الفساد في موريتانيا: الأبعاد والمخاطر
صالون الحرية
الحصة المسائية
الثلثاء 5 مايو 2020
الموضوع: الفساد في موريتانيا: الأبعاد والمخاطر
مع الدكتور ديدي ولد السالك رئيس المركز المغاربي للدراسات الإستراتجية
كلمة شكر بمناسبة الانضمام للمجموعة الفكرية للنقاش والحوار حول موضوع خطير يهمنا جميعا وهو الفساد في موريتانيا .
لكي أكون منهجيا سأتناول محاورا لفتح النقاش حول هذا الموضوع تتمثل في:
تعريف الفساد ثم أسبابه ثم خصائصه في موريتانيا ثم مظاهر مخاطره وبعد ذالك الحلول التي ينبغي ان تقدم لمعالجة هذه الظاهرة الخطيرة .
أولا : تعريف الفساد
يعرف الفساد عادة بأنه استغلال المركز للمصلحة الخاصة وكان فالبداية التعريف يتركز أساسا على انه استقلال الوظيفة العامة في المصالح الخاصة وانحراف في ممارسة القانون لكن بعد أن تبين أن الفساد مهما كان فسادا سواء تعلق بالوظيفة العامة أو بنشاط خصوصي أو بنشاط المجتمع المدني فأصبح التعريف يقتصر على ان الفساد هو كل استقلال لمركز مهما كانت نوعية هذا المركز فالمصالح الخاصة والذي ينتهك للقوانين المنظمة لهذه الممارسة .
تم الانتباه إلى مخاطر الفساد في تقرير مشترك للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي 1989 م حيث نبه هذا التقرير إلى انه لا أمل للتنمية في إفريقيا ما دام الفساد منتشرا فيها.
ثانيا : أسباب انتشار الفساد
إن أسباب انتشار الفساد في موريتانيا كثيرة جدا فالفساد في موريتانيا تاريخيا كان قبل قيام الدولة مع وجود الاستعمار من خلال أعوانه يتحايلون على العشرات وأموال المستعمر باعتبارها أموال حلال عليهم .
و ظل هذا الفساد محصورا لقلة الموارد من ناحية ولشدة التعامل الفرنسي مع الساكنة المحلية لكنه عموما مع نظام المختار ولد داداه ظل محصورا وقليلا وما تم منه تم في هوامش وكانت تتم معاقبة من يعتدي أو يقوم بالفساد لأسباب عديدة منها حرص المختار ولد داداه على المال العام وعفته وقلة الموارد وشحها في ذالك الوقت ثم شدة العقبات التي تسلط عليه , ولكنه بدأ ينتشر في أخر حكم المختار ولد داداه لسببين السبب الأول هو ظاهرة الإسعافات التي يشرف عليها الحكام وممثلي حزب الشعب سرعت في انتشاره والثاني حرب الصحراء فان القادة العسكريين ومشتريات الأسلحة والنفقات على الجيش في بنية عسكرية إدارية هشة سارعت فانتشار الفساد بل ذكر المختار ول داداه في مذكراته أن الفساد كان من الأسباب التي عجلت الانقلاب .
أما عن الأسباب الأخرى فنذكر منها الهشاشة الإدارية وضعف الإدارة .
ثالثا : مراحل الفساد
المرحلة الأولى : جاءت هذه المرحلة مع بداية الحكم العسكري وكان الكل ينهب على طريقته أي أن الفساد لم يكن منظما
المرحلة الثانية : جاءت هذه المرحلة مع الانفتاح الديمقراطي الذي دشنه معاوية ولد سيد احمد الطايع سنة 1992
ومن ذالك الوقت أصبح النظام يفسد بوعي كامل عمال الدولة و موظفوها الساميون من اجل مهنهم وضمانا لولائهم وبتالي انتشر الفساد ثم أصبحت أموال الدولة توظف في خدمة النظام وترويج شعاراته .
المرحلة الثالثة : مرحلة العشرية الأخيرة في هذه المرحلة تجاوز الفساد وأصبح نهبا منظما
ومن بين الأسباب الأخرى غياب الرقابة وما وجد منها كان ضعيفا وغير فعال ثم ضعف الرقابة المجتمعية وضعف الإعلام وضعف الرأي العام المحارب للفساد , ومن أكثر عوامل انتشاره اقتصاد الريع مثل ريع السمك وريع المعادن او من التمويلات الدولية التي تحولت إلى مشجع للفساد .
رابعا : خصائص الفساد
من خصائص الفساد في موريتانيا انه أصبح شبه معمما فهو فسادا بنيويا مجتمعيا وبتالي الأغلبية في الشأن العام تمارس الفساد بأشكال مختلفة والدليل على ذالك أن موريتانيا أصبحت تحتل المرتبة 144
في قائمة منظمة الشفافية الدولية والهيئات المهتمة بالفساد ثم غياب العقوبة ثم انه كذالك أصبح أفقيا وعموديا مع انه في العقد الأخير كاد يكون عموديا لأن رأس السلطة هو الذي يديره ثم من خصائصه أيضا أن البرلمان لم يقم بدوره في محاربة الفساد ولم تأخذ تقارير محكمة الحسابات على محمل الجد وتحال إلى المحاكم , ولكن الأخطر من هذا كله هوانه أصبح عاديا وليس مقتصرا على انه فساد مالي وإداري بل شمل كل مظاهر الحياة من تعيينات ومسابقات ووظائف فهو أصبح يكاد يكون معمما حث انه وصل إلى الحقل الديني .
خامسا : مخاطر الفساد
يكون الفساد خطيرا عندما يتجاوز الفساد المالي والإداري إلى أن يكون فسادا سياسيا لان كل الانتخابات هي انتخابات مزورة باستثناءات قليلة مثل انتخابات 2006 -2007
يكون الفساد خطيرا على الدولة عندما يكون هذا الفساد يتجاوز 5% ويتعلق بالصفقات العمومية
يكون الفساد خطيرا وهو حاصل عندما يتعلق بالمجتمع وقيمه
يكون الفساد خطيرا عندما يكون فسادا بنيويا يخترق المجتمع ومؤسسات الدولة أفقيا وعموديا
إذن من خلال هذه الأنواع يكون الفساد حاليا خطير على الوضع الموريتاني أي انه مع هذا الفساد الحاصل حاليا تستحيل التنمية بشكل كامل لان هذا الفساد سيقضي على مشاريع التعليم وهذا ما حصل في تدمير التعليم وهذا الفساد سيشمل العدالة بجميع أنواعها .
هذا الفساد سيشمل الصحة ويقضي على الصحة كما حصل , هذا الفساد يشمل المؤسسات الأمنية ويقضي عليها كما هو حاصل الآن في إنتشار الجريمة .
إذن يقضي الفساد على المرتكزات الأساسية للدولة وهي التعليم والصحة والعدالة و الأمن وهو ما حصل اليوم فأغلبية المشاريع التي تم تمويلها ذهبت أدراج الرياح , ففي سنة 2007 محيت المديونية بينما اليوم المديونية تبلغ 104%ومع ذالك موريتانيا بلد متخلف في كافة مظاهر الحياة وتنعدم فه البنية التحتية ومقومات الحياة وأغلبية الساكنة من الفقراء أي أن الفقر يزيد على 47% المدن وعلى 70% في الأرياف وهذا ما يفسر أن حجم الفساد أصبح خطيرا وانه يمنع من تحقيق أي نوع من أنواع التنمية .
سادسا : أنجع السبل لمكافحة الفساد
لا اعتقد أن المرحلة الحالية يمكن أن تعالج أوجه الفساد بدون إرادة سياسية ورغم ذالك هناك بعض الإجراءات والآليات التي قد تكون اتبعتها بعض الدول مثل تجربة ناجحة في رواندا وماليزيا و سانكافورا وكوريا الجنوبية …..
ومن هذه الإجراءات والآليات الناجحة :
* إدماج المحافظة على المال العام ومحاربة الفساد والالتزام بالمصلحة العمومية في التربية المدرسية * يجاد مدونة قانونية فعالة لمكافحة الفساد تكون واضحة ومتناسقة يمكن تطبيقها –
* تفعيل مؤسسات الرقابة القبلية والموازية والبعدية مثل محكمة الحسابات والجهات الرقابية * تفعيل الأجهزة القضائية إعطائها استقلالية ومصداقية في مكافحة الفساد
* الاعتناء بالموارد البشرية وفيه بعدين:
البعد الأول الاهتمام بالموارد البشرية و اختيارها من حيث الكفاءة والنزاهة والمصداقية
البعد الثاني تحسين أوضاع موظفي الإدارة ومختلف موظفي القطاعات العمومية وتحسين أوضاعهم المادية والمعنوية لان كل هذا يدور حول البشرية وما لم تحسن أوضاعها ويتم اختيارها على معايير واضحة وشفافة فإن الزبونية والمحسوبية ستبقى, فمادام الشخص يحس انه جاء عن طريق الزبونية والمحسوبية فسيمارس الفساد لأنه يعتبر نفسه محميا .
هناك مسالة أخرى لمكافحة الفساد ومعالجة الوضع الحالي في موريتانيا هو إعادة هيكلة الإدارة وتحويل الإدارة الحالية من إدارة مسار وظيفي إلى إدارة كفاءات .
إن ما تم في العشرية الأخيرة من فساد ليس فسادا وإنما هو نهب منظم كما قال كثير من التقارير وما يتسرب يوميا لان هذا النهب نال جل أموال الدولة تقريبا سواء كان قروض أو عقارات أو أراضي أو ثروات سواء كانت سمكية أو معدنية وبتالي ما لم تعالج آثار هذا النهب في موريتانيا لا اعتقد أنها ستقوم لها قائمة لان تصفية هذه العشرية ستضع حدا لمبدأ ألا عقوبة وبالتالي من المفروض أن يحدث تحقيق حقيقي وتتم محاكمة الناس لتبرئتها أو إدانتها ومعاقبتها واستعادة الأموال التي نهبها ..
وأخيرا استغلال كل المنابر لمحاربة الفساد بكل أشكاله مثل المنابر الإعلامية والمنابر الدينية وتوجيه المنظمات الحكومية لمحاربة الفساد وتوجيه المدونين وخلق رأي عام يهتم بالمال العمومي و صدق من يقوم على الشأن العام ونزاهته وكفاءته وبالتالي اعتقد انه حاليا ينبغي أن نعي جميعا أن الفساد تجذر عندنا و ما لم نهيئ كل الأسلحة لمحاربته فانه سيستمر للأسف العميق ولن نستطيع تحقيق أهداف التنمية في العقود المستقبلية، بل سنبقى ندور في حلقة مفرغة من التخلف والبأس الذي يعيشه مجتمعنا منذ عقود ..
