المرأة لم تكن مقاتلة في المجتمعات القديمة.
  • أن الإكراه يجلب النفاق والردة موقف فكري بحت، وليست تحريضا على شيء، إلا إن دعا صاحبها إليها، فعندها يجب مقاومة الحجة بالحجة([47]). فالأمر بقتال المرتد المحارب لا يشمل قتل المرتد المسالم. ف
  • أن علة التعزير على الردة العسكرية تفريق صف الجماعة، فهي عقوبة على الجريمة المصاحبة لتغيير الدين قديما، لا على تغيير الدين. فإن عمر بن الخطاب أمر بسجن المرتد في خبر صحيح، وهو ما يعني أن الأمر ليس حدا في فهمه([48]).

أما القائلون بحد القتل في الردة الفكرية فيرون أن الكافر لا يقر على الكفر سواء كان كفره أصليا أو عارضا كما دلت عليه الآية: “وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة”، والآية: “ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه”. فالكافر الأصلي لا يقاتل ابتداء بل يعرض عليه الإسلام فإذا امتنع يعرض عليه أداء الجزية إذا كان في أرض الإسلام، فإذا امتنع قوتل. أما المرتد فيسجن ويستتاب من ثلاثة أيام إلى شهرين حسب الاختلاف بين الفقهاء فإن تاب خلي سبيله وإلا قتل إن كان رجلا إجماعا([49]) بمقتضى حديث: “من بدل دينه فاقتلوه” الذي هو صحيح أخرجه البخاري وأصحاب السنن وغيرهم، وإن كان امرأة قتلت عند الجمهور: مالك الشافعي وأحمد, أما الأحناف فيقولون إنها تترك في السجن.

كما يرون أن حديث: “من بدل دينه فاقتلوه” لا يتعلق بالردة العسكرية –إن كان هذا التعبير صحيحا- بل هو في الردة الفكرية التي قصر الفقهاء جميعهم اسم الردة عليها وعرفوها بأنها الكفر بعد الإسلام بلفظ صريح، أو لفظ يقتضيه، أو فعل يتضمنه. أما “الردة” العسكرية فهي باب آخر من أبواب الفقه مغاير لباب الردة، يسمى باب “البغي” الذي هو الامتناع من طاعة من ثبتت إمامته في غير معصية بمغالبة ولو تأولا. ولكل من البابين أحكامه.أما إذا كانت الردة بالإساءة إلى نبي مجمع على نبوته فإن صاحبها يقتل فورا سواء كان رجلا أو امرأة إجماعا ولا تقبل توبته عند الإمام مالك([50]).

ويرون أن آية: “لا إكراه في الدين”، لا دلالة فيها على العموم إن عرف سبب نزولها. قال أبو بكر بن العربى في أحكام القرآن (1/310): “لا إكراه عموم في نفي إكراه الباطل, أما الإكراه بالحق فإنه من الدين وهل يقتل الكافر إلا على الدين. قال صلى لله عليه وسلم: “أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا لله” وهو مأخوذ من قوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله}([51]).

Ø   حقوق المرأة

ضجّة كبيرة عن المرأة وحقوقها تملأ الساحة الإعلامية والثقافية في العالم الإسلامي في الوقت الراهن تجعل الملاحظ يتساءل هل وضع المرأة دوني في نظام الإسلام الاجتماعي. ويصاحب هذه الضجة انطلاق دعوات في صفوف بعض الفقهاء والمفكرين تقول بمساواة المرأة بالرجل في ممارسة الحقوق السياسية، وفي الشهادة، وفي المناصب الدينية، وتصف العلماء الذين لا يرون رأيهم بعدم الإحاطة الكافية بأحكام القرآن عند تناولهم لقضايا المرأة وحقوقها.

فالإسلام أقر المساواة بين الرجال والنساء ولا يجوز للفقهاء تحجيم دور المرأة في المجتمع بالاستناد إلى آيات لم يدركوا مقاصدها. “فلابد من إصلاح ثقافة المجتمع بأصول الدين والتجربة الإنسانية والاستفادة من إيجابيات التجربة الغربية”. والإسلام لم يُفَرِّق بين المرأة والرجل في ممارسة الحقوق السياسية فهما على قدم المساواة([52]). فللمرأة أن تتولى رئاسة الدولة ومنصب الإفتاء وعضوية البرلمان، فضلًا عن حقها في التصويت لأن المنطق الإسلامي في هذه القضايا يقوم على كون المرأة كائنًا كامل الأهلية. فمشاركتها في إدارة الدولة يزيد من إنتاجية المجتمع، ويجعل العمل أحكم وأدق وأفضل.

وقد أدى هذا القول إلى ردة فعل قوية من الفقهاء. إذ اعتبروا أن إطلاق هذا الحكم العام الخالي من أي قيد الذي لم يرد في الكتاب والسنة ولم يستنتج من ممارسة واقعية طويلة عرفها المجتمع الإسلامي القائم على أن كلمة الله هي العليا، أمر غير جائز. واستدلال أصحاب هذا الرأي باستشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم لزوجته أم سلمة حول ما حدث من أصحابه في الحديبية، فأشارت عليه برأيٍ استحسنه وأخذ به، لا ينهض دليلا. وإنما هو حادثة مفردة تؤخذ منها بعض أحكام أدب الحياة الزوجيّة ولا تصلح لإطلاق حكم عام يُبنى عليه القول بمساواة المرأة للرجل في الحقوق السياسية([53]).

ويرون أن استدلالهم أيضا بهذه القصة غير متجه من جهة أن أم سلمة لم يُعرَف عنها بعد ذلك أنها شاركت في النشاط السياسيّ هي والرجال على قدم سواء، وكذلك سائر النساء لم يعرف عنهن هذه المشاركة المساوية للرجـال في المجتمع المسلم. فهذه حادثة تكاد تكون فريدة. فالمرأة خلقت لتكون امرأةً، وخلق الرجل ليكون رجلاً، وجعل سبحانه وتعالى بحكمته تكويناً للمرأة في جسمها ونفسيّتها مخالفا لتكوين الرجل في جسمه ونفسيّته.

وأن استدلالهم بخروج عائشة للمطالبة بالقصاص وأنها ندمت على ذلك، لم يكن لأن رأيها السياسي كان خطأ فقط، بل لأنها خالفت نصّ الآية: “وقرن في بيوتكنّ”.كما أن استدلالهم ببلقيس وملكها لقومها، فإنها لم تكن مؤمنة حينذاك، فلا يصحّ هذا الاستدلال وهي كافرة. والاستدلال بالمرأة التي قامت تردّ على عمر رضي الله عنه في المسجد، فغير وجيه لأنها كانت في مكان تعبد الله فيه وتتعلم وهو جو يختلف عن المجالس النيابية اليوم، وكانت في مجتمع يختلف عن مجتمعاتنا اليوم.

وأن الاستدلال بأن المرأة ما دامت مطالبة بعبادة الله وإقامة دينه، فإنها مكلفة مثلها مثل الرجل بتقويم المجتمع وإصلاحه، فهذا تعميم لا يجوز أخذه على إطلاقه. فالمرأة مطالبة بذلك كالرجل ولكنّ الله سبحانه وتعالى جعل للرجل تكاليف في ذلك ليست للمرأة، وجعل للمرأة تكاليف ليست للرجل. وذلك حتى في أركان العبـادة. فصـلاة المرأة في بيتها خير من صلاتها في المسجد، وصلاة الرجل في المسجد خير من صلاته في البيت.

فعن ابن عباس رضي الله عنه أن امرأة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: “يا رسول الله أنا وافدة النساء إليك. هذا الجهاد كتبه الله على الرجال، فإن يصيبوا أجروا وإن قتلوا كانوا أحياء عند ربهم يرزقون، ونحن معشر النساء نقوم عليهم فما لنا من ذلك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبلغي من لقيت من النساء أن طاعة الزوج واعترافاً بحقه يعدل ذلك، وقليل منكنّ يفعله”.

فكل هذه الحالات التي استشهد بها القائلون بمساواة المرأة للرجل في الحقوق السياسية كانت في مناسبات خاصة تتقيّد الحادثة بها، فلا يجوز أن نجمعها ونضع على أساسها قانوناً عاماً لم يرد في الكتاب ولا السنّة، ولا في التطبيق في عصر النبوة الخاتمة والخلفاء الراشدين، العصرين اللذين أُمرِنا أن نتبعهما، كما جاء في الحديث الشريـف: “عليكم بسنتي وسنة الخلفـاء الراشدين المهديين من بعـدي عضوا عليها بالنواجذ”.

خاصة أن حديث: “ما أفلح قوم ولَّوا أمرهم امرأة” رواه كل من البخاري، وأحمد، وأبو داود، وابن ماجة، والترمذي. وجاء بألفاظ مختلفة تجمع على المعنى والنص. ومناسبة الحديث ونصّه يفيدان العموم فلا يخصّ أهل فارس الذين كانوا موجب قوله. لأن كلمة “قوم” نكرة تفيد العموم، و”امرأة” نكرة تفيد العموم. فلا معنى لتأويل الحديـث بما لا تحتمله اللغة.

لكن هؤلاء المانعين للمساواة بين الجنسين يرون أن ميادين العمل المباحة للنساء عديدة جداً وفيها كفاية لهن، وكلها منضبطة بقواعد الإسلام مثل المدرسات والطبيبات، وكل عمل ليس فيه باب من أبواب الفتنة أو الاختلاط، مع توافر جميع الشروط الشرعية الأخرى عند مزاولة هذه الأنشطة.

ولقد أثار حفيظة أغلب الفقهاء قيام الأستاذة أمينة عبد ودود المقيمة في الولايات المتحدة الأميركية بإمامة صلاة الجمعة بكاتدرائية مسيحية في مدينة مانهاتن بنيويورك واصطفاف المصلين خلفها رجالا ونساء مختلطين. ومن المعروف أن هذه السيدة قد ألفت كتاباً مشهورا بعنوان “القرآن والمرأة” حاولت فيه قراءة للنصوص القرآنية من خلال وجهة نظر نسائية، بحسب تعبيرها، تتعلق بحق النساء المسلمات في المساواة مع الرجال في التكاليف الدينية كحق المرأة في الإمامة، وعدم ضرورة أن يصلي النساء في صفوف خلفية وراء الرجال باعتبار أن هذا الأمر ناتج عن “عادات وتقاليد المجتمع العربي الذي يسيطر فيه الرجال” وليس في الدين من شيء. فليس مرده إلى حكم إلهي وإنما إلى تركيبة ثقافية واجتماعية معينة.

لقد تواردت ردود فقهية كثيرة مبطلة لهذه الصلاة ومستنكرة إياها باعتبارها بدعة منكرة وضلالة وإضلالة. فتقدم المرأة لإمامة جماعة من المصلين، وتوليها خطبة الجمعة، وإمامتها للرجال، ووقوف الرجال والنساء متجاورين مختلطين، وإيقاع صلاة الجمعة في كاتدرائية مسيحية، هي أمور كلها مخالفة لما عليه اتفاق جمهور علماء الإسلام وفقهائه المعتمدين وأئمته أهل الحق والتحقيق.

فالقول المعتبر عند الفقهاء أن الجمعة فرض على الرجال دون النساء، فهم الذين يقيمونها خطبة وصلاة، وللمرأة الحضور استحباباً لا فرضا. كما أنه من المعلوم عنهم أن من شروط الجمعة أن تقام في مسجد جامع لا في المساجد الخاصة بالصلوات الخمس ولا في المصليات، فأحرى أن تقام في كنيسة أو كاتدرائية مع وجود المساجد.

كما أن من المعلوم عندهم أن تقدم المرأة على الرجل في الصف مما يبطل صلاته، فبالأحرى إمامتها له. فإمامة المرأة للرجال سواء كانت في صلاة الجمعة أو في الصلاة المفروضة أو في صلاة النوافل أو في أية صلاة أخرى لا تجوز، وإنما يجوز لها أن تكون إماما لبنات جنسها من النساء، لأن بدن المرأة عورة أو صلاة المرأة الحافظة للقرآن بأهل دارها باعتبارهم محارم لها. وقد جاء في الحديث النبوي الذي رواه أبو هريرة: “خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها”.

لهذه الاعتبارات، ولاعتبار أن الإسلام على طول تاريخهلم يشهد قيام المرأة بإلقاء خطبة الجمعة وإمامة المصلين ولو كانت المرأة في منصب الإمام الأعظم كما هو حال شجرة الدر أيام حكمها في مصر، ذهب أغلب الفقهاء من مختلف المذاهب الإسلامية إلى أن هذه الصلاة غير مستوفية للشروط، وأنها باطلة وعلى من أداها أن يعيدها ظهرا قضاء.

غير أن هنالك فقهاء ومفكرين قالوا بصحة هذه الصلاة آخذين بأقوال ضعيفة أو غير معتمدة وردت في بعض الكتب الفقهية([54]). وأسسوا رأيهم على مجموعة من الاستدلالات منها:

  • أن المرأة إذا كانت أعلم وأتقى تتقدم لتصلي بالناس([55]).
  • أن الإمام الطبري أفتى بجواز الإمامة الكبرى للمرأة([56])
  • أن ابن حزم الظاهري والإمام ابن عربي قالا بجواز إمامة المرأة لزوجها إذا كانت أحفظ منه وأقرأ للقرآن([57]) واختلفا في مكان وقوفها هل يكون أمام الرجال أم بمحاذاتهم خوفا من زوال السترة التي تفصلهم أثناء الصلاة([58]).
  • أن أبا الأعلى المودودي صاحب كتاب (الحجاب([59])) قرر أن يؤيد ترشيح الحاجة فاطمة جناح شقيقة القائد الباكستاني محمد على جناح ضد قائد الانقلاب يحيي خان، وأوضح أن شرطي الإمامة هما الدين والذكورة وأن الدين أولى، وأن الحاجة فاطمة تستوفي شرط الدين وإن لم تستوف شرط الذكورة، وأن يحيي خان يستوفي شرط الذكورة ولا يستوفي شرط الدين ودعا أنصاره من ثم للتصويت لها([60]).
  • أن المسألة يرجع فيها إلى العرف. حيث ذكر هؤلاء أن الأمر في مثل هذه الحالات الخلافية يكون مرجعه لأهل الشأن، فإذا ما قبلوا أن تؤمهم امرأة فهذا شأنهم ولا حرج عليهم طالما لا يخالف ذلك ما تعارفوا عليه، وإذا ما رفضوا فهذا شأنهم أيضا وهو ما يسير عليه الناس في معظم البلاد الإسلامية([61]).

وإضافة إلى مسألتي المشاركة السياسية والإمامة في الصلاة، دار نقاش حاد حول تنصيف شهادة المرأة بحيث تساوي نصف شهادة الرجل. وهذا القول الذي درج عليه عامة الفقهاء يرجع إلى نص آية الدين في سورة البقرة المفصحة بالتمييز بين شهادة الرجل والمرأة في شؤون المال: “واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء، أن تضل إحداهما فتُذكِّر إحداهما الأخرى”.

غير أن بعض المفكرين ذهبوا إلى القول بأن شهادة امرأتين تساوي شهادة رجل واحد، ليس من الإسلام، بل هو مجرد أوهام مرجعها العادات والأعراف([62]). وتنصيف الشهادة الوارد في الآية، حكم مُعلَّل بظروف الزمان والمكان في عصر النبوة، يوم كانت المرأة عديمة الخبرة في ميدان التجارة والمال([63]).

ذلك أن مدار أمر الشهادة كله – حسب نظرهم- على حفظ الحقوق([64]). وآية ذلك عدالة الشهود وخبرتهم، دون اعتبار لذكورة أو أنوثة([65]). فتنصيف الشهادة للمرأة حكم معلل بعدم الخبرة بالتجارة والتوثيق، وعليه فيزول بزوال علته حينما تتعلم النساء ويتمرسن بالتجارة([66]). خاصة أنهم يرون أن دلالتي كلمتي “الشهادة” و”الإشهاد” مختلفة. فالشهادة التي يعتمد عليها القضاء في معرفة الحكم لا تتخذ من الذكورة أو الأنوثة معيارًا لصدقها أو كذبها، ومن ثم قبولها أو رفضها؛ وإنما معيارها هو تحقق اطمئنان القاضي لصدق الشهادة بصرف النظر عن جنس الشاهد، ذكرًا كان أو أنثى، وبصرف النظر عن عدد الشهود. وبهذا يفهم أن الآية إنما تتحدث في سياق غير “الشهادة” أمام القضاء؛ هو سياق “الإشهاد” الذي يقوم به صاحب الدين للاستيثاق على دَيْنه([67]) حتى لا يتناكر الناس الحقوق فتضيع([68]). فسياق الآية لا يحمل مضامين تنتقص من قدر المرأة أو تقليل من أهليتها([69]).

وتأتي مسألة جواز نكاح المسلمة من الكتابي مثارا هي الأخرى لنقاش يأخذ من فقه المصلحة والمقاصد مادته ودليله. فمع تنامي فقه الأقليات الذي جاء نتاجًا لحاجة المسلمين المقيمين في الغرب إلى أحكام تناسب الواقع المعيشي المتميز لهم، يرى مجموعة من الفقهاء والمفكرين جواز زواج المسلمة من كتابي إذ لا توجد –في رأيهم- آية واحدة في القرآن تحرمه([70]). بل في السنة النبوية ما يعضده وهو قصة زينب بنت الرسول (صلى الله عليه وسلم) وزوجها الذي لم يكن مؤمنا، وأن الرسول لم يعمل له عقداً جديداً حين دخل الإسلام([71]).

وإذا كان مذهب جمهور العلماء منهم الأئمة الأربعة جواز نكاح الكتابية في أرض الإسلام، مع الكراهة، ويشتد الأمر إن كانت من قوم محاربين كما في الشرح الصغير على الدردير عند قول الشيخ خليل: “إلا الحرة الكتابية” فيحل نكاحها بِكُرْهٍ عند الإمام([72])، فإنهم قد منعوا زواج المسلمة من غير المسلم ولو الكتابي بدليل الآية: “ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون” (سورة البقرة: 221).

فدلالة الآية الكريمة على تحريم زواج المسلمة بغير المسلم لا خلاف فيه بين المفسرين وعليه إجماع الفقهاء سلفا وخلفا، والمقصود بغير المسلم كل كافر أو مشرك سواء أكان من الوثنيين أو المجوس أو من أهل الكتاب([73]) لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام([74]). وإذا أسلمت الكتابية قبله وقبل الدخول تُعُجلت الفرقة سواء كان زوجها كتابيا أو غير كتابي إذ لا يجوز لكافر نكاح مسلمة قال ابن المنذر أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم([75]).

ويرى هؤلاء الفقهاء أن الحكمة في ذلك: أن المسلم يؤمن بكل الرسل بما فيهم موسى وعيسى عليهم السلام. وبكل الكتب بما فيها التوراة والإنجيل. بينما لا يؤمن أهل الكتاب إلا برسلهم وكتبهم. وقد أجاز الإسلام لزوجة المسلم الكتابية أن تذهب إلى أماكن عبادتها كالكنيسة والمعبد، بينما لا يجيز هؤلاء الكتابيين للمسلمةـ لو تزوجوها أن تذهب للمسجد وتظهر شعائر الإسلام. والأهم من ذلك: أن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، والزواج ولاية وقوامة، فيمكن أن يكون المسلم وليا وقواما على زوجته الكتابية، بينما لا يمكن أن يكون غير المسلم وليا أو قواما على المسلمة. لأن الله تعالى يقول: “ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا” (سورة النساء: 141). والزوجة عليها طاعة زوجها، فلو تزوجت المسلمة غير المسلم لتعارضت طاعتها له مع طاعتها لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم.

الخاتمة

يُبين هذا العرض الذي حاولنا فيه تحليل مضامين بعض الانشغالات التشريعية التي عرفها الخطاب الإسلامي المعاصر من حيث أدلته واستنتاجاته، أن الإجابات عن النوازل المطروحة على الساحة، وخاصة تلك التي تذهب نحو المصالحة مع الإرث الإنساني واتخذت لتشريع ذلك دليل الاستصلاح،لم تجد بعد التفقيهَ الكافي الموصل إلى مستوى من النضج والصلابة يُقنِع الناس ويحكم لها بالدخول في الصناعة الفقهية.

وعلى الرغم من هذا الضعف الملاحظ في التحقيق العلمي، فإن هذا الموقف التجديدي المتصالح مع الواقع، يتنامى اعتمادُه بقوة في صفوف الفقهاء والمفكرين، خاصة مع الرجعة النوعية للفكر الاعتزالي من خلال تبئير العقل ودوره في التحسين والتقبيح. فالعقل في نظر هؤلاء التجديدين هو محل معرفة الله ومناط خطابه وتكاليفه وبه يتوصل إلى مصالح الدنيا ومفاسدها في التشريع إنشاءً وانتقاءً.

غير أن هذا التيار التجديدي ما زال يحتاج إلى مزيد من اختبار أفكاره وآرائه الفقهية سواء بردها إلى ضوابط الشريعة وكلياتها حتى لا تكون شذوذا وابتداعا، أو بجعلها على محك الواقع حتى لا تظل تنظيرا لا يسنده تقويم التجريب. فهذه الأطروحات الجديدة لم تستطع بعد أن تدخل في حياة الناس حتى نتابعها على مدى مدّة زمنية يمكن من خلالها الخروج بنتائج.

لهذا يبدو أن بعض عناصر الضعف في هذه الآراء التجديدية ما زال قائما خاصة أنها تصطدم بتيار مدرسي تقليدي يعتمد موقفا آخر ما زال قوي الحضور في عقول المسلمين، مهيمنا على تفكير أغلبهم ويجعل العقل في درجة ثانية. وما زالت أراء وأحكام أصحاب هذا التيار الفقهيةُ الأكثرَ حضوراً وتطبيقاً في واقع التدين عند أغلب الناس وينبني عليه الفقه برمته في صيغته التاريخية التي قر عليها.

هذا مع ضرورة التنبيه على أن توظيف هذه المدرسة التجديدية للمصلحة قد لا يكون خاضعا للضوابط الواردة في أصول الفقه بمعنى أنه لم تعتبر في المصلحة الشروط التي وضعها علماء الأصول بقدر ما اعتبرت أصلا مزاحما للنص وبالتالي ترد في مورده ولا تحترم سلمية الضرورة والحاجة والكمال.

وقد يكون السبب في ذلك أن أغلب هذه الجماعات والشخصيات ذات التوجه التجديدي تغالب في الساحات السياسية والاجتماعية لاكتتاب المنتسبين أو للحفاظ عليهم، أو للوصول إلى الحكم، فكان لازما أن يتسم مشروعهم بالنفعي القريب النظر. وهذا ما استلزم منهم السعي إلى المواءمة بين ثوابت التشريع الإسلامي كما دونها العلماء وبين مقتضيات الظرف السياسي المتحرك والاستراتيجية المتبناة ذات البعد المرحلي.

ولاشك أن الإفراط في تبنّي أحد الاتجاهين قد يؤدي إلى المروق من الدين مروق السهم من الرمية أو إلى الضلال والإضلال بالجمود على النصوص والاستحمار بتعبير علي شريعتي الواردة آيته في القرآن. فعلى الفقيه أو المفكر المسلم حين يفتي ويجتهد أن يعي خطورة مسؤوليته كموقع عن الله، ليحذر من أن يجعل من أحكام الدين لعبا وهزلا يكيفها ويغيرها كما شاء، وليحذر أيضا أن يصدّر إسلاماً للبشرية لا يمكن أن يتكيّف مع واقعهم، ولا أن يحلّ مشاكلهم التي يُعنى بها حقّاً، ما دام يعتقد خلود هذا الدين واستمراريّته.

 

 

([1]) مجلة العربي العدد 402 / 1-5-1992.

([2]) من أبرز منظري هذا التيار حسن حنفي في كتابه: “من النص إلى الواقع”، ونصر أبو زيد، في كتابه: “نقد الخطاب الديني”.

([3]) هذا السؤال كان عنوانا كتاب لشكيب أرسلان، تحقيق حسن تميم، الطبعة الثانية، نشر بدار مكتبة الحياة، بيروت.

([4]) أبو بكر بن العربي القبس (شرح الموطأ)، 2/779.

([5]) المصدر نفسه.

([6]) الغزالي، المستصفى، 1/286.

([7]) المستصفى، 1/286.

([8]) المصدر نفسه.

([9]) السيوطي، الكوكب الساكع، 2/34.

([10]) م. ن.

([11]) المستصفى، 1/286.

([12]) م. ن.

([13]) الغزالي، المستصفى: 1/ 293.

([14]) المحصول: 6/ 163

([15]) إحكام الأحكام في أصول الأحكام: 4/ 160

([16]) جمع الجوامع، ص. 9.

([17]) رسالته المسماة (في رعاية المصلحة)،

([18]) الشاطبي، الموافقات، 1/56.

([19]) الموافقات 2/ 17.

([20]) شفاء الغليل ص. 210.

([21]) المستصفى، 1/286.

([22]) المستصفى، 1/286.

([23]) أفتى ببطلان عقد التأمين على الحياة من فقهاء العصر الحاضر: الشيخ محمد نجيب المطيعي مفتى مصر سابقا، والشيخ أحمد إبراهيم، والشيخ محمد بخيت المطيعي، ومحمد أبو زهرة. وقال بحرمته مجمع الفقه والشيخ عبد الكريم زيدان. وقال به محمد صالح المنجد. وقرر مجلس المجمع الفقهي بالإجماع عدا فضيلة الشيخ مصطفى الزرقا تحريم التأمين بجميع أنواعه سواء كان على النفس أو البضائع التجارية أو غير ذلك.

([24]) محمد رأفت عثمان عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر من المعترضين على تحديد الربح مقدما؟

([25]) منهم: مصطفى الزرقا، وعبد الرحمن عيسى، ومحمد يوسف موسىى.

([26]) هذه الجمعيات هي الصورة الوحيدة التي أقرها مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية لعام 1965م وضرب المثل لها بصناديق الزمالة التي يقوم بها موظفو شركة أو مصلحة لدفع مبلغ كمعونة سريعة لأسرة العضو المتوفى مثلاً.

([27]) محمد سيد طنطاوي من أكثر العلماء المعاصرين تأييدا لتحديد الربح مقدما الشيخ شلتوت.

([28]) انظر كتاب: عدنان علي رضا النحوي، “الشورى لا الديموقراطية”.

([29]) انظر الكتاب: محمد الخالدي، الديموقراطية الغربية في ضوء الشريعة الإسلامية.

([30]) انظر كتاب: فهمي هويدي، الإسلام والديموقراطية.

([31]) انظر كتاب: محمد الغزالي، دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين.

([32]) انظر كتاب: راشد الغنوشي، الحريات العامة في الدولة الإسلامية.

([33]) م. ن.

([34]) انظر كتاب: يوسف القرضاوي في كتابه من فقه الدولة في الإسلام.

([35]) م. ن.

([36]) انظر كتاب: توفيق الراعي في كتابه الفكر السياسي المعاصر عند الإخوان المسلمين.

([37]) انظر:  محمد سبيلا، الأصول الفلسفية لمفهوم حقوق الإنسان، منبر الحرية.

([38]) م. ن.

([39]) م. ن.

([40]) من هؤلاء: حسن الترابي، وسالم البهنساوي، وراشد الغنوشي، ومحمد سليم العوا، وطه جابر العلواني.

([41]) راشد الغنوشي، الحريات الديموقراطية، ص. 67.

([42]) م. ن.

([43]) محمد المختار الشنقيطي عقوبة الردة أخروية لا دنيوية.. ثلاثون ملاحظة.

([44]) هذا الحديث لبخاري 2794/ 6411 – النسائي 3991/ 3992/ 3993/ 3994 – الترمذي 1378 – ابن ماجه 2526 – أبو داود 3787 – أحمد 1775/ 2420/ 2421 – صحيح ابن حبان 4476 .

([45]) محمد المختار الشنقيطي عقوبة الردة أخروية لا دنيوية.. ثلاثون ملاحظة.

([46]) م. ن.

([47]) م. ن.

([48]) م. ن.

([49]) مراتب الإجماع لابن حزم، ص. 127.

([50]) مراتب الإجماع لابن حزم، ص. 127.

([51]) م. ن.

([52]) يوسف القرضاوي، “حول عمل المرأة السياسي وحكم الإسلام في ذلك”، مجلة البلاغ الكويتية في عدديها (1638) الأحد 24 صفر 1426هـ الموافق 3 أبريل 2005م للسنة (36)، والعدد (1639) الأحد 1ربيع الأول 1426هـ الموافق 10 أبريل 2005م.

([53]) عدنان علي رضا النحوي (مقابلة)

([54]) فتوى مجمع الفقه الإسلامي بجدة.

([55]) حسن الترابي، محاضرة عن حقوق المرأة في الإسلام.

([56]) م. ن.

([57]) م. ن.

([58]) مفتي مصر الشيخ علي جمعه.

([59]) المحبوب عبد السلام، إجتِهَادات الشَيخ التُرَابي: «عَوْدٌ عَلىَ بِدءِ».

([60]) م. ن.

([61]) مفتي مصر الشيخ علي جمعه.

([62]) حسن الترابي، محاضرة عن حقوق المرأة في الإسلام.

([63]) م. ن.

([64])محمد المختار الشنقيطي عقوبة الردة أخروية لا دنيوية.. ثلاثون ملاحظة.

([65]) ن. م.

([66]) م. ن.

([67]) محمد مجذوب محمد صالح مرجع سابق.

([68]) يوسف القرضاوي، مرجع سابق.

([69])  م. ن.

([70])  م. ن.

([71]) الترابي، مرجع سليق

([72]) الشرح الصغير (2/420) بتحقيق الدكتور كمال وصفي. وقال محققه: “وإنما حكم مالك بالكراهة في بلد الإسلام، لأنها تتغذى بالخمر والخنزير وتغذي ولدها به، وزوجها يقبلها ويضاجعها، وليس له منعها من التغذي ولو تضرر برائحته، ولا من الذهاب إلى الكنيسة، وقد تموت وهي حامل، فتدفن في مقبرة الكفار، وهي حفرة من حفر النار.

([73]) الإمام الرازي، التفسير الكبير:ج. 6، ص64.

([74]) كما قال الإمام القرطبي الجامع لأحكام القرآن: ج: 3 ص: 72، وانظر: فتح القدير:ج. 1، ص. 224.

([75]) ابن قدامة، المغني ج. 7 ص. 129.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *