برنامج ورشة عمل: تبادل خبرات منظمات المجتمع المدني في العالم العربي، التي نظمها المركز المغاربي للدراسات الإستراتيجية بالتعاون مع شبكة الديمقراطيين في العالم العربي
برنامج ورشة عمل: تبادل خبرات منظمات المجتمع المدني في العالم العربي، التي نظمها المركز المغاربي للدراسات الإستراتيجية بالتعاون مع شبكة الديمقراطيين في العالم العربي في 13 – 14 أبريل 2013 فندق وصال بالعاصمة نواكشوط – موريتانيا.
اليوم الأول، الجلسة الأولى:
بدأ الافتتاح مع الدكتور ديدي ولد السالك – رئيس المركز المغاربي للدراسات الإستراتيجية، الذي رحب بكل حرارة بضيوف المركز، خبراء شبكة الديمقراطيين في العالم العربي، على اهتمامهم أولا بموريتانيا، وثانيا باستجابتهم لدعوة المركز المغاربي، وثالثا لتحملهم أعباء السفر. وهؤلاء الضيوف هم على التوالي:
- الأستاذ فوزي جوليد / شبكة الديمقراطيين في العالم العربي.
- الدكتور المختار بنعبد لاوي / مركز الدراسات والأبحاث الإنسانية / مدى
- الأستاذ فاديه قاسمي
كما قدم الدكتور إيجازا تعريفيا بشبكة الديمقراطيين في العالم العربي، التي تستهدف مجموعة من الدول العربية، أي تقدم هذه الشبكة خبرات أعضائها في مجال التعاون بين المجتمع المدني والدول، عبر تطوير وتحسين قدرات هذا المجتمع؛ باعتبار أن المجتمع المدني هو المدخل الأساسي في التنمية البشرية، والاقتصادية والمؤسسية.
فهذه الشبكة تشتغل على تطوير أداء وقدرات قادة المجتمع المدني على المستوى المعرفي، ولكن أيضا من خلال تقديم جملة آليات التعامل والتواصل مع العالم الخارجي.
وتناول الدكتور المختار بنعبد لاوي الحديث، فقال:
أنا، بالفعل، مهتم ومشتغل على المشروع المغاربي في بعده التنموي والبشري والمؤسسي. وهذا المشروع يشكل أولوية لنا جميعا. لكني، مجرد جزء من كل؛ هو شبكة الديمقراطيين في العالم العربي، التي يعود تأسيسها إلى ذلك الاجتماع في 2005، حين التأمت مجموعة من المجتمع المدني وطرحت أسئلة محورية، كان منها لماذا يتصارع المجتمع المدني مع نفسه على أسس إيديولوجية، في الوقت الذي يتوجب عليه الاتفاق ولو على أسس الاختلاف؛ إذ كما – يقال – الاختلاف في الوضوح خير من الاتفاق في الغموض. إنه ينبغي على المجتمع المدني أن يتوصل على أولويات حول إشكاليات السيادة ورؤية المجتمع… لقد كنا في البداية لا نلتقي إلا على هوامش الدولية الغربية، وكانت قضايا لا تجد مساحة كافية لمناقشتها على نحو جدي. فلماذا، قلنا، لا نوجد فرصا لنطرح قضايانا بعمق. إن السؤال المركزي هو: أين هذا المشترك العربي والإسلامي في الإشكاليات المطروحة؟،
ثم كيف نخلق أرضيات للتفاهم، للتضامن، للتعاون، من أجل نقل المعارف بين مكونات المجتمع المدني. إنه يمكن تقسيم المنطقة العربية إلى ثلاث دوائر: دائرة توفرت فيها امكانيات تكوين مجتمع مدني وتراكم الخبرات. ودائرة عاشت وضعية استثنائية، تميزت بالتضييق على المجتمع المدني وتنقل فاعليه، وعدم الترخيص لمكوناته. وهذه الدائرة اتسمت بعدم تراكم الخبرة الكافية. الدائرة الثالثة، ونموذجها الدول الخليجية، تميزت بمنع أي فكر أو ثقافة أو أي شيء يسمح لتأسيس من هذا القبيل. إذن، يمكن القول إن المحددات أو الأهداف هي البحث عن المشترك، وتوضيح هذا المشترك بين المنظمات غير الحكومية. المسألة الثانية تتمثل في نقل المعارف والخبرات والعمل على مستوى المنطقة العربية بشكل دينامية لنقل هذه الخبرات. لقد كان الانطلاق صعبا في بناء هذه الشبكة؛ فعمدنا إلى تشكيلها من الأعلى نحو الأسفل، ثم بعد ذلك توسعنا على صعيد التشكيلات الأفقية. كما أن اللقاءات في البداية غلب عليها طابع المجاملات، ثم تحولت إلى لقاءات عملية؛ فتم تكوين فرق عمل تبعا للحاجات في المنطقة العربية. إن أولوية المراكز الفكرية تكمن في الدراسات والتحليل والبحث. هناك، طبعا، حاجة ماسة إلى الترافع أو المناصرة للقضايا الحقوقية. ولذا، يتوجب الاشتغال عليها وتفعيلها. لهذا الغرض، قمنا بتشكيل فرق تهتم بقضايا الترافع والمناصرة، مستندين على الدور الذي لعبته التنظيمات النسوية. إن موضوع الترافع مهم، لأنه يعزز الحركة المطلبية في المجتمع، ولكن الأهم تحويل هذه المطالب إلى حقائق عبر الشراكة مع الدول. ومسألة التحويل هذه، هي من دور المجتمع المدني، الذي يتوجب عليه أن يملك قدرة على الاشتغال في الشراكة. (لقد كانت التجربة المغربية مساعدة في هذا المجال).
إن ثورة الوسائط (الميديا) قد غيرت النظرة النمطية للزمان والمكان. فلقد تغير مفهوم الزمان. فالزمان بين صياغة الرسالة ووصولها للمتلقي يكاد ينعدم، مما انعكس على القدرة التعبوية، في ما يتعلق بردود الفعل الساخنة والفاعلة. كما تغير المكان؛ حيث يمكن أن يتواجد أي انسان افتراضيا في أي مكان من العالم؛ ويمكن أن يتفاعل مع أي حملة من أي مكان، وفي أي مكان. لقد منحت هذه الثورة طاقة وقدرة للمجتمع المدني. وهذا ما نعمل على تكريسه ونقل الخبرات والنتائج المتحققة ميدانيا. أشكركم.
- يتدخل الدكتور ديدي ولد السالك ليقول إن تأسيس المركز المغاربي جاء في سياق هم نقل الخبرة والفاعلية.
- ينتقل الحديث للدكتور أحمد جوليد، مستشار الشبكة، فيقول: أعتذر عن ضعف لغتي العربية وأنا أيضا لا أعرف اللغة الفرنسية لكني سأشرف على كيفية إدارة النقاش وأسلوب الطاولات المستديرة، وهو أسلوب يقوم على تسهيل العمل.
- ينتقل الكلام لفادية قاسمي عضو الشبكة، فتقول: يسعدني أن أقدم تعريفا عن معهد الربيع العربي، من خلال موقع المعهد الذي يضمن ملفات الإصلاح الأمني، والنظام الانتخابي، دراسات النزاعات ومنعها، العدالة الانتقالية، الإصلاح الاقتصادي، الدراسات الإعلامية. إننا لا ندعي أننا نُعلِّم شيئا؛ وإنما الواقع هو الذي يستلهم من التجارب الأخرى. ولكل واقع الحق في رسم الأولويات وخصوصياته. وكما ترون، فإن اسم المعهد يدل على التغييرات التي حدثت في الوطن العربي. فهذه الملفات ذات أولوية: لأن ملف العدالة الانتقالية، مثلا، يتعلق بفرز الفاسدين. فهل كل الذين عملوا مع الأنظمة، هم جميعا فاسدون؟.. وكيف جبر الضرر (نموذج تونس). أما ملف النظام الانتخابي فهو مهم جدا، ولا بد من إدارته بشكل نزيه، شأنه شأن ملف قوانين الأحزاب، والمراقبة على الحملات الانتخابية، والتراخيص الحزبية… وملف النزاعات ومنعها، لأنه يشكل تحدي كبير أمام العلاقات العربية، وكذلك ملف الإصلاح التشريعي والدستوري (نموذج المغرب). ويمكن للإخوة الإطلاع على مجمل هذه الملفات بشكل مفصل في موقع المعهد.
وبعد هذه الإجازات، جرى توزيع أوراق “فليب شارت” على المجموعات حول الطاولات المستديرة، لنقاش والاتفاق على الأولويات بخصوص المجتمع المدني الموريتاني، أي اهتمامات هذا المجتمع. جرت النقاشات داخل الورشات وتم تلخيص الأولويات في ثلاثة، ثم تلخيصها في أولوية واحدة، في إطار التدريب على تسيير الخلافات وفرز ترتيب الأولويات.
الجلسة الثانية:
مسير الجلسة الدكتور محمد الوداني، الذي قدم ورقة تعريفية عن الدكتور المختار بنعبدلاوي، عرض الدكتور المختار بنعبد لاوي.
- شكرا جزيلا لكم، وأعتقد أني حصلت على أكثر مما استحق في هذا التعريف.
أنا سعيد بوجودي بينكم .. سعيد بزيارة هذا القطر المغاربي العزيز. وأود في البداية أن أقوم بتصحيح معلومة وردت في تقديم الأخ محمد. وهي أني لم أكتب موسوعة عن الأحزاب السياسية في العالم، وإنما شاركت في كتابة موسوعة بالانجليزية من ستة أجزاء.
أنا اشتغلت على المراكز الفكرية في الوطن العربي. وقد طلب مني أن أقدم تجربة المراكز الفكرية وأنا أقوم بذلك، لما لهذه المؤسسات من أهمية لمستقبلنا في الوطن العربي، وفي موريتانيا. لقد كان أول مركز فكري في أبريطانيا، وكان هدفه امتصاص النتائج المترتبة على الثورة الصناعية وتضخم المدن، وما رافق ذلك من صدامات واضطرابات… وغيرهم. غير أن هذه المؤسسة لم تلعب دورها بشكل كامل. وانتقلت فكرة المراكز الفكرية إلى الولايات المتحدة الأمريكية في الفترة ما بين الحربين العالميتين؛ لأن الدولة لم يعد في مقدورها أن تعمل وحدها لمواجهة تعدد التحديات؛ فعملت على تنويع المؤسسات لمساعدتها. كما كان من دواعي هذه المراكز في الولايات المتحدة نشوء الحرب الباردة واتفاقية التجارة العالمية في يالطة، والحركات العمالية عبر العالم. هذه ما دفع بالنخب الأمريكية للتفكير في كيفية الوقوف أمام زحف الفكر الاشتيراكي، وكذلك الحاجة لتطوير الرأس مالية. وهذه المراكز الفكرية تتنوع في الولايات المتحدة بحسب الاهتمام؛ فهناك مراكز فكرية اهتمت بالاندماج الاجتماعي.. وكيف يتحقق هذا الاندماج، وكيف يتم الحفاظ على السلم والاستقرار مع كل هذا التنوع العرقي والديني والمدني..
وهناك مراكز أخرى صغرى تشتغل على المجالات الحقوقية. ووظيفة المراكز الفكرية هي التحليل ووضع الاستراتيجيات، والتفكير انطلاقا من زاوية معينة، أي تسليط الضوء على ناحية؛ لأن الدولة وحدها لم تعد قادرة على التصدي لحجم التحديات والاهتمامات. وتنقسم المراكز إلى:
- مراكز تابعة للدولة مباشرة، وتقوم بدور الاستطلاع والاستشراف وأحيانا بالدبلوماسية الموازية.
- مراكز تابعة لمؤسسات رسمية، بطريقة غير مباشرة، كالمراكز الممولة من وزارة الدفاع أو وزارة التعمير… ودورها يكمن في تقديم الاستشارات للقطاعات المعنية، وهي تنفتح على كل المجالات، وتفتحها على بعضها، ضمن الديمقراطية التشاركية.
- مراكز خاصة، وهي تعمل بصورة مستقلة، وتقوم ببيع خدماتها. وهنا أريد أن أصحح فكرة خاطئة وسائدة في الوطن العربي؛ وهي المركز الفكري حين يكون تابعا للدولة، فهذا يعني أنه يعمل لصالح السلطة. هذه النظرة ليست صحيحة في الديمقراطيات الغربية. فأشد أشكال النقد للسلطة تأتي من المراكز الممولة من المال العام. ذلك أن السلطة تعتبر متغيرا داخل بنية الدولة، والدولة باقية. أما في منطقتنا، فإن التمويل من الدولة يقدم وكأنه منة أو إكرامية من الحاكم، بينما المال العام ليس إكرامية من احد. إنه حق للمواطن مقابل واجب يؤديه. أي التدبير العقلاني.
إن هذه المراكز الفكرية هي بمثابة بنوك للأفكار. فالحزب السياسي يستنفد طاقاته في التعبئة، بينما المركز الفكري يعطي مشاريع وبدائل جاهزة لصالح هذا الحزب. لماذا تقديم أفكار جاهزة؟ لأن المركز يسعى إلى تسليم مخرجات بحوثه لمن يحققها وهذه المراكز الفكرية – في الغرب – ليست بنوك أفكار فحسب، ولكنها كذلك مصانع للرجال وللشخصيات. فأهم الشخصيات ذات الخبرة في الغرب اشتغلت في هذه المراكز – المصانع، قبل أن تتقلد مهام رسمية. وهذه المراكز تقدم من جهة معطيات جديدة، وتعيد توجيه الاهتمامات الحزبية. فقد أعادت النظر في السياسات الليبرالية الجارية، وفي المبادئ العامة والناظمة التي تقوم عليها هذه السياسات.
أما في المنطقة العربية، فهذه المراكز الفكرية قليلة. فأول مركز فكري في المغرب كان منذ خمس سنوات وما يزال يتلقى الدعم المباشر من الدولة. أما في المشرق العربي، بخاصة لبنان والأردن، فقد ظهرت هذه المراكز مبكرا بفعل الاستفادة من الاحتكاك المبكر مع الغرب، وكذلك الإرساليات والباحثون الذين وفدوا إلى هنالك؛ الأمر الذي حقق تراكما معرفيا ومنهجيا؛ حيث توفرت المادة الرمادية لهذه المراكز. كما كان لقضية فلسطين ووعد بلفور والصراع الدولي في هذه المنطقة دور للتفكير حول أبعاد هذه القضية. في المشرق أيضا هاجس آخر، ليس موجودا في المغرب العربي، هو واقع الاختلاف الديني، والعرقي والمذهبي. فهذه الفسيفساء جعلت هذه المراكز تنشط من الأجل الاندماج بين هذه المكونات. أما عندنا في المغرب العربي فيكاد المجتمع في دين الإسلام والمذهب المالكي مع وجود تنوع عرقي أقل. ولقد كان لتقرير التنمية البشرية، الذي أكد على واقع تخلف التعليم وعدم الربط بين التعليم والسوق ، وغياب الخبرة في نوعية التعليم المتبعة عندنا ، كان لذلك بالغ الدور ف ضرورة تطوير امكانيات هذه المراكز. وبالرغم من وجود المراكز الفكرية في المشرق العربي مبكرا نسبيا، إلا أن تحديات ومعوقات ظلت قائمة: منها الاستبداد السياسي الذي أعاق هذه المؤسسات؛ لأن الدولة لا تعترف بهذه المراكز، أو بسبب ضعف الضمانات القانونية، أو لقلة مساحة الحريات العامة؛ وفضلا عن ذلك قلة الكفاءات المرعفية بسبب الهجرة؛ حيث أن هذه الكفاءات المهاجرة تقوم بالتدريس في المهجر، ولا تقوم بالتفكير. كما أن الباحثين الأكفاء عادة يكونون غارقين في البعد النظري الأكاديمي، أي قلة الاهتمام بالخبرة. فالمجتمعات عندنا لا صلة لها بالنتاج المعرفي في جامعاتنا. فليس هناك تواصل. في الغرب، مثلا، الجامعات تدخل في شراكة مع المجتمع. هذا المعطى غير موجود في منطقتنا. كذلك، فإن تقاليدنا تفتقد إلى الروح الجماعية. فهذه التقاليد تدفعنا إلى العمل منفردين. فالأستاذ هو أحرص على ألا يطلع زملاؤه على ما يكتب، بخلاف الباحثين في الغرب الذين يحرصون على إطلاع زملائهم على منتوجاتهم قبل نشرها. فمفهوم فريق العمل يغيب عندنا. هناك عوامل أخرى من قبيل ضيق هامش الحرية، وأنماط الممنوعات (التابوهات) التي تمنع الدولة البحث فيها، أو تعاقب على الانخراط في مقاربتها. مع أن تحقيق الوعي والمعرفة مشروط بالحرية، والمراكز الفكرية لا تتطور إلا في بيئة حرة؛ لأن هذه المراكز لها خاصة الحيوية. وبخصوص الربيع العربي، أعتقد أن التطرف الديني والطائفية هما اللذان أعاقا التحول الديمقراطي، وذلك بسبب غياب المراكز الفكرية التي تقدم دراسات موضوعية، مشبعة بالحس الوطني. إن مسلسل العدالة الانتقالية يتطلب إدراكا عميقا للمجتمع، من أجل الوصول للإجراءات المناسبة، التي بطبيعتها تختلف من بلد لآخر.
الآن، أي أفق أمام المراكز الفكرية في موريتانيا؟
هناك أطار قانوني يسمح بتأسيس هذه المراكز. وهذا أمر جيد. وهناك أكاديميون وباحثون قادرون على تسيير هذه المراكز. وهناك حاجة ملحة في ما يخص بالتنشئة الاجتماعية التي تعني عندي إعطاء الأولوية للانتماء للوطن على حساب الولاءات الضيقة. إن هذه المراكز ضرورية لخلق حداثة وآليات حديثة في القرار السياسي، بديلة عن الآليات القبلية والخصوصية. إن هناك قضايا تحكم مصير موريتانيا، كما هو الحال في الدول المغاربية الأخرى، وهي قضية الماء والهجرة (المؤقتة والدائمة). فهذه القضايا، مع بناء الصرح المغاربي، لا تستطيع الدولة وحدها أن تفكر فيها. ولا بد لمعالجة هذه القضايا، من التفكير في الإطار الجمعوي والتراكمي والانسجام في العمل، والانفتاح على الحداثة.
والسلام عليكم وأشكركم.
بعد المحاضرة بدأت النقاشات والأسئلة.
- محمد الأمين ولد الكتاب (سفير سابق): الحقيقة أن الدكتور المختار قدم لنا إيضاحات منورة حول ماهية ووظيفة المراكز الفكرية في الوطني العربي، وفي العالم. وبخصوص العرض، كل الجهاز المفهومي، الذي استخدمه، كان معبرا وموضحا.
إن المراكز الفكرية هي البدائل عن الارتجالية، وعي غياب المأسسة والانطباعية. إن المشكل يكمن في أن التفكير الاستيراتيجية، الذي ينطلق من رؤية ذات ابعاد متعددة، غير موجود. وهذه المراكز، هي مخابر للأفكار، أي أن هناك مجموعات متخصصة في التفكير. أما العادة السائدة عندنا، فهي السباحة على غير هدى، مع أن هناك قضايا تتطلب التفكير من قبل أناس متخصصين. فإهمال أصحاب الخبرة والتجربة عندنا عادة مترسخة. مثلا، هل سمعتم أننا عدنا إلى وزراء الخارجية السابقين في ما يتعلق باتخاذ قرار بالعلاقات الخارجية، بخلاف الغرب، فالعمل والمواقف خاضعة للمراكز الفكرية. أما عندنا، فهناك كره لأصحاب الأهلية والعرفة ونفور منهم، مع أن الذين يشتغلون في القضايا اليومية ليس لهم الوقت الكافي للتفكير العميق حول القضايا الإستراتيجية.
- فاطمة بنت المصطفى. أشكر الإخوة الدكاترة وأشكر المركز المغاربي. وأتمنى أن تكون لهذه الأفكار نتائج إيجابية على حياتنا. إن التحديات الديمقراطية ما تزال قائمة.. فالانقلاب الذي وقع 2008 أفسد مناخ الديمقراطية، الذي انبثق ما بين 2007 هناك معوق يكمن في أن قادة الأحزاب السياسية، الذين يتطلعون أن يكونوا قادة رأي، هم أنفسهم فاقدون للمعارف. كما أن الثقافة الاستبدادية المتجذرة تطرح مشكلا عويصا. وأنتم تحدثتم عن الربيع العربي، فما الذي قدمه هذا الربيع؟ لقد تراجعت المكتسبات التي تحققت قبله. في المغرب، مثلا، كان النساء حصلن على أربع حقائب وزارية، والآن ليس عندهن إلا حقيبة واحدة.
- آمنة بنت المختار. مشكلة متمثلة في سيادة الانقلابات العسكرية في بلادنا.. وفي كل مرة وعقب كل انقلاب تعود البلاد إلى الصفر. فنحن نعاني من غياب روح الوطنية، ومن غياب التكوين على الوطنية، ومن غياب التوثيق والبحوث، والتنافس السلبي. فحين تظهر فكرة أو تنجح مبادرة عند أحد الأفراد يهب الجميع لمحاكاتها. يضاف إلى ذلك غياب التدوين والتنظير.
- سيدي ولد بديده. ما أريد قوله ما العمل؟ بالنسبة لنا كمجتمع مدني، في ظل شح المعلومات الموجودة والدراسات.
- كما وردت أسئلة من داخل القاعة أسباب نجاة موريتانيا من عاصفة الربيع العربي، هل هو لغياب المراكز الفكرية، كما برزت أصوات تضع نقاط استفهام على المراكز الفكرية في الوطن العربي وعلى دورها في تفكيك الدول العربية لقاء ما تحصل عليه من تمويلات مقدمة من الأجنبي.
- الدكتور المختار بنعبد لاوي، يرد: بالنسبة للذين أشاروا إلى أن هذه المراكز الفكرية مستوردة من الغرب؛ فأقول لهم إن كل شيء عندهم مستورد. وإذا لم نكون نحن مراكز فكرية نابعة منا ولخدمتنا فسوف يأتي الآخرون لنيابتنا في ذلك، وسوف نكون مجبرين على تنفيذ ما يفكرون فيه. وفيما يتعلق بالتطرف الديني، فأقول إنه ليس أمرا جديدا؛ فهو سابق على الربيع العربي. ولكننا نحن الذين تكنا الغرب يأخذ الصدارة في تحديد المفاهيم.. فلماذا هذا الغرب هو أعطى تعريفا للإرهاب، فخلط بين حماس وحزب الله والقاعدة.. ذلك لأننا تخلفنا عن دورنا في التفكير. إن علينا أن نفكر بصورة علمية، وخادمة لمصالحنا. أنا قلت، آنفا، أن هذه المراكز الفكرية كانت انجليزية، لكن الثقافة الأجنبية هي مكمل لثقافتنا، وليست بديلا عنها؛ هي إغناء خلاق بين الداخل والخارج. بخصوص الربيع العربي، أنا أميز بين لحظتين: لحظة أولية عفوية لفرض واقع التخلف والاستبداد. لكن هذه اللحظة كانت تفتقر إلى البدائل وذلك بسبب غياب المراكز الفكرية. واللحظة الثانية، تعبر عن انزلاق. إنه يجب أن نعمل بأداتين: أداة المجتمع المدني وأداة الرؤية الواضحة، حتى لا نتيه.
- أحد المتدخلين: أطالب بطرح فكرة منهجية للمجتمع المدني، أي ما هو المجتمع المدني؟
أنا ألاحظ غيابا للثقة بين المجتمع المدني، والسلطة، وكل منهما يحتقر الآخر. ومن هنا، فإني أطالب بتهيئة أرضية للتفاهم؛ أرضية صالحة تجنبنا الهزات الاجتماعية الخطيرة. أما الربيع العربي فكان حركة عفوية لا يمكن التنظير لها. وقد حصل الانتقال السلس في تونس ومصر، أما في ليبيا وسوريا، فحدثت عسكرة للثورة. إنه ينبغي وجود مركز فكري حقيقي في موريتانيا، وخصوصا متمتعا بالجدية والاستقلالية.
- محمد الأمين ولد الكتاب: أصبح لدينا شك في إمكانية الاستمرار في هذه التسمية (الربيع العربي). فبكل أسف، جرى اختطاف هذه الثورات، وعلينا في موريتانيا العمل على تجنب هذه المصيبة من خلال هذه المراكز الفكرية، وفي الاستعانة بخبرات دولية لتجنب ما وقع في دول عربية.
الجلسة الثالثة:
المسيرة الأستاذة أم كلثوم بنت حامون.
الموضوع هو المناصرة: ما هي أدوار لجان المناصرة وكسب التأييد في للقضايا المجتمعية، وما هي آلياتها. قدم العرض الدكتور أحمد فوزي جوليد وكان بمثابة ورشة تمارين لمجموعات الورشة، عبر رسوم تبين التحرر من عوائق التفكير، وأهمية التواصل مع الآخرين لتبادل الخبرات، ووضع استراتيجيات المطالبة بالحقوق، وأهمية الانطلاق من الأفكار غير المعقدة، طبقا لكلمة وليام ارثورد: << تفتح أبواب الانجازات على مصراعيها لمن يرى في الأشياء التافهة إمكانيات غير محدودة >>. كما عملت هذه التمارين على توضيح صيغ حل المشاكل المجتمعية، ومنها مراعاة الكلفة، والإصرار، والإرادة، والرغبة، وتنظيم الجهد، وليس توحيد الهدف، وأهمية تجزئة المشكلات إلى قضايا لتسهيل حلها والتغلب عليها عمليا.
الجلسة الرابعة:
مسير الجلسة السفير السابق محمد الأمين ولد كتاب.
نستأنف عملنا لهذه الأمسية مع السيدة فادية قاسمي، والتي تقدم لنا فيها تجربة تونس ومصر واليمن في مجال حقوق الإنسان. وستلقي بعض الضوء على البيئة التي ساعدت على النجاح.
فادية.. أشكركم وأعرف أن التركيز ضعف، فالوقت تأخر. مداخلتي بسيطة، ونحاول الاستفادة منها؛ فالمهم أن تعرف المنظمات غير الحكومية كيف حصل النجاح في هذه التجارب، وخاصة في تونس التي أعرفها جيدا.. أنا لم أحضر موضوعا، ولكن أريد أن أتفاعل معكم.. ,اطرح سؤالا: ما هي منظمات حقوق الإنسان التونسية التي تعرفونها في موريتانيا، ومن منكم سمع بالرابطة التونسية لحقوق الإنسان، التي هي عميدة المنظمات الحقوقية في الوطن العربي؟ وما هو معيار النجاح الذي ننطلق منه لمنح صفة النجاح؟ وما هي الجمعية بالتعريف؟ وما هي العلاقة الناجحة بين المجتمع المدني والقطاع الخاص والسلطة؟ وما هي أهم الأسباب التي تمكن منظمة من النجاح دون أخرى؟.
حين تعودون إلى تاريخ الحقوق التونسي فستجدون أن قبل 1987 كان يتميز بصعوبة بالغة في تأسيس الجمعيات. أما في هذه الفترة فقد شهدت انفتاحا، وهي ما أسميها فترة الود مع بن علي.
إن حوصلة الأجوبة التي جاءت منكم هي تأكد على ضرورة توفر منظمات على: رؤية واضحة، أخلاقيات تأسيسية، توفر الموارد البشرية، توفر خطة إستراتيجية منظمة، تكوين علاقات مع شركاء استراتيجيين (منظمات الأمم المتحدة) ولا بد من رسم الأولويات ومن الشفافية في التقارير المالية، وفي الإجراءات وتوثيق البرامج. كما لا بد لمنظمات المجتمع المدني من أن تعترف بالدولة، ولا بد للدولة من أن تعترف بدور المجتمع المدني، لأن الصدام لا لزوم له. فالمجتمع المدني يقع في قلب المجتمع، لأن له صلة بالسلطة، وبالقطاع الخاصة والمجموعات الأهلية. وهناك أنماط من المجتمع المدني: هناك منظمات لها طابع ديني، تقوم بدور الإغاثة، وهناك منظمات الأعمال الخيرية والاجتماعية، وهناك منظمات التنمية، وهناك منظمات المناصرة والحقوق. وأقول إنه من المؤسف أن ثقافة المجتمع المدني لم تدخل بعد في الثقافة الشعبية في الوطن العربي. وقد بات من اللازم توفير الديمقراطية لتدعيم هذه الثقافة المدنية، لأنها تعزز، هي الأخرى، ثقافة السياسات الديمقراطية. ذلك أن منظومة الحكم دائما ما تعاني من نقص ( هو الديمقراطية) وهذا النقص يقضي عليه المجتمع المدني؛ لأنه ليس فيه رئيس ولا مرؤوس؛ وهو بذلك يمكن أفراده من أن يكونوا صنعي حلول ومتخذي قرار. تلكم هي أهم الخصائص والنقاط التي تميز ايجابيا منظمة دون أخرى في مجال العمل.
لقد لاحظت غنى التجربة الموريتانية، ولكن الإعلام لا يقوم بدوره، كما أن المجتمع المدني الموريتاني مقصر من جانبه. فما يزال الكثير يجب عمله بالنسبة للمجتمع المدني الموريتاني، شأنه شأن المجتمع المدني التونسي، ليصل على مستوى المأسسة، التي هي ستمكنه من أن يصبح قطاعا معنيا بالتشغيل والمساهمة في الدخل القومي.
الأحد اليوم الثاني من الورشة.
الجلسة الأولى:
مسير الجلسة الدكتور ديدي ولد السالك.
الموضوع: التجربة المغربية – الشراكة مع المؤسسات العامة.
تقديم الدكتور المختار بنعبد لاوي.
في البداية أشكركم.. وأريد أن أقول، كما أسلفت بالأمس، أن الدولة في انفتاحها على المؤسسات في المجتمع المدني لا تقود إلى رحابة صدر ولا إلى طيبة نفس؛ بل قد تعود إلى النضج وتقبل الأفكار والتصورات التي يحملها غيرها. وهناك سبب أساسي، وهو أن الدولة اكتشفت، بفعل الممارسة، أنها غير قادرة لوحدها على حل المشاكل جميعا (مثل التعليم، الصحة، الإدارة…) وإذن ففلسفة الشراكة ليست مسألة حريات، بل هي في الأساس مسألة أن الدولة أدركت انه لا يمكنها أن تتحمل جميع الأعباء. ومن هذا المنطلق، جاءت اعتبارات الخوصصة والانفتاح على الجمعيات (التي تهم بالمعوقين، العازبات، الأيتام، الأمية…) وهذه لها أعباء تتحملها الجمعيات، مما يخفف الأعباء عن الدولة. وعليه، فإن التعامل أو التعاطي مع الدولة ليس استجداء لها، وإنما مساعدتها للتخفيف من حجم الضغط عليها. إن على الجمعيات أن تدرك أنها تقوم بمهام، كان لزاما على الدولة أن تقوم بها وتتحمل أعباءها. وهكذا اكتشفت الدولة أن معها من يمكن ان يقوم بمهام تساعدها (مثال ذلك القروض الصغرى)، التي تحتاج للخبرة المحلية، والخبرة أساسا في ثقافة الأشخاص المحليين. والدولة بانشغالاتها الواسعة غير قادرة على تتبع هذه التفاصيل. من هنا تأتي فلسفة الشراكة وأهمية الشراكة. والشراكة – بالتعريف – هي اتفاق بين طرفين أو أكثر. وهذا الاتفاق قد يكون عقدا أو اتفاقا على تقديم خدمات وفق معايير وأهداف يتم الوفاق على طبيعة المنابع الناتجة عنها، على أن يحتفظ كل طرف بشخصيته المعنوية. الشراكة تتيح للدولة وللمجتمع المدني تجميع قدراتهما المالية وفي مجال الخبرة وفق إطار قانوني واضح، في ما يخص التزامات كل طرف، بالنسبة للإطار الزمني الذي يتوجب تحقيق الأهداف فيه. والشراكة، أيضا، تعني المسؤولية المشتركة على الصعيد القانونية، وعلى صعيد المكتسبات والمجازفة. فما هي دوافع الشراكة؟
أشرت على أن الشراكة هي تبادل الخبرات وتخفيف الأعباء، ولكن المسألة أكبر من الجانب الاقتصادي؛ فالمسألة لها جانب يتعلق بجدوى وبفلسفة القرب أو الجوار. وهنا أعطيكم نموذجا على هذه الشراكة في المغرب، وعلى اطلاع دقيق بهذا النموذج: في ضواحي مدينة القنيطرة، كان فيه حي شعبي يضم مئات الأسر، وكان الناس في هذا الحي يعانون من غياب مساكن لائقة، حيث لا كهرباء، لا صرف صحي، وغيرها من الخدمات الضرورية الأخرى. فأصبح، بسبب هذا، الحي بؤرة للجريمة وأنواع الجنح والمخدرات. كما كان يعاني من مشكل قانوني. فالأرض التي تقيم عليها ساكنة الحي تعود ملكيتها لشخص، هو نفسه، لا يتوفر على سندات ملكية قانونية للأرض؛ ولذا هو ليس بقادر على طرد السكان. فما الذي تم في هذه الحالة، والتي تبرز أهمية الشراكة، علما أي طرف من الأطراف، بما فيه الدولة، لم يستطع حل المشكلة؟..
الذي حدث هو أن جمعية من الجمعيات غير الحكومية تقدمت بحل هذا المشكل؛ فبدأت بالاتصال أولا بالساكنة، عبر الاستعانة بشخصيات من الحي. هذه الشخصيات قدمت عرضا عن معاناة أهل الحي ضمن استمارات قادت في النهاية على إقامة علاقات إنسانية، ثم تطورت إل بناء قاعدة من الثقة. بالتزامن، كان يجري إحصاء السكان في الحي؛ الأمر الذي أتاح للوالي التبلغ بالعملية، فأعرب عن استعداده في التعاون لحل المشكلة، ثم جرى الاتصال مع مالك الأرض للتفاوض معه على ما يمكن أن يقوم به، دعما لساكنة الحي في حالة مقادرتهم لهذه الأرض. هذا الاتصال قاد إلى توقيع اتفاق بموجبه ساهم مالك الارض بنسبة 50% من كلفة بناء حي سكني بديل. وتلا هذه الخطوة، القيام بالتفاوض حول القروض، ومع أهل الحي لإخلاء الأرض مقابل حل يقوم على بناء سكني لائق بديل. وهكذا انتهى المشكل إلى حل ساهم فيه الجميع، واستفاد منه الجميع. فالشراكة – كما تبين – هي تلاقي مجموعة من الإرادات لتحقيق جملة من الأهداف تعود بالفائدة المشتركة على الجميع. وعلى أساس هذا المثال، تبين أنه على الجمعية التي تسعى للشراكة أن تراعي تطابق الشراكة مع أهدافها ومواردها وفلسفتها؛ لكي تعكس هذه الشراكة تراكم التجربة والخبرة والمصالح المشتركة، على أساس من الاهتمام والدوافع التي يتقاطع عندها الشركاء؛ لأن الشراكة لا تقوم على الارتجالية والانطباعية، ولا مجرد الإرادة الحسنة. فالشراكة لا تقوم في المجال الاهتمام المشترك؛ وعلى المشاريع التي يتم الانخراط فيها أن تراعي البيئة السكانية. فهذه البيئة هي التي تتحكم في نجاح وإخفاق المشاريع؛ لأن الشراكة السليمة تقتضي مراعاة البيئة السكانية، وما يستتبع من لوازم توعية المستهدفين واعتبار حاجاتهم وإمكانياتهم، وإقناعهم بأهمية النتائج المنتظرة من المشاريع، كموارد بديلة عما قد يخسره المستهدفون. كما أن الشراكة تقتضي ضرورة القرب أو مجاورة مشاكل الساكنة. وتلك مزية تفتقدها الدولة، ممثلة في أطرها الذي في العادة لا يكونون على تماس مباشر مع السكان المحليين. بينما تتمكن الجمعيات من الرب والحميمية مع الساكنة. والشراكة ليست إطارا فارغا، إنما هي عقد مبرم بين الدولة والجمعية، وإذن لا بد للشراكة من أساس قانوني تنبني عليه. في المغرب، مثلا، الدستور ينص على أهمية الشراكة بين المجتمع المدني والدولة. وهكذا يحمي الدستور أعوان الدولة في هذه الشراكة، كما أن مذكرة الوزير الأول تاكد على الشراكة مع هذا المجتمع في مجالات حيوية. فالدولة هنا تسعى إلى مساعدة المجتمع المدني، بوصفه جهة ووسيلة لحل مشاكل السكان. ومن هنا، ينبغي على المجتمع المدني أن يقنع الدولة بضرورة فاعليته في محاربة الرشوة ومراقبة الانتخابات. وهذه الفاعلية تستلزم تشبيك المجتمع المدني.
الشراكة في الغالب تتم بين أطراف منتخبة ومع مؤسسات حكومية. ففي حالة الشراكة مع المجالس المنتخبة، يجب الاتصال المباشر مع هذه المجالس، والاتفاق على المتابعة المشتركة. وفي حالة الشراكة مع جهات حكومية لا تتمتع بالصفة القانونية (المديريات)، يلزم الاتصال كتابيا، ثم إدامة متابعة ذلك. كما يجب توثيق المراسلات والبنية القانونية والتنظيمية وكتاب الإجراءات واستخدام ذلك في المكاتبات مع الجهات المعنية لطمأنة الجهات غير المعنوية. كذلك، فإن الشراكة تقتضي فرز الأشخاص – المفاتيح، الذين يلجأ إليهم. ومن أهم هؤلاء الأشخاص: الإعلاميون البارزون، الرياضيون المشهورون، وجهاء القبائل، مشايخ الطرق الصوفية، وألئك الذين قاموا بانجازات وطنية معلومة. وهذه الشخصيات – المفاتيح، منها ما هو محلي ومنها ما هو على المستوى الوطني؛ وأحيانا يكون المحلي هو الأهم، وكل ذلك بمراعاة طبيعة وحجم المشروع وطنيا ومحليا. وقد يقول قائل: ما الفرق بين هذا وبين الوساطة؟ أقول إن الفرق يكون باللجوء إلى الوساطة عندما يتعلق الأمر بمصلحة شخصية أو عائلية. أما في حالة السعي لصالح مشروع عام، فهذا لا يسمى وساطة، وإنما تسهيلا. إنه من المفيد جدا، في هذا المقام، التنويه قبل الإقدام على الشراكة القيام بما يلي: – تحضير كل ما يتطلبه العمل من إجراءات ضمن خطة عمل، لأن نسبة كبيرة من احتمالات النجاح والإخفاق تتوقف على هذه الخطة، التي عليها أن تتصف بما يطلق عليه في اللغات الأوربية SMART ومعناها اختصارا:
- توضيح الهدف وتحديده.
- قابلية القياس، أي ما هي نسبة الإنجاز مقسومة على الزمن، لأن التقييم يتوقف على معرفة نسبة الإنجاز في علاقتها بالمدة الزمنية.
- قابلية التحقق (لا يكون المشروع حالم ولا طوباوية).
- الواقعية (بمعنى أن المشروع يأخذ في الاعتبار الموارد المتوفرة، والمدة الزمنية، أي أن تكون فكرة انجاز المشروع ومدة الانتهاء منه واقعية)
- محدودية المدة (متى يبدأ المشروع ومتى ينتهي)
- ضرورة تقييم المشروع (عند نهاية المشروع بناء على الخطوات السابقة)
لماذا نقييم النتائج.
عن انجاز التقييم يفيد الاستفادة من مسألتين: هما ماذا حققت، وما الذي ارتكبت من أخطاء. وأيضا، هذا التقييم يتحول على رأس المال في المستقبل. كما يتوجب تكريم الأشخاص الذين شاركوا في انجاز المشروع. فالذي يقوم بجهد ممتاز يستحق أن يمنح اعتبارا معنويا؛ لأن كون أشخاص يتطوعون من أجل انجاز عمل، ولا يريدون أجرا ماليا عليه، فهذا لا يعني أنهم لا يريدون اعتبارا معنويا عليه. أيضا، يلزم توثيق التجربة، للاستخدام في المستقبل فحسب، وإنما لتقديمها للآخرين.
وشكرا لاهتمامكم.
- الدكتور ديدي ولد السالك.
أشكر الدكتور المختار على هذا التقديم المتميز، الذي جمع بين البعد النظري الأكاديمي، والبعد العملي الميداني، وأعلن فتح النقاش والأسئلة، وأطلب من كل مجموعة أن تقدم نموذجا وطنيا عن تجربة ناجحة أو فاشلة.
- محمد الأمين ولد كتاب.
استمعت باهتمام بالغ للمحاضرة التي قدمها الدكتور المختار، ولمست منه تمكنا أكاديميا وتجربة ميدانية عميقة. ومع ذلك، أريد القول إن كل التجارب التي ذكرها دارت سياق مغربي، قابل أن تنجح فيه هذه التجارب، ولذا أريد أن لا يعمم ذلك. فتجربة الحي العشوائي ربما لو جرت في سياق آخر غير المغرب لما نجحت؛ لأن هناك استقالة من الدولة وتفشي للرشوة وعدم اهتمام في سياقات أخرى. وقد يكون بلدنا ضمنها. هناك مجتمعات عربية لا يوجد فيها أي اهتمام من أي نوع؛ في مقبرة للمبادرات الطيبة. إنه من الضروري تراكم الوعي والدمقرطة. فالمجتمع المدني نفسه مرفوض في سياقات عربية.
- محمد حرمه ولد أفاه.
أعتقد أن إدراك الدولة لدور المجتمع المدني في تخفيف الأعباء عنها غير موجود في موريتانيا. فمنظمات المجتمع المدني خارج دائرة التأثير، تماما مثل أصحاب الكهف، فقد تغير كل شيء من حولهم، وهم لا يعلمون.
- محمد السالك ولد إبراهيم.
يجب التمييز بين لحظتين في الشراكة بموريتانيا، هما: لحظة ما قبل 2001 ولحظة ما بعد 2001، حيث حدث انفتاح بعد مصادقة الدولة على اتفاقية كتونو الدولية، التي اشترطت استفادة الدول من التمويلات الأوربية بانفتاح هذه الدول على المجتمع المدني وإعادة الاعتبار إليه، وتسوية أرضية الشراكة مع الفاعلين غير الحكوميين.
- وقد وردت أسئلة من المشاركين، دار أبرزها حول:
- كيف نعالج شخصنة المجتمع المدني؟.. كيف نعالج الضبابية في التخصص؟
- ما هي خطة العمل الأمثل للفاعلين في المجتمع المدني لتحسين صورة هذا المجتمع في موريتانيا؟
- كيف نخلص المجتمع المدني من رواسب المجتمع الأهلي؟
- ما هي آليات تطوير المراكز الفكرية؟
- العقلية السائدة هي أنه لا تصح شراكة إلا مع الغرب، فهل بالإمكان وجود شراكة مع المجتمع المدني العربي؟
- ما هي الشبكة الناجحة؟
- هل النموذج الذي قدمتم للشراكة خاص بشبكة الديمقراطيين في العالم العربي.. أم هو يصلح مع جهات أخرى؟
- هل هناك من المنظمات غير الحكومية تعتمد على الشراكة الوطنية؟
- كيف يلعب المجتمع المدني دوره بعيدا عن المادة؟
- كيف هو النموذج للتواصل بين منظمات المجتمع المدني؟.. وكيف التواصل بين منظمات المجتمع المدني الميدانية، وبين المثقفين؟
- المشكل في موريتانيا، ليس في الاتفاقيات الدولية وليس في المصادقة عليها، وإنما المشكل في آلية التواصل بين المواطن العادي والفاعلين؟
- الدكتور المختار يرد على أسئلة القاعة: هذه الأسئلة تعكس الوعي بالرهانات وبالمشاكل المطروحة. ونحن، عمليا، قد نقوم بشيء مهم دون أن ندرك ذلك. إننا جميعا نعيش في مشروع مغاربي، جرى تجنيد أجهزته. والحكومات عجزت في هذا الاندماج، دون تحميل المسؤولية لطرف، ولكن المغرب العربي هو خيار شعب وإرادة حرة. فإذا تخلفت الحكومات عن دورها فعلى الشعب أن يقوم بدوره لانجاز هذا الخيار الشعبي، الذي تقتضيه الضرورة الاقتصادية واللغة الواحدة، والعادات والمصير المشترك.
هناك أسئلة ترددت في سياقات متعدد منها: ما العمل في حالة الإعاقة؟.. هنا أهمية التشبيك وتنسيق الجهود، حتى عندما نختلف في مصالحنا واهتماماتنا. التنسيق هو الذي يجب أن يحظى بالاهتمام والتركيز، وليس التنافس. هناك الإعلام، وما يلعبه من دور فاعل. فكل طلب لمشروع، يلزم أن تواكبه حملة من المقالات. فالصحافة تبقى من أهم أدوات الضغط، عندما لا تتفاعل الإدارة. كما يمكن الاستفادة من المستهدفين، من خلال القرب أو الجوار. فهذه هي عضلات المجتمع المدني التي يستعملها عند الحاجة. وهنا، يجب الانتباه إلى أن الدولة موجودة عبر موظفيها؛ وهؤلاء يختلف وعيهم ويتفاوت. لقد نقع على موظف واع وقد نقع على موظف غير واع، بل قد يحمل أفكارا مسبقة أو صورة خاطئة عن المجتمع المدني. في هذه الحالة يجب استعمال جميع الوسائل ومن ضمنها الحوار والإقناع وتصحيح الصورة.
- أما في ما يتعلق بالشخصيات الاعتبارية واحتمال انسحابها من المشروع قبل نهايته، فالمطلوب ليس انخراط هذه الشخصيات في المشروع حتى نهايته. إن المطلوب هو الارتباط بهذه الشخصيات في الأسابيع الأولى للمشروع، وبعد ذلك مداومة اطلاعها على تقدم المشروع ونجاحه، حتى تظل تشعر بأهميتها في هذا المجال؛ لأنه في حالة الانقطاع عنها والاتصال بها في حالة الإخفاق أو المشاكل؛ فهذا يجعلها غير مكترثة. لهذا يجب تواصل الاعتبار المعنوي مع هذه الشخصيات.
- أما في ما يتعلق بالشخصنة في منظمات المجتمع المدني، فلا بأس بالارتباط بالشخصيات القوية، ولكن المطلوب هو الاحتراس من تحويلها إلى دكتاتورية، وذلك بتفصيل المسؤوليات والمساءلة، ليس على شاكلة الاستجواب الشرطي، وإنما بلغة هادئة تطلب التوضيح وتفشي الثقة، في إطار أهمية التدرب على كيفية العمل بروح الفريق الذي يقتضي التحول من العلاقات العمودية إلى العلاقات الأفقية.
- بخصوص تحسين صورة المجتمع المدني، فهذا يتطلب عدم التسرع بالتعهد للمستهدفين بمشاريع لم يحن وقت إعلانها لهم؛ كما يتطلب الشفافية عموما، والشفافية المالية بوجه خاص.
- أما بخصوص الشراكة على مستوى الدولة أو مع جهات دولية، فهذا ليس عيبا. إنما يجب الوضوح والشفافية. كما ينبغي الاحتراس في الشراكة مع الدولة حتى لا تصبح علاقة زبونية. فالفاعلون في المجتمع المدني، ليسوا معارضين ولا موالين، وإنما هم يتعاملون مع الواقع بموضوعة. هذا هو ما يمنحهم ثقة الدولة وثقة المجتمع وثقة الشركاء.
- أما ما يتعلق باحتمالية الشراكة بين المنظمات المجتمع المدني الموريتاني والمنظمات العربية غير الحكومية، فهذا من ضمن الدوافع إلى إنشاء شبكة الديمقراطيين في العالم العربي؛ لأننا لا نجتمع ونلتقي إلا في المحافل الأجنبية، بينما هذه الشراكة هي المطلوبة، وكل شيء يؤكد ضرورتها. فنحن نريد علاقات تضامن، وعلاقات إنسانية وشراكة بينية في المجتمع العربي.. نحن نطمح إلى وجود شبكة لنقل الخبرة والتجارب من أية نقطة. وأختم بالقول إني حاولت أن أثير جوانب من الشراكة، فإذا دخلتم إلى موقع شبكة الديمقراطيين في العالم العربي، فستحصلون على مزيد من التفاصيل.
أشكركم.
- الدكتور ديدي.
باسمكم جميعا أشكر الدكتور المختار على ما قدمه من معلومات عملية قيمة، ستكون لنا نبراسا في موريتانيا.. وأعتذر للذين طلبوا التداخل ولم يسمح لنا الوقت بذلك.
الجلسة الثانية – تجربة تونس ومصر – استخدام الإعلام الحديث
مسير الجلسة – محمد السالك ولد إبراهيم.
تقديم: أ. فادية قاسمي
الإعلام الجديد هو نتيجة للثورة في علام التكنولوجيا.. ولكن ما هو الإعلام الجديد أو المواقع التي تعرفونها ضمن الإعلام الجديد؟ (المجموعات قدمت أجوبة)
هذا من أجل فهم مشترك لبعض المفاهيم؛ لأن هناك تطورا تكنولوجيا مذهلا. فالعالم اصبح قرية كونية بفعل هذا الإعلام. ولا بد من الانخراط في هذا الإعلام، فبغيابنا عنه سنندثر. أنا لا أقدم مداخلة أكاديمية، إنما أقوم بالتفاعل معكم لنتبين أن الإعلام الجديد يقابله الإعلام التقليدي. فالإعلام الجديد هو الذي يعتمد الشبكة العنكبوتية، ومن خصائصه السرعة على الحدث ونقله. وفي هذا الإعلان الجديد المواطن طرف في صياغة الخبر. فكل شخص هو قادر على صياغة خبر، ولذا فالإعلام الجديد يقدم وجهات النظر جميعا بخلاف الإعلام التقليدي الذي لا يقدم إلا وجهة نظر واحدة، ويشرف لعيه إعلاميون محترفون. ويعود ظهور الإعلام الجديد إلى 1980 مع AOL والشبكة العنكبوتية التي جاءت في البداية كضرورة لغياب التواصل الاجتماعي في المجتمع الأمريكي. ومن ثمن توالى ظهور أجيالا الإعلام الجديد، الذي يمكن الحصول على تفاصيله ووظائفه وتطبيقاته بحسب كل موقع. هذا الإعلام الجديد هو الذي أتاح للثورة التونسية والمصرية الحصول على المعلومات الضرورية لصالح الثوار، في يتعلق بنقاط وجود الجيش والشرطة، واتجاه الرياح لتجنب الغازات المدمعة، ومعلومات عن كيفيات استخدام الكمامات المضادة لهذه الغازات. كما قام هذا الإعلام الجيد بتسليط الضوء على مشاكل المجتمع، التي تغافل عنها أو لا ينتبه غليها الإعلام التقليدي والمسؤولون. وهذا الإعلام الجديد في متناول المجتمع المدني، الذي ليس في وسعه تغطية أنشطته بالإعلام العمومي والتقليدي؛ ولذا فهو يشكل بديلا عن هذا الإعلام، من حيث يسهل إرسال الأنشطة ويساعد الشباب على الرجوع للاهتمام بالشأن العام، الذي أصبح لديه عزوف عنه. كما يشجع هذا الإعلام الشباب على تملك الثقة بنفسه؛ فهو صوت من لا صوت له، وخصوصا في عمليات مراقبة الانتخابات، وفي تقديم أساليب التمكين على الفرص بالنسبة للجمعيات. ومن فوائد الإعلام الجديد توفيره لإذاعات على الانترنت وعلى الهواتف الشخصية المنقولة.
ثمة نقطة تتعلق بالجانب الأخلاقي في عمل الإعلام الجديد، وربما يجري العمل على وضع أخلاقيات جديدة لهذا الإعلام.
أسئلة وتعليقات المشاركين
- للإعلام الجديد إيجابيات وفيه سلبيات، ومن أبرز سلبياته غياب الموضوعية وعدم تحديد المصدر.
- الإعلام التقليدي يفرض الرقابة على صياغة الخبر، والإعلام الجديد خرج عن سيطرة الزمن؛ فهو من هذه الناحية يستجيب لترشيد وعقلنة الزمن. والمطلوب هو استخدام هذه الوسائط في ما يفيد.
- نحن بحاجة إلى التكوين التقني لكي نتمكن من الاستفادة من هذه الوساطة.
- الإعلام الجديد أثار إشكاليات، فكيف نبني الثقة بين المرسل والمتلقي في ضوء فبركات الإعلام الجديد؟
- الإعلام الجديد أتاح إمكانيات لانتحال أسماء لشخصيات وعائلات محترمة لتمرير الأشياء غير الأخلاقية.
الجلسة الثالثة والرابعة:
الموضوع: مقترحات وآفاق مستقبلية مع التقييم وتوصيات.
مسير الجلسة الدكتور محمدو ولد محمد المختار.
- بداية الجلسة: أسئلة، حول:
- ما هي أولويات المجتمع المدني الموريتاني؟
- هل بناء القدرات بالنسبة للمجتمع المدني أولوية لكم؟
- ما هي طرق الحصول على التمويل وهل هو أولوية؟
- هل يمتلك المجتمع المدني الموريتاني رؤية فعلية في الانتقال الديمقراطي؟
- المجموعات المشاركة اشتغلت لمدة ربع ساعة على هذه الأسئلة ثم خرجت بأجوبتها على أوراق فليب شارت، التي علقت أمام المشاركين. بعد قراءة إجابات كل فريق، طلب من المشاركين انتداب كل مجموعة لشخص عنها، ليجتمع المناديب عن المجموعات ثم يصوتوا على ثلاثة من بينهم، ليصوغوا من بين هذه الإجابات أرباعا تكون بمثابة توصيات الورشة. وهذا ما حصل، فجاءت التوصيات على النحو التالي:
- تنمية الإطار المؤسسي.
- بناء القدرات المؤسسية للمجتمع المدني
- تطوير الشراكة وطنيا ودوليا
- ترسيخ الثقافة الديمقراطية
- توزيع أسماء المشاركين على الجميع (miling) (هذه التوصية الأخيرة جاءت من أحد المشاركين، وطلب الدكتور أحمد فوزي جوليد اعتمادها).
وفي أعقاب هذه التوصيات طلب التدخل كل من:
- مريم داود جاه، إحدى الناشطات في المجتمع المدني المشاركات في الورشة، التي قرأت كلمة شكر وعرفان للمركز وللذين أشرفوا على هذه الورشة كما تضمنت توجيهات طيبة. (أنظر نص الكلمة مرفقا)
- محمد الأمين ولد كتاب، الذي أكد على القول إن هذه اللقاء كان أكثر من إيجابي. ولذلك أشكر المركز والمحاضرين، مثمنا التوصيات وداعيا على إدراك أن الاختلاف لا يفسد للود قضية.
وفي ختام الورشة تم توزيع إفادات المشاركة وشهادات تقديرية.
