تقرير ندوة التجربة البرلمانية في موريتانيا ما بين 1992- 2024: الحصيلة والآفاق
نظم المركز المغاربي للدراسات الاستراتيجية بالشراكة مع الجمعية الوطنية، ندوة علمية، تحت عنوان:
“التجربة البرلمانية في موريتانيا ما بين 1992- 2024: الحصيلة والآفاق” بنواكشوط ، يومي 26 – 27 اكتوبر 2024.
وقد جاءت محاور هذه الندوة على النحو التالي:
أولا: الكلمات الافتتاحية .
ثانيا: مداخلات المحاضرين.
ثالثا: أسئلة وتفاعل الحضور .
رابعا: توصيات ختامية .
أولا: الكلمات الافتتاحية
افتتحت الندوة، بكلمة لرئيس المركز الدكتور ديدي ولد السالك، حيث رحب في مستهلها بالحضور وأثنى على تلبيتهم للدعوة التي وجهت إليهم قصد المشاركة، كما نوه بموافقة الجمعية الوطنية على شراكتها ورعايتها للندوة، وثمن تجاوب رئيسها مع المركز لتدعيم هذه الشراكة العلمية، داعيا إلى الاهتمام بالعلم خاصة من قبل البرلمانيين وتوظيفه في خدمة التنمية الوطنية، قبل أن يعرج على ذكر المراحل التاريخية التي اجتازتها التجربة الديمقراطية الموريتانية، وأيضا العراقيل المتعاقبة التي عرفتها هذه التجربة، وما مُنيت به عبر مسارها التاريخي من عجز وإخفاقات بشكل عام.
وأشار إلى أن التجربة البرلمانية في موريتانيا حديثة نسبيا، مقارنة مع بعض التجارب البرلمانية في العالم، وقد بدأت تلك التجربة في أربعينيات القرن العشرين في ظل الاستعمار الفرنسي، الذي خضعت له موريتانيا بداية القرن الماضي، حيث مرت هذه التجربة، منذ انطلاقها بثلاث مراحل متمايزة من حيث الشكل والمضمون: فكانت البداية الأولى في ظل الإدارة الاستعمارية الفرنسية، حيث أجريت أول انتخابات برلمانية في عام 1946 على المقاعد الخاصة بممثلي” بلدان ما وراء البحار” في الجمعية الوطنية الفرنسية، وقد استمرت هذه التجربة حتى نهاية الفترة الاستعمارية باستقلال البلاد عام 1960.
وفي نظر رئيس المركز، فإن التجربة البرلمانية ستعرف نمطا جديدا مع حصول موريتانيا على استقلالها من الاستعمار الفرنسي، وتغير شكل النظام من نظام برلماني إلى نظام رئاسي، وكذلك انتقال أو تغير الممارسة السياسية، من التعددية الحزبية التي كانت قائمة في ظل الاستعمار، إلى الأحادية الحزبية وهيمنة نظام الحزب الواحد – حزب الشعب – على الحياة السياسية، الذي جاء به التعديل الدستوري لعام 1965 لدستور 1961، حيث تحول العمل البرلماني إلى ممارسة شكلية، كان الغرض منها إضفاء الشرعية على العمل التنفيذي، وتبرير سياسات السلطة الحاكمة، وقد استمرت هذه التجربة البرلمانية طيلة فترة الحكم المدني الممتدة ما بين عامي “1960 ـ 1978”.
ومع وصول العسكر إلى السلطة 1978، دخلت الحياة السياسية بموريتانيا مرحلة أخرى، تميزت بتعطيل النظام العسكري للتجربة البرلمانية التي كانت قائمة، إلا أنها ستعرف انطلاقة جديدة، مع إقرار دستور 20 يوليو 1991، الذي كرس التعددية السياسية والحزبية، فجاء الدستور الجديد ببرلمان ثنائي التشكيلة، من غرفتين: هما الجمعية الوطنية، ومجلس الشيوخ، وتم انتخابهما في عام 1992، لكن التعديل الدستوري لسنة 2017 تم بموجبه إلغاء غرفة الشيوخ، مما جعل البرلمان ينتقل من الثنائية البرلمانية إلى برلمان أحادي الغرفة.
وقد تميزت التجربة البرلمانية الموريتانية الثالثة التي انطلقت في عام 1992، بالاستمرارية عكس التجارب السابقة، ورغم ما راكمته من تجارب في الممارسة البرلمانية، وما فتحت من نقاشات للقضايا الوطنية، فإن تلك التجربة واجهت تحديات خلال العقود الماضة، بعضها ذاتي وبعضها موضوعي، حالت دون قيام البرلمان بمهامه المعهودة على الوجه المطلوب، وما كان معلقا على الحياة البرلمانية الجديدة من آمال وتطلعات في دفع مسار الانتقال الديمقراطي بموريتانيا، بل إن التشكيلات البرلمانية المتعاقبة أظهرت عجزا متزايدا عن لعب دورها المعهود، في القيام بالمهام التقليدية للبرلمانات في العالم، كمهمة اقتراح القوانين والمبادرة التشريعية بصفة عامة، ومراقبة عمل السلطة التنفيذية، وترشيد العمل الحكومي، وطرح نفسه كقوة اقتراحية تساعد في خلق ديناميكية للتنمية في البلد، الذي تظهر التقارير الدولية تأخره على مؤشرات التنمية .
وعموما تميزت التجربة البرلمانية الموريتانية، عبر مسار تطورها، بما يلي:
1. أن الممارسة البرلمانية في موريتانيا، كانت سابقة على وجود الدولة الوطنية.
2. أنها كانت تجربة متقطعة من حيث الزمان، قبل التجربة البرلمانية الأخيرة التي انطلقت منذ عام 1992.
3. أن التجربة البرلمانية في موريتانيا، لم تعرف نمطا واحدا، بل كانت مختلفة من حيث الشكل والمضمون.
4. أن الممارسة البرلمانية ظل يهيمن عليها الحزب الحاكم، رغم مشاركة أحزاب المعارضة في التجربة الأخيرة، منذ عام 2001.
وختم الدكتور ديدي ولد السالك كلمته بالقول: إن المركز المغاربي للدراسات الاستراتيجية، كجهة بحثية واستشرافية، خصص هذه الندوة لتقييم التجربة البرلمانية الموريتانية الحالية، وذلك من أجل فتح نقاش وطني موضوعي وشامل حول هذه التجربة، للوقوف على نقاط ضعفها وإبراز مكاسبها، ولدفع العمل البرلماني في موريتانيا وتحسينه، انطلاقا من أن فاعلية العمل البرلماني رافعة مهمة لبلوغ أهداف التنمية في البلاد.
وفي الأخير وجه جملة من الأسئلة، التي رأى أنها ينبغي طرحها وبإلحاح في هذه الندوة، وأولى هذه الأسئلة: هل ساهم البرلمان الموريتاني منذ انطلاقة تجربته الثالثة عام 1992 في دفع مسار الانتقال الديمقراطي، الذي ظل متعثرا خلال العقود الماضية ؟
والسؤال الثاني: هل قام البرلمان الموريتاني بغرفتيه وبغرفته الواحدة حاليا بالعمل التقليدي المعهود للبرلمان، كمراقبة العمل الحكومي وسن القوانين التي تخدم مسار التنمية ؟
السؤال الثالث : ما هي العوائق التي حالت دون أن يقوم البرلمان الموريتاني بمهامه على أكمل وجه ؟
هل المشكل يتعلق بالفقر في المصادر البشرية أم يتعلق بالقوانين نفسها المنظمة للبرلمان أم يتعلق بالحاضنة الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية التي تسود في البلد ؟
أم أن المسألة تتعلق بالحياة السياسية نفسها ووعي الانسان الموريتاني ونظرته لهذه الحياة ؟
أم يتعلق الأمر بأن وعينا بالديمقراطية والممارسة الحزبية ما زال محدودا في الواقع ؟
وما هي آفاق هذه التجربة في ظل التحولات التي يعرفها العالم وتأثيراتها المتسارعة على أوضاع موريتانيا داخليا وخارجيا ؟
هل نحن اليوم فعلا بعد مسيرة 32 سنة مؤهلين للتقدم في مسار الانتقال الديمقراطي أم علينا مراجعته شكلا ومضمونا، من حيث التركيبة السياسية التي تعتمد على الحياة الحزبية ومن حيث التجربة البرلمانية التي أصبح فيها البرلمان أحادي الغرفة ؟.
تلا ذلك كلمة، لنائب رئيس الجمعية الوطنية السيد أحمدو ولد أمباله، رحب فيها بالحضور، وأكد على أهمية هذه الندوة الوطنية العلمية، التي تهتم بدراسة التجربة البرلمانية في البلد، منذ بداية المسار الديمقراطي إلى اليوم، واعتبر هذه الندوة فرصة للجمعية الوطنية لفتح باب الشراكة مع الفاعلين من أبناء الوطن من قادة ومفكرين وخبراء، لتدارس معالم التجربة البرلمانية الوطنية، تشخيصا وقراءة واستشرافا للمستقبل، مضيفا أن هذه التجربة رغم ما مرت به من تحديات ومعوقات، إلا أنها لا تزال مستمرة ، وقد نجحت في رسم وجه للممارسة الديمقراطية في البلاد، رغم النواقص فإن المحافظة على هذه التجربة تعد مكسبا في حد ذاته. وفي الأخير تنمى لأشغال الندوة النجاح وأن تسلط الضوء على الاختلالات الموجودة لاستلهام الدروس واستشراف المستقبل.
ثانيا: مداخلات المحاضرين.
توزعت المحاضرات بين أربع جلسات علمية ، حيث ترأس الجلسة العلمية الأولى وأدار نقاشها الدكتور محمد المختار ولد مليل أستاذ القانون بجامعة نواكشوط، وقدم المحاضرة الأولى الدكتور سيدي محمد ولد سيدي أب أستاذ القانون الدستوري بنفس الجامعة، تحت عنوان: “التحديات التي واجهت تطور التجربة البرلمانية في موريتانيا”، وركزت محاضرته على مراحل تطور التجربة البرلمانية الموريتانية، التي افرزتها التجارب الدستورية المتعاقبة، والتي رأى، بأنها في كل مرة كان البرلمان يتعرض فيها لعدة أزمات وتحديات تسببت في بعض الأحيان إلى توقف هذه التجربة وفي بعضها الآخر إلى تعثرها، مشيرا إلى أن موريتانيا من البلدان التي شهدت تجربة برلمانية مهمة قبل الاستقلال، وهذه التجربة أقرها دستور 22 مارس 1959، معتبرا أن العلاقة في هذا الدستور التعددي، كانت متوازنة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وكانت هذه التجربة القصيرة، بإمكانها أن تشكل نواة لعمل برلماني ديمقراطي، إلا أن الاستقلال عاجلها وتم ألغاء الدستور الذي ينظمها، أما دستور 1961، فقد أبقى على التعددية الحزبية في بداية أمره، وأقام نظاما رئاسيا، لم تكن الحكومة فيه مسؤولة أمام البرلمان، وقد انحرفت هذه التجربة بعد التعديلات الدستورية لعام 1965، التي أقرت نظام الحزب الواحد، وبهذا الاجراء تم إيقاف الممارسة الديمقراطية، لكن وصول الجيش للسلطة عام 1978، انهى تلك التجربة بكل سلبياتها وإجابياتها.
أما التحول الديمقراطي الذي شهدته موريتانيا بعد إقرار دستور 20 يوليو 1991، فــاعتبر أنه جاء تحت ضغط عوامل خارجية، وبالتالي أفرز ديمقراطية تركز على المظاهر الشكلية للديمقراطية، دون انعكاس ذلك على الجوهر والمؤسسات، ومن أهم تلك العوامل الخارجية:
– اشتراط الدول الغربية وخاصة فرنسا، تبني التوجه الديمقراطي على الدول التي تسعى إلى الحصول على المساعدات.
ـ أما العوامل الداخلية : فتمثلت في العريضة الديمقراطية التي قدمتها الجبهة الديمقراطية من أجل الوحدة والتغيير سنة 1990، والتي طالبت فيها نظام ولد الطايع بتبني الخيار الديمقراطي.
مؤكدا على أن العامل الخارجي، كان هو الحاسم في انطلاق التجربة الديمقراطية الموريتانية، ولذا ولدت التجربة البرلمانية التي أقرها دستور 20 يوليو 1991، تعاني اختلالات جوهرية، نتيجة السياق الذي ولدت فيه.
حيث مرت هذه التجربة حتى الآن، بسبع ولايات تشريعية، عرفت الكثير من الأزمات الدستورية والسياسية، حيث تميزت الولاية التشريعية الأولى (1992 ـ 1996) وكذلك الولاية الثانية (1996 ـ 2001)، بهيمنة الحزب الجمهوري الديمقراطي الاجتماعي على البرلمان وخلوهما من تمثيل المعارضة السياسية، الذي هو ضروري للممارسة الديمقراطية التعددية، في حين تم اجهاض الولاية الثالثة (2001 ـ 2005) قبل انتهائها بانقلاب عسكري عام 2005، أما الولاية الرابعة (2006 ـ 2013)، فقد شهدت أزمة بين البرلمان والنظام، قبل الاطاحة بهذا الأخير بانقلاب عسكري 2008، وتعد أطول ولاية تشريعية لأنها استمرت لمدة 7 سنوات، وجرت الولاية التشريعية الخامسة (2013 ـ 2018) في ظل أزمة حادة بين النظام وما عرف بمنسقية المعارضة الديمقراطية، وقد شهدت هذه الولاية أزمة برلمانية داخلية وانقساما حادا، بسبب موافقة الجمعية الوطنية على مقترح تعديل الدستور عام 2017، ورفضه من طرف مجلس الشيوخ، حيث تم تمرير هذا التعديل لاحقا، والذي بموجبه تم إلغاء مجلس الشيوخ.
أما الوزير السابق السيد سيدي ولد أخليفه، الذي كانت مداخلته تحت عنوان”هل العلاقة القائمة بين السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية في موريتانيا تمكن البرلمان من مراقبة عمل الحكومة؟”، فقد تطرق لأهمية حصيلة 30 سنة، التي ترصدها الندوة لكونها غنية بالأحداث السياسية والقانونية، مشيرا إلى أن التجربة البرلمانية الموريتانية لا يمكن فصلها عن التجربة السياسية، ولذا فإن موضوع مراقبة البرلمان لعمل الحكومة، تحكمه ضوابط قانونية محددة وواضحة، ولكن لا يمكن تجاهل دور الإرادة السياسية للأطراف، ودور نخبة البلد السياسية.
وبخصوص الإطار القانوني خلص المحاضر إلى القول: إن المنظومة القانونية تتيح للبرلمان الرقابة على عمل الحكومة، مستعرضا مواد الدستور ذات الصلة، وهي: 42، 69، 72، 73، 74، و75، حيث تلزم هذه المواد الحكومة بالإجابة على أسئلة البرلمانيين، وتقديم إيضاحات بشأن نشاطها، كما تلزم الوزير الأول بعرض حصيلة عمل الحكومة للسنة المنصرمة، وكذلك عرض برنامجه للسنة المقبلة، بالإضافة إلى مسؤولية الحكومة أمام الجمعية الوطنية …
ورأى المحاضر أن النظام الداخلي للجمعية، الذي هو قانون دستوري حدد بدوره بعض الآليات، وذهب أبعد من ذلك، بنصه على إمكانية تشكيل لجان برلمانية للتحقيق، وكذلك إمكانية اتهام الحكومة ومثول أعضائها أمام محكمة العدل السامية .
أما بخصوص إرادة الفرقاء السياسيين، بشأن تحسين العمل البرلماني، قال بأنه سيركز على المأمورية الحالية، حيث تضمنت رسالة رئيس الجمهورية بتكليف الوزير الأول الإشارة إلى ضرورة احترام مبدأ الفصل بين السلطات، واحترام المؤسسة التشريعية والتعامل معها في ضوء الصلاحيات التي يسمح بها القانون، ومن جهته أكد على ذلك الوزير الأول في عرض إعلان السياسة العامة للحكومة، كما جاء خطاب رئيس الجمعية الوطنية موجها للنواب من أجل أن يقوم البرلمان بدوره كاملا .
وفي الأخير خلص المحاضر إلى أن مهمة المراقبة على عمل الحكومة تظل مهمة معقدة، في سياق المشهد السياسي الموريتاني، سواء تعلق الأمر بطبيعة وفعالية الفعل المعارض، الذي تجسده المعارضة، وكذلك الحال بالنسبة للموالاة وصعوبة تحقيق التوازن بين الدعم والنصح، وبالتالي فإنه يجب التركيز على الكفاءة والعمل على تعزيز قدرات البرلمانيين لتجاوز هذه العقبات.
أما المحاضرة الثالثة فقد قدمها الدكتور بون ولد باهي، أستاذ متعاون بجامعة نواكشوط، وجاءت تحت عنوان: “آفاق التجربة البرلمانية الموريتانية في ضوء التحولات الدولية الراهنة،”
وقد أشار إلى أن جذور الفكرة البرلمانية، ترتبط بثلاث سياقات: السياق الأول وتمثل في استحالة تطبيق الديمقراطية المباشرة، وظهور الديمقراطية النيابية. والسياق الثاني وارتبط بتراجع الحكم المطلق وسيادة حكم القانون، والسياق الثالث تمثل في تنامي الدور الممنوح للبرلمانات في الأنظمة السياسية الديمقراطية، لممارسة العديد من الوظائف، من قبيل التمثيل، التشريع، الرقابة ،تقييم السياسات العمومية ،والدبلوماسية البرلمانية.
وفي السياق الموريتاني، أشار إلى أن الممارسة البرلمانية، ظهرت بشكل تدرجي على ثلاثة مراحل: مرحلة الاستعمار المباشر، حيث سمح لموريتانيا بنائب في الجمعية الوطنية الفرنسية في الانتخابات التشريعية ما بين : 1946، 1951، 1956، وسمح لها بانتخاب جمعية إقليمية عام 1957 لتمثل بذلك أول نواة للبرلمان الموريتاني. أما مرحلة الحكم الذاتي، فقد شهدت البداية الفعلية لبناء المؤسسات الدستورية وولادة الدولة، بداية بالإعلان عن موريتانيا دولة متمتعة بالحكم الذاتي عام 1958، ومرورا بوضع أول دستور عام 1959، وانتخاب الجمعية الوطنية “البرلمان” وصولا إلى تعيين الحكومة في نفس العام .
في حين كان ينبغي أن تشهد هذه التجربة البرلمانية الموروثة عن الاستعمار الفرنسي تحسينات، إلا أن الاضطرابات الدستورية والسياسية التي عرفتها موريتانيا حالت دون ذلك، والتي كان من أبرز تأثيراتها إلغاء التعددية السياسية وفرض نظام الحزب الواحد عام 1965، لكن هذه التجربة ستنتهي بدخول البلاد فترة الحكم العسكري المباشر، الذي أجهز على ما تبقى من المؤسسات الدستورية، ومع بداية ما عرف بالمسلسل الديمقراطي عام 1991، وعودة الحياة الدستورية والتعددية السياسية، لم تشهد البلاد تناوبا سياسيا على السلطة، مع ذلك تعد هذه التجربة التي بدأت بنظام الغرفتين قبل اعتماد نظام الغرفة الواحدة عام 2017، أطول تجربة برلمانية وأكثرها استقرارا، حيث راكمت خبرات طورت من أداء العمل البرلماني، رغم الملاحظات على هذا الأداء بشكل عام.
وخصص المحاضر الجزء الأخير من المداخلة، للحديث عن التجربة البرلمانية الحالية في ضوء التحولات الدولية الراهنة، مشيرا إلى أن عالم اليوم يشهد العديد من التحولات، بحكم زيادة وتنوع الفاعلين فيه، وتشعب القضايا الدولية الراهنة، وعولمة العلاقات بين الدول، بالإضافة لما تشهده المنطقة المحيطة بموريتانيا من أحداث واضطرابات، كل ذلك يدعو للرفع من أداء عمل البرلمان عموما وخاصة على الصعيد الخارجي، إذ من الواضح أن التوجه الدولي العام للبرلمانات، هو تفعيل الدبلوماسية البرلمانية، بوصفها احدى الأدوات الحيوية للسياسة الخارجية للدولة من أجل:
• بناء جسور التقارب والسلام بين الأمم والشعوب؛
• تعزيز العلاقات بين الدول؛
• ايجاد الحلول للمشاكل الإقليمية والعالمية.
مضيفا بأن الأمم المحتدة اعترفت بأهمية دور البرلمانات على الصعيد الخارجي، حيث أصدرت جمعيتها العامة عام 2018 قرارا باعتماد يوم 30 يونيو، يوما عالميا للاحتفاء بالعمل البرلماني، وهو التاريخ الذي تأسس فيه الاتحاد البرلماني الدولي عام 1889.
وفي ختام مداخلته خلص المحاضر إلى مجموعة من الملاحظات، جاءت كما يلي:
1. أن التجربة البرلمانية الموريتانية التي أقرها دستور 1961، يمكن توصيفها بالتجربة المقيدة، لتغول السلطة التنفيذية على السلط الأخرى.
2. حصر مجال التشريع بالنسبة للسلطة التشريعية.
3. أن التجربة البرلمانية في ظل دستور 1991 رغم حصر مجال التشريع للبرلمان، واقرار مشاركة السلطة التنفيذية في الوظيفة التشريعية في بعض الحالات، إلا أنها تركت للبرلمان مجالا واسعا للقيام بدوره، في: التمثيل، التشريع، الرقابة، تقييم السياسات العمومية، وهذه المجالات إذا تم استغلالها بشكل جيد وتوفرت الإرادة السياسية التي تضمن استقلال البرلمان، فإنه يمكن أن يقوم بوظائفه المعهودة.
4. كما أن الصلاحيات التي منحها الدستور للبرلمان، تمكنه من القيام بدوره على الصعيد الخارجي، وخاصة فيما يعرف بالدبلوماسية البرلمانية.
وترأس الجلسة العلمية الثانية الدكتور سيدي محمد ولد سيد أب، وقدم المحاضرة الأولى فيها، المحامي الأستاذ سعيد مبارك التي كانت حول موضوع: “الإدارة البرلمانية كآلية لتجويد العمل البرلماني مقاربة تحليلية”.
حيث أكد المحاضر بأن البرلمان يحتل مكانة هامة في الدولة الحديثة، لما يمثله من تجسيد للإرادة الشعبية باعتبارها جوهر ومبتغى العملية الديمقراطية، فالبرلمان هو المؤسسة الأكثر ارتباطا بالمواطن، وانفتاحا عليه حيث تدور المناقشات داخله وتتنوع في مناخ تطبعه العلنية والشفافية، على الأقل إذا ما قورن بالسلطة التنفيذية، وحتى السلطة القضائية، على اعتبار أن الجلسات القضائية ممنوع بثها في الاعلام، في حين أن البرلمان يتوفر على قناة متخصصة لبث جلساته.
فالبرلمان يكاد يكون الهيئة الوحيدة التي تجمع بين ثلاثة وظائف فهو هيكل نيابي رقابي يعبر عن آراء المواطنين، وآلية لصياغة السياسات العامة، كما أنه من ناحية أخرى، آلية تشريعية تعد القوانين التي تنظم كافة شؤون الدولة والمجتمع؛ لكن هذه الوظائف تتوقف فعاليتها على مدى نجاعة الإدارة البرلمانية؛ باعتبارها الآلية الضابطة لتجويد عمله والمعبرة عن أدائه بمختلف مجالات تدخله.
وبحسب المحاضر فإن المتابع لأنشطة البرلمان الموريتاني وأدائه، يدرك مدى غياب الإدارة البرلمانية، رغم أنها مرتكز أساسي لفاعلية البرلمان، فالإدارة البرلمانية جزء من العمل الإداري بصورة عامة، لكنها سمة خاصة على فاعلية أعضاء الجمعية الوطنية، بوصفها المؤسسة التي يناط بها التشريع ومراقبة أداء الحكومات، فهي الآلية التي بوسعها تقديم المساعدة للبرلمانيين في عملهم وتأدية واجبهم، وهذا يتضح عكسه عند متابعة غياب التنسيق بين ما يخرج عن البرلمان ومدى احترام البرلمانيين لما يصدر عنهم.
وأشار المحاضر إلى أن أبرز سمات غياب الإدارة في البرلمان الموريتاني، هو تلك العيوب الشكلية التي تتجلى في عدم مراعاة وحدة شعار البرلمان نفسه، فتارة يتسمى بالجمعية الوطنية، وتارة يتسمى بالبرلمان الموريتاني، وهاتان التسميتان متمايزتان، فالبرلمان هو الإطار العام، والجمعية الوطنية جزء من هذا الإطار، ومن مساوئ غياب الإدارة البرلمانية عدم وجود جريدة رسمية للبرلمان ينشر فيها مداولاته، فما هو موجود كإدارة برلمانية لا يقدم أي خدمة للمواطنين مثل المعلومات والمداولات والمراسلات والمتابعات والتحقيقات وغيرها، وبهذا الغياب تغيب المعلومات الأساسية عن المواطنين .
مضيفا أن ما هو موجود كإدارة برلمانية، لا يساعد في تطوير كفاءة البرلمان ولا قربه كمؤسسة، ليكون في متناول متابعة المواطنين عامة والناخبين خاصة، حتى يتعرفوا على اهتمامات وآراء ممثليهم، بل إن غياب الإدارة البرلمانية أدى إلى أن كثيرا من النواب لا يعرفون في أي ولاية تشريعية.
وختم الباحث بملاحظة، أن البرلمان الموريتاني لا يتعاقد مع المستشارين القانونيين أو المحامين أو الخبراء الاقتصاديين، وهو ما انعكس على دور البرلمان في العديد من المجالات.
المحاضرة الثانية في هذه الجلسة، قدمها النائب البرلماني الأستاذ جمال ولد اليدالي، حول موضوع: “الحكامة البرلمانية”.
حيث اعتبر بأن مصطلح الحكامة بدأ تداوله منذ نهاية ثمانينات القرن الماضي أساسا في الحقل التنموي، واستخدم لأول مرة من طرف البنك الدولي سنة 1989، الذي اعتبر أن الحكامة: “هي أسلوب ممارسة السلطة في تدبير الموارد الاقتصادية للبلاد من أجل التنمية.” وأوضح أن الحكامة البرلمانية الراشدة تتجسد في مساهمة البرلمان في نشر وترسيخ الديمقراطية والشفافية، وانفتاحه على جميع أطياف المجتمع وقواه الحية، مع خضوعه المطلق لأحكام القانون، مبرزا أهم مميزات البرلمان الديمقراطي في النقاط التالية:
1- التمثيل الشامل لكافة شرائح وفئات الشعب دون تمييز أو إقصاء على أساس الجنس أو الدين أو اللغة أو العرق.
2- الشفافية والانفتاح والتفاعل مع كافة المواطنين وتنظيمات المجتمع المدني لتمكينهم من طرح مشاكلهم.
3- الخضوع لأحكام دولة القانون والأخلاقيات والقيم البرلمانية.
4- الفاعلية في الأداء، وبالذات في مجال الدبلوماسية البرلمانية.
5- توفير نظام للرقابة الداخلية وتقييم العمل البرلماني.
ولتطوير العمل البرلماني وتحقيق حكامة برلمانية ناجحة، اقترح المحاضر توفير مجموعة من الوسائل الإجرائية والمؤسسية منها ما هو سياسي ومنها ما هو فني.
أولا: الآليات السياسية وحددها فيما يلي:
1- وضع نظام انتخابي حر ونزيه يضمن ولوج جميع مكونات المجتمع للبرلمان.
2- وجود منظومة حزبية قوية وديمقراطية.
3- توفير مناخ يضمن حقوق القوى السياسية المختلفة موالاة ومعارضة داخل البرلمان.
ثانيا: الآليات الفنية، التي تشمل ما يلي:
1ـ تطوير العمل البرلماني.
2ـ تعزيز قدرات البرلمانيين.
3ـ تعزيز قدرات الجهاز الإداري والمؤسسي للبرلمان.
وترأس الجلسة العلمية الثالثة، الدكتور جمال ولد اليدالي نائب برلماني، وقدم المداخلة الأولى في هذه الجلسة، الدكتور الصوفي ولد الشيباني تحت عنوان: “الرقابة البرلمانية على أداء الحكومة من خلال لجان التحقيق البرلمانية،”.
حيث أستعرض الأساس القانوني لآلية الرقابة على أداء الحكومة، وفقا لمقتضيات الاستقلالية البرلمانية، التي تضمن له التحقيق ورقابة الميزانية، فالمادة: 123، من النظام الداخلي للبرلمان، تسمح بتشكيل لجان التحقيق بهدف جمع المعلومات والتحقق من الوقائع، وهذه اللجان كان تشكيلها من قبل البرلمانات السابقة سهلا بالمقارنة مع البرلمان الحالي، حيث كانت في السابق يقدم طلب تشكيلها إلى الجمعية الوطنية للمصادقة عليه، ويجري التصويت عليها بصورة سرية، مضيفا أن ذلك لم يمنع من وجود فراغات ونواقص تتعلق بتمكين هذه اللجان من تأدية مهامها، ومن تلك النواقص مثلا:
1. أن القانون لا ينص على حق اللجان في استجلاب الأشخاص المعنيين بالتحقيق معهم في حالة امتناعهم عن الحضور.
2. عدم نص النظام الداخلي على عقوبات على الأشخاص الذين لا يتعاونون مع لجان التحقيق البرلمانية.
3. أن النظام الداخلي للبرلمان لا يسمح لنواب المعارضة بترأس لجان التحقيق، بخلاف وضعيات هذه اللجان في دول أخرى، مثل تونس، التي تترأس فيها المعارضة لجان التحقيق.
وبحسب المحاضر فقد نجم عن هذه النواقص، هيمنة الأغلبية البرلمانية التابعة للحكومة، وتقزيم دور المعارضة في الرقابة على عمل الحكومات، كل ذلك جعل النائب الموريتاني لا يمكن أن يقوم بدوره الرقابي على الحكومة، طالما أنه يعتبر نفسه امتدادا لها، وللحكومة عليه منة في وجوده في قبة البرلمان.
فهذه العلاقة الملتبسة بين أعضاء البرلمان وأعضاء الحكومة، قلصت من دور البرلمانيين وجعلت هامش رقابتهم في الوقت الحالي على الحكومة معدومة، لأن الحركة النشطة للجان التحقيق البرلمانية مرهونة باستقلاليتها عن الجهاز الحكومي .
وأضاف المحاضر، رغم هذه النواقص تشكلت لجان تحقيق برلمانية: اثنتان منها من طرف مجلس الشيوخ قبل إلغاءه، للتحقيق في شبهات فساد واستغلال نفوذ وجمع أموال بصورة غير شرعية، وهذه اللجان تشكلت في ظروف صراع داخل السلطة آنذاك، ولم يكن تشكيلها موضع اتفاق من جميع أعضاء مجلس الشيوخ، وقد شابت أعمال هذه اللجان بعض النواقص الناتجة عن استخدام القوة من قبل السلطة التنفيذية، وتوقف التحقيق في النهاية قبل وصوله إلى النتائج المتوخاة، كما شكلت لجنتان على مستوى الجمعية الوطنية في عام 2017، وعام 2020، فكانت اللجنة الأولى، للتحقيق في البرنامج الاستعجالي الذي اتهم فيه وزير أول سابق، ولم تكمل هذه اللجنة عملها، وفي عام 2020 شكلت لجنة للتحقيق في تسيير ما أصبح يعرف بملفات العشرية، والأصل في تشكيل هذه اللجنة، كان بطلب من نواب المعارضة إلى جانب نائبين من الأغلبية في البداية، إلا أن هذه اللجنة لم تلق تجاوبا من رئاسة البرلمان آنذاك، قبل بدأ الخلاف داخل أطراف النظام حول مرجعية الحزب، وقد حصلت هذه اللجنة على إجماع النواب، ثم توسعت في تحقيقها بفتح ملفات عديدة أخرى، وفي الأخير أعدت اللجنة تقريرا صادقت عليه الجمعية الوطنية بالإجماع، وطلبت من القضاء التحقيق في تلك الخروقات القانونية المتعلقة بتسيير المرافق العمومية .
مؤكدا أن الإطار القانوني جيد، مع الإشارة إلى وجود بعض النواقص، التي قد تحد من عمل لجان التحقيق البرلمانية، وأن تلك التحقيقات جرت في خضم الصراع داخل أجنحة النظام الحاكم، ومن غير المناسب أن تكون لجان التحقيق البرلمانية مرهونة بالتجاذب السياسي داخل أجنحة النظام وتهيمن على تشكيلها الأغلبية الحاكمة، كما أن عدم المحاسبة السياسية للمتهمين بسوء التسيير واعفائهم من المسؤوليات العمومية، أمر يقتل الثقة في اللجان، طالما أن عملها شمل موظفين سامين، منهم رئيس سابق للجمهورية ووزراء، وأصحاب مناصب حساسة، وهناك أمر آخر يحد من فاعلية هذه اللجان وهو اصطفاف أقارب وأنصار المتهمين دفاعا عنهم، في مواجهة عمل اللجان.
أما الاستاذ سيدي أحمد ولد صالح المحاضر الثاني في هذه الجلسة، فكانت محاضرته، بعنوان: “الدور التشريعي للبرلمان في الجمهورية الاسلامية الموريتانية،”.
حيث اعتبر أن التشريع يعد اختصاصا أصيلا للبرلمان، بل هو أهم اختصاصاته على الإطلاق، ولهذا فالمادة 4 من دستور 20 يوليو 1991، جعلته التعبير الأعلى عن إرادة الشعب، إذ يتعلق الأمر بتلك القواعد الملزمة التي تحدد السلوك العام للأفراد في الدولة وفي المجتمع، كما نصت “المادة 46” على ما يلي:
“يمارس البرلمان السلطة التشريعية”، وذلك باعتباره ممثلا للشعب، مصدر كل سلطة وصاحب السيادة التي يمارسها نيابة عنه “المادة 2″، ونصت “المادة 56” على أن: “إقرار القانون من اختصاص البرلمان.” غير أن هذا الاختصاص الأصيل والمكرس دستوريا ليس حكرا على البرلمان، بل إن الدستور على غرار دستور 1958 في فرنسا، قد منح السلطة التنفيذية هيمنة واضحة على التشريع، بحيث غدت هي المشرع الفعلي بدل البرلمان.
لقد حدد الدستور مجال الاختصاص التشريعي للبرلمان على سبيل التعداد والحصر في المادة 57 من الدستور، بينما أورد مجال الاختصاص التشريعي للسلطة التنظيمية في المادة 59 من الدستور بدون حصر بحيث جعله يتناول كل المواد الخارجة عن مجال القانون، وهي الأكثر بالطبع، وتتضح هيمنة السلطة التنفيذية على التشريع، من خلال تحكمها في كل مراحل المسطرة المتعلقة بالتشريع الذي يختص به البرلمان.
ففي مرحلة الإعداد، نجد مبادرة القوانين من اختصاص الحكومة وأعضاء البرلمان، ويتم تداول مشاريع القوانين في مجلس الوزراء، وتحال إلى الجمعية الوطنية “المادة 61″، والمبادرة هي التي ترسم أسس التشريع وتحدد موضوعه ومضمونه، وبعض النصوص حق المبادرة فيها حصريا للحكومة مثل قانون المالية، فالحق في الاقتراح أو المبادرة حق مشترك، لكن ممارسة هذا الحق غير متساوية، وذلك نظرا لأن البرلمان ليس سيد جدول أعماله “المادة 69″، وهذا ما يجعل المبادرة البرلمانية شبه معدومة لاشتراط قبول الحكومة لاقتراحات القوانين، حتى تقدم لمؤتمر الرؤساء من أجل البرمجة “المادة 109 من النظام الداخلي تحدد للحكومة أجل 15 يوما لإبداء رأيها حول مقترحات القوانين” .
أما مرحلة المناقشة والتصويت، يسمح بحضور الوزراء جلسات الجمعية الوطنية، ولهم الحق في التدخل إذا طلبوه والاستعانة بمفوضين للحكومة “المادة 54 من الدستور”. ونصت “المادة 62” على أن للحكومة وأعضاء البرلمان حق التعديل، غير أن نفس المادة تقيد حق التعديل الممنوح لأعضاء البرلمان، خصوصا فيما يتعلق بقانون المالية، وقيدت “المادة 65” حق التعديل الممنوح لأعضاء البرلمان في فقرتها الأولى، وفيما يتعلق بالتصويت، تتحكم الحكومة في التصويت وبإمكانها الوقوف في وجه التعديلات غير المقدمة أو المقبولة من طرفها، كما يمكنها أن تمرر نصا حتى بدون تصويت النواب عليه “المادة 75 جديدة من الدستور”.
وأضاف المحاضر أنه حتى في مرحلة الإصدار والنشر، فهي من اختصاص رئيس الجمهورية، حيث يمتلك حق الاعتراض على النص الذي صادق عليه البرلمان، من خلال إحالته لقراءة ثانية “المادة 70 من الدستور”.
كما أن بعض القوانين تحيل أحكامها إلى مراسيم تطبيقية، تصدر لاحقا من طرف الجهاز التنفيذي، وهذا يعطي للحكومة صلاحية التحكم، في نفاذ بعض النصوص التي يصادق عليها البرلمان، كما أن هناك إمكانية للتشريع بأوامر قانونية في ظل وجود البرلمان، وتقضي هذه الأوامر القانونية باتخاذ الحكومة لإجراءات تدخل في صميم مجال القانون، وهو ما يسمى بقوانين التأهيل والتصديق “المادة 60 من الدستور”، كما يمكن أيضا المصادقة على قانون المالية بأمر قانوني صادر عن رئيس الجمهورية، إذا لم يصادق عليها البرلمان خلال أجل معين أو إذا لم يصوت عليها بالموازنة “المادة 68 من الدستور”، بالإضافة إلى ما يسمى التشريع بالضرورة، في حالة الأحكام العرفية وحالة الطوارئ التي يتمتع فيها رئيس الجمهورية بسلطات استثنائية من بينها التشريع بأوامر قانونية، وهناك أيضا صلاحية رئيس الجمهورية في استشارة الشعب صاحب السيادة عن طريق الاستفتاء .
وأضاف المحاضر، أن هذه الصلاحيات الدستورية المحدودة للبرلمان في مجال التشريع، لم تمنعه من المصادقة على 675 قانونا “منذ سنة 2007 حتى اليوم”، من ضمنها 55 قانونا للمالية، ما بين قانون مالية أصلي، قانون معدل، وقانون تسوية، و314 قانونا يسمح لرئيس الجمهورية بالمصادقة على اتفاقيات، معاهدات، مواثيق دولية وإقليمية، اتفاقيات ثنائية مع دول أو صناديق قرض، أو اتفاقيات مع أطراف داخلية مثل البرامج التعاقدية مع بعض المؤسسات الوطنية، ومن بينها أيضا 44 قانونا ما بين قانون تأهيل وتصديق، ومن بينها 109 قوانين أدخلت عليها تعديلات، أي ما يمثل نسبة 8،46% من النصوص التي يمكن تعديلها.
الجدير بالذكر أن من ضمن هذه القوانين نصان فقط أصلهما اقتراح قانون، هناك اقتراحات تبنتها الحكومة وأصبحت مشاريع قوانين، ويرجع المحاضر أسباب ضعف نسبة مقترحات القوانين من البرلمان، إلى غياب المصادر البشرية القادرة على تقديم المشورة الفنية المطلوبة للنواب في المجالات المختلفة.
من ناحيته ركز المحامي الدكتور محمد المختار ولد بلاتي أستاذ متعاون بجامعة نواكشوط، في محاضرته التي كانت بعنوان: “دور البرلمان في تعزيز حقوق الانسان والحريات العامة في موريتانيا”، وهي المحاضرة الثالثة في هذه الجلسة.
على أن البرلمان يعتبر ممثلا للإرادة الشعبية، ولهذا هو المسؤول عن حماية وتعزيز الحريات العامة وحقوق الإنسان، وإذا كانت الوظيفة التشريعية، تسمح للبرلمان بسن القوانين التي تحمي الحريات، وتجريم السلوك المنافي لحقوق الإنسان، فإن الوظيفة الرقابية تسمح للمؤسسة التشريعية بالمساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان، وإثارة قضيتها بشكل دوري، كلما سمحت الفرصة بذلك.
وقد أصدر البرلمان الموريتاني، حتى الآن العديد من التشريعات الداعمة للحريات العامة وحقوق الإنسان، مثل قانون تجريم الرق، وقانون تجريم التعذيب، وقانون تجريم التمييز، كما أن البرلمان، يمارس اختصاصات مهمة في الفترات الاستثنائية مثل حالة الطوارئ، التي لا يمكن تمديدها إلا من طرف البرلمان، الذي يحدد أيضا اختصاصات رئيس الجمهورية أثناء الطوارئ.
غير أن البرلمان الموريتاني، يبقى دوره محدودا بسبب ضعف المبادرة التشريعية، وتعقيدات المشهد الانتخابي الذي يسمح بانتخاب غير السياسيين والمثقفين لعضوية البرلمان،
كما أن البرلمان، يتعايش مع مجموعة من النصوص القديمة التي تنظم الحريات، ولكنها صدرت في فترات استثنائية عسكرية، مما يجعل تطبيقها مضرا بالحريات العامة، بسبب عدم دقة هذه النصوص وانحيازها لتكريس السلطة على حساب الحرية.
أما الجلسة الرابعة فترأسها الدكتور سيدي محمد ولد سيدي، وكانت محاضرتها الأولى مع الدكتور محمد الامين ولد داهي أستاذ القانون بجامعة نواكشوط، حول موضوع: “العلاقة بين تطور الحياة الدستورية والحياة البرلمانية في موريتانيا”.
وقد أكد في بدايتها على أن موريتانيا المستقلة، تميز تاريخ النظام الجمهوري فيها بإصدار دستوريين: دستور 20 مايو 1961 ودستور 20 يوليو 1991، الذي اعتبر أنه أسس للجمهورية الثانية، وعلى صعيد الممارسة المؤسسية، شهد دستور الجمهورية الثانية بعض التغييرات، حيث خضع لثلاث مراجعات، أعوام: 2006، 2012، و2017، أدت هذه التعديلات الدستورية التي قيم بها خلال العقود الأخيرة، عن تطور واضح في القاعدة الدستورية الموريتانية على مستوى السلطتين التنفيذية والتشريعية والعلاقة بينهما، مما عزز أداء النظام الديمقراطي الموريتاني ،وهو ما تجسد في احترام الدستور فيما يتعلق بالمواد المحصنة لمأمورية رئيس الجمهورية، وكرس التناوب السلمي على السلطة عام 2019، وهو ما تجلى في تعزيز القيم القانونية مع بقاء هيمنة السلطة التنفيذية وخاصة مؤسسة الرئاسة، التي هي محور السلطة التنفيذية في النظام السياسي الموريتاني.
لما يتمتع به رئيس الجمهورية، من صلاحيات واسعة، بوصفه الضامن للدستور وحسن سير المؤسسات واستمرارية الخدمات العامة، إلى جانب ذلك تتمتع السلطة التنفيذية بصلاحيات تنظيمية واسعة تمتد إلى جميع المجالات بما في ذلك التشريع، فعلى سبيل المثال لا الحصر، رئيس الجمهورية يعين ويقيل الوزير الأول وحكومته، ويترأس اجتماعات مجلس الوزراء، وله الحق في أن يفوض بعض صلاحياته للوزير الأول أو لبعض وزرائه، مثل إصدار المراسيم ذات الطبيعة التنظيمية، وفي المجالات التشريعية، وإلى جانب ذلك كله، يتمتع رئيس الجمهورية بصلاحيات أخرى لا تقل أهمية، مثل حق تعديل الدستور، واقتراح مشاريع القوانين، وحل الجمعية الوطنية، وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويعين في المناصب المدنية والعسكرية، ويحدد السياسة الخارجية وسياسة الدفاع والأمن للبلاد ويضمن تنفيذها، كما له صلاحيات واسعة تشريعية وغيرها في حالة الظروف الاستثنائية.
وبحسب المحاضر فإن التطورات القانونية والسياسية، أدت إلى نشوء هيكل مؤسسي تهيمن فيه السلطة التنفيذية على السلطة التشريعية، يتمتع فيه الرئيس بنفوذ قوي، بل ويتمتع بأغلب الصلاحيات، مما أخل بالتوازن بين السلطتين، التنفيذية والتشريعية، وقد زاد من إضعاف الممارسة التشريعية ما يلي:
1. إلغاء مجلس الشيوخ الموريتاني بموجب التعديل الدستوري عام 2017.
2. الزيادة الهائلة في عدد النواب.
ذلك أن الدستور الموريتاني للجمهورية الثانية الصادر في 20 يوليو 1991، أقام إطارًا مؤسسياً ملائمًا للتمثيل السياسي الوطني من خلال برلمان من غرفتين: الجمعية الوطنية، ومجلس الشيوخ، فوجود المجلس الثاني يمنع دكتاتورية المجلس الواحد، وهذه الثنائية هي المعمول بها في النماذج الديمقراطية الرئيسية في العالم، وخاصة أقدمها، مثل : الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وكندا وبريطانيا العظمى وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وبلجيكا وسويسرا وروسيا واليابان وغيرهم، لأن النظام الثنائي في نظر مونتسكيو شرطًا أساسياً لتوازن السلطات، بحسب قوله “السلطة توقف السلطة”، إلا أن هذه الثنائية تم انهاؤها عام 2017.
ويرى المحاضر أن هذه الاختلالات ظهرت بوادرها، منذ بداية الجمهورية الثانية، حيث أصبح البرلمان غرفة للتسجيل، وفقا لرغبات السلطة التنفيذية، مما أدى إلى تراجع مبدأ العقلنة البرلمانية عن الممارسة التشريعية، وهو ما طرح مسألة ترقية دور البرلمان مراراً وتكراراً في ظل الجمهورية الثانية، لأن آليات العقلنة البرلمانية التي تم وضعها عام 1991، إلى جانب انتخاب رئيس الجمهورية بالاقتراع العام المباشر، حجّمت إلى حد كبير من دور البرلمان، جراء سيطرة الحكومة على اقتراح القوانين.
وذكر المحاضر في هذا السياق، أنه منذ بداية الولاية الرئاسية لعام 2019، لوحظ من جانب السلطة التنفيذية إشارات قوية لضمان احترام الفصل بين السلطات، مع ضرورة تقديم الدعم اللازم للبرلمان حتى يتمكن من القيام بدوره على أكمل وجه، مشيرا إلى أن هذه الملاحظات التي تم إبداؤها على هذا المستوى، تسمح لنا بتحديد أوجه القصور بمختلف أنواعه، بما في ذلك عدم كفاية موارد الميزانية وضعف القدرة الفنية للهيئات البرلمانية.
وبخصوص المراجعات الدستورية التي أجريت لدستور 1991، رأى أن بعضها ليس إلا استمرارا للماضي، وبعضها الآخر أثر على المضامين الدستورية بشكل كبير، من خلال:
1- مبدأ الحفاظ على كرامة الإنسان
2- مبدأ الأمن القانوني.
3- مبدأ المسؤولية البيئية في المراجعة الدستورية لعام 2012 .
وخلص المحاضر إلى ضرورة القيام بإصلاحات دستورية، تضمن تحقيق التوازن بين السلطات، فضلا عن تعزيز الممارسة البرلمانية.
المحاضرة الثانية من الجلسة الرابعة، قدمها الخبير الدولي جا آمادو تحت عنوان: “دور الجمعية الوطنية 1992-2024”.
وبحسب الخبير، فقد تم إلغاء دستور موريتانيا منذ 10 يوليو 1978، ولم تعتمد دستورا جديدا إلا في 20 يوليو 1991، وهو الدستور الذي أعلن رسميا، تمسك الشعب الموريتاني بمبادئ الديمقراطية، ومن مضامين هذا الدستور:
1- إقامة سلطة تنفيذية ثنائية الرأس، من رئيس الجمهورية واسع الصلاحيات، ووزير أول، ينسق عمل الحكومة.
2- يعترف بمساهمة الأحزاب والجماعات السياسية في التعبير عن الإرادة السياسية.
والجدير بالملاحظة أن هذا الدستور عرف بعض التعديلات، ومن تلك التعديلات العديدة التي شهدها:
3- تحويل البرلمان من نظام الغرفتين إلى نظام الغرفة الواحدة، يتم انتخاب أعضائها بالاقتراع العام المباشر.
سمحت الانتخابات التي أعقبت اعتماد هذا الدستور لموريتانيا ببدء مرحلة الانتقال الديمقراطي، حيث سمح بتعددية سياسية ووجود برلمان، مر على وجوده خمس إنتدابات تشريعية على التوالي، واستمرت كل منها لمدة خمس سنوات باستثناء فترة الانتداب الثالثة، بسبب انقلاب أغسطس 2005 الذي حل البرلمان.
وكما هو منصوص عليه في الدستور المعدل، فإن مهمة البرلمان الأساسية هي تمثيل الشعب الموريتاني بكل تنوعه السياسي والاجتماعي والثقافي، ويمكن لرئيس الجمهورية حله وفقا للدستور، ومن خلال تجربة العقود الماضية، يتضح إن “حزب السلطة” ظل مهيمنا على البرلمان.
وقد جاءت الاصلاحات الدستورية لعام 2012 و2017، بإجراءات جديدة، كإلغاء مجلس الشيوخ، وزيادة مدة الدورات البرلمانية، بتمديدها من شهرين إلى 4 أشهر، ويفرض الدستور على الوزير الأول، أن يقدم برنامجه أمام البرلمان بعد شهر من تعيين حكومته على أبعد تقدير وتحمل الأخير مسؤولية البرنامج المذكور.
وذكر المحاضر بأن البرلمان الموريتاني بعد عام 2017 ، أضحى يتكون من غرفة تمثيلية واحدة: الجمعية الوطنية، ويحمل أعضاء هذه المؤسسة اسم النواب، ولهذه الغرفة وظيفة مزدوجة: وظيفة تشريعية، تتمثل في التصويت على القوانيين، ووظيفة رقابية على السلطة التنفيذية، ويخضع البرلمان في ممارسة مهامه لمجموعة من النصوص الأساسية وهي: الدستور، النصوص التشريعية، وأخيرا اللوائح التي تعتمدها الجمعية بنفسها، وهي بشكل عام نصوص جيدة، لكن هناك عقبات يجب التغلب عليها، منها:
• اختلال التوازن بين السلطات:
حيث يتأثر عمل المؤسسة بطبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، لأن السلطة التنفيذية تحتل موقعا مرجحا بالنسبة للبرلمان الموريتاني، على الرغم من أن مبدأ الفصل بين السلطات تم إقراره على وجه التحديد لضمان توازنهما، ذلك أن الحكومة، التي تتمتع بأغلبية سياسية، ترى أن موقفها قوي من خلال سيطرتها على أغلبية النواب في مواجهة نواب المعارضة، ويترتب على ذلك أن القوانين التي يتم إقرارها من طرف الجمعية الوطنية تكون محل استياء دائما من نواب المعارضة، وهذا ما يتعارض مع روح الديمقراطية، الأمر الذي يجعل من الجمعية الوطنية غرفة للتسجيل فقط.
• تحسين مستوى التأهيل الفني والمعرفي للنواب:
ضعف المستوى المعرفي والفني للنواب يطرح مشاكل، بخصوص جودة المستندات التي ينتجها النواب والقوانين التي يعتمدونها والتي يمكن من خلالها اكتشاف الأخطاء النحوية والإملائية والأسلوبية، فضلا عن ضرورة تحسين السلوك، لما يلاحظ من قلة الحضور وعدم الالتزام بالمواعيد والتغيب والإهمال وعدم الرغبة في تقديم الأفضل دائمًا، ولكن يمكن تحسين ذلك من خلال بذل الجهود لرفع مستوى الوعي للمجموعات البرلمانية.
• كثرة الموظفين وعدم تأهيلهم:
يبلغ عدد عمال الجمعية الوطنية حاليا حوالي 275 موظفا ما بين وكيل إداريٍ ومدير تنفيذي، لكن القليل من بين هؤلاء من هو القادر على العمل فعليا، لغياب التأهيل الفني والمعرفي، مما جعل الجمعية الوطنية تطلق برنامجا لإجراء تدقيق تنظيمي ومعرفي لهؤلاء العمال، ولمعرفة الاحتياجات الحقيقية من الموظفين للجمعية الوطنية، عبر تقديم توصيف وظيفي لكل العاملين بها حاليا، ودراسة ملفاتهم الشخصية، للاحتفاظ بالموظفين المفيدين والمؤهلين فعليا للعمل، والقادرين على أداء وظائفهم.
و خلص المحاضر في نهاية مداخلته إلى مجموعة من النتائج، كالتالي:
1- أن دستور 1991 مكن موريتانيا من بناء مؤسسات دستورية تشكل رافعة نحو تأسيس الممارسة الديمقراطية الحقيقية.
2- أن الأدوات القانونية التي أعطيت للجمعية الوطنية للقيام بمهام الرقابة، تجعل منها مؤسسة لخلق نوع من التوازن بين السلطات.
3- أن الجمعية الوطنية، قامت بالمصادقة على الكثير من القوانين وإجراء التعديل على بعضها، خاصة في الدورة الحالية.
4- لقد قامت الجمعية الوطنية، بدور كبير في مراقبة العمل الحكومي، من خلال اللجان، والأسئلة الشفهية والمكتوبة، والاستجوابات.
5- وفي إطار الدبلوماسية البرلمانية، قامت الجمعية بقيادة رئيسها بتنويع وتطوير علاقتها مع المؤسسات والمنظمات في الدول الشقيقة والصديقة.
6- كما قامت بإعادة تنظيم أنشطتها، وشجعت التعبير عن كافة الحساسيات داخلها، مع طلب أعضائها ضرورة التحلي بالمسؤولية خلال القيام بمهامهم.
وفي الختام اعتبر المحاضر، أن الجمعية الوطنية كان يمكن أن تقدم أداء أفضل لو امتلكت الإرادة والوسائل لذلك، ولتلافي العجز في أداء الجمعية الوطنية، ينبغي العمل على:
– ضمان تأهيل أعضائها وموظفيها من خلال التدريب على أن يكون منتظما ومتخصصا.
– تجهيز نفسها بموظفين أكثر كفاءة.
– تعزيز قدرات البرلمانيين وتزويدهم بخبراء يساعدونهم في أداء عملهم.
– إعادة تنظيم البنية الإدارية للبرلمان، وتأهليها.
– تعزيز مراقبة عمل الحكومة من خلال الاستخدام الأفضل للوسائل المتاحة للجمعية الوطنية.
– البحث عن الحصول على موارد مالية أكبر، تمكنها من القيام بعملها.
ثالثا: أسئلة وتفاعل الحضور .
وقد ركزت أسئلة ومداخلات الحضور، على تقييم التجربة الديمقراطية الموريتانية بشكل عام والتجربة البرلمانية بشكل خاص، والتي توزعت على الموضوعات التالية:
1. إجماع أغلبية المتدخلين على تعثر مسار الانتقال الديمقراطي في موريتانيا، ومدى تأثيره على التجربة البرلمانية.
2. إجماع الحضور على ضعف أداء البرلمان، ومحدودية حصيلته خلال العقود الماضية، رغم ما راكم من تجارب، مع الاعتراف أن ذلك راجع إلى:
• انعكاس تعثر تجربة الانتقال الديمقراطي بصفة عامة على عمل البرلمان.
• ضعف المصادر البشرية
• ضعف الموارد المالية
• كثرة القيود القانونية على عمل البرلمان.
3. اختلال التوازن بين السلطات، لصالح السلطة التنفيذية على حساب السلطة التشريعية، ويتجلى ذلك في:
• هيمنة السلطة التنفيذية على مجال التشريع، وحقها في المبادرة بسنّ القوانين وصياغتها .
• تحكم الحكومة في جدول أعمال البرلمان، بخصوص برمجة نقاش القوانين وإصدارها.
• تحكم الحكومة في مصادر تمويل الجمعية الوطنية.
4. القيود القانونية على عمل البرلمان، وذلك من خلال:
• القيود القانونية على حق تشكيل لجان التحقيق البرلمانية .
• القيود القانونية على حق البرلمانيين في طرح أسئلة شفوية وكتابية على الحكومة.
• ضعف تجاوب الحكومة مع البرلمانيين في إعطاء المعلومات.
5. ضعف أداء البرلمان في رقابة العمل الحكومي، ويتجلى ذلك من خلال:
• حجم الفساد في موريتانيا واستمرار توسعه.
• ضعف قدرة البرلمان على مراقبة تسيير الثروات الوطنية، وخير مثال على ذلك: عدم قدرته على مراقبة، تسيير الثروة السمكية والثروة المعدنية.
• مصادقته على اتفاقيات مجحفة في حق الشعب الموريتاني.
6. ضعف الهيكل التنظيمي للجمعية الوطنية، مما ينعكس على أدائها داخليا وخارجيا.
7. غياب إعلام برلماني فعال، كالمواقع الإخبارية والنشريات المنتظمة، رغم وجود قناة برلمانية.
8. غياب جريدة رسمية تصدر باسم البرلمان، تتضمن كل القوانين التي يصادق عليها على غرار ما هو حاصل في البرلمانات العالمية.
9. غياب التكوين وتعزيز القدرات سواء لأعضائه أو موظفيه، مما ينعكس على أداء البرلمانيين وعلى الموظفين، الذين يقومون بتسيير أجهزة البرلمان.
10. ضعف الدبلوماسية البرلمانية، والتي أصبحت من ضمن أدوات القوة الناعمة في العالم.
11. غياب فرق الخبراء المتخصصين ومراكز البحث والتفكير، المؤهلة لتعزيز عمل البرلمان .
12. ضعف القوة الاقتراحية لدى البرلمان الموريتاني من خلال تجربة العقود الماضية ، مما أثر على دوره في ترشيد العمل الحكومي.
13. ملاحظة كثرة عدد البرلمانيين الموريتانيين، أي “167” نائب، نسبة إلى عدد سكان البلاد، الذي لا يتجاوز حوالي 5 ملايين، مقارنة مع ما هو موجود في العالم.
14. ضعف الحكامة البرلمانية، ويتضح ذلك من خلال:
• ضعف أداء الهياكل التنظيمية للجمعية.
• ضعف أداء البرلمانين .
• غيابهم عن الجلسات البرلمانية .
• عدم وجود تقارير سنوية لمتابعة وتقييم عمل البرلمان.
وفي الخلاصة أظهرت مداخلات أغلب الحضور تشاؤما بمستقبل العمل البرلماني في موريتانيا، نتيجة ضعف الحياة السياسية في البلاد، وتعثر مسار الانتقال الديمقراطي.
رابعا: التوصيات الختامية .
أوصى المشاركون في الندوة بما يلي:
1. اشتراط مستوى تعليمي مقبول : بالنسبة للمترشحين لعضوية البرلمان، وهذا المستوى يجب أن لا يقل عن شهادة اللسانس في أي اختصاص، لأن تعقيدات العمل التشريعي، تتطلب مستوى من الفهم والادراك للحياة العامة .
2. إعادة تحديث الهيكل التنظيمي للجمعية الوطنية: من أجل توضيح الصلاحيات والمهام.
3. تحسين تأهيل المصادر البشرية : عبر إقامة برامج تدريبية دورية متخصصة للنواب والموظفين في الجهاز الوظيفي للجمعية الوطنية لتعزيز المهارات الفنية والإدارية للمصادر البشرية.
4. إحياء المبادرة التشريعية البرلمانية : لتفعيل دور البرلمان في مجال اختصاصه، إذ ليس معقولا ، أن تبقى الحكومة هي مصدر جميع المبادرات التشريعية، والبرلمان مجرد غرفة تسجيل، فمن المهم أن يبادر البرلمانيون بمقترحات قانونية في الميادين الحيوية لحماية مصالح البلاد.
5. تعديل القوانيين والتشريعات، التي صدرت في الفترات الماضية، حتى تتواءم مع المقتضيات الدستورية المتعلقة بحقوق الانسان .
6. تفعيل دور البرلمان في مراقبة العمل الحكومي، من خلال:
• مراقبة تنفيذ الميزانية.
• استمرار طرح الأسئلة الشفوية والكتابية على أعضاء الحكومة في مجال اختصاصاتهم.
• متابعة وتقييم السياسات العمومية سنويا بصفة عامة.
7. تعزيز التعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، من خلال:
• تنظيم لقاءات منتظمة بين البرلمان والحكومة، لضمان تنسيق السياسات وتبادل الآراء حول القضايا الحيوية.
7- اعتماد فرق من الخبراء : متخصصة في كافة المجالات، من أجل دعم عمل البرلمان ولتحرير مشاريع ومقترحات النصوص القانونية بشكل دقيق، ، إذ يشترط القضاء الدولي أن يكون القانون دقيقا ومحدد المعاني، من أجل أن يكون مؤهلا للتطبيق على حريات الافراد.
8. تنظيم البرلمان لندوات وأيام دراسية، تشرح دوره بشكل عام وفي مجال تعزيز الحريات العامة وحقوق الانسان بشكل خاص.
9. تعزيز الشفافية والمساءلة داخل البرلمان، من خلال : تطبيق نظام شفاف للإفصاح عن الذمة المالية للنواب، بما في ذلك مصادر التمويل والنفقات.
10. تحسين بيئة العمل التشريعي، من خلال:
• تحديث البنية التحتية للبرلمان وتوفير المرافق الحديثة التي تسهم في الأداء الفعال.
11. تفعيل دور اللجان البرلمانية، عبر رفع القيود القانونية التي تقيد عمل تشكيل اللجان، من خلال:
• تعزيز دور اللجان البرلمانية المتخصصة .
• تنظيم جلسات منتظمة واستغلال خبرات الأعضاء في مجالاتهم.
12. تعزيز التشاور بين البرلمانيين ومنظمات المجتمع المدني، عبر استحداث قنوات تواصل فعالة بين البرلمان ومختلف تشكيلات المجتمع المدني وكل الفاعلين في الحياة العامة، لتبادل الآراء والمقترحات.
13. تفعيل الدبلوماسية البرلمانية، عبر تكثيف تبادل الخبرات مع برلمانات الدول الأخرى، لتعزيز الخبرة والتعرف على النماذج الناجحة من الممارسات البرلمانية عبر العالم.
14. مراجعة القوانين الانتخابية، لضمان زيادة تمثيل النساء والشباب في البرلمان والمجالس المحلية.
15. تفعيل دور البرلمان في مكافحة الفساد: عبر تزويده بالتشريعات التي تضمن له ذلك، مع تعزيز دوره في نشر ثقافة النزاهة والشفافية في الحياة العامة.
16. تطوير استراتيجيات للتواصل المباشر بين البرلمانيين والمواطنين، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك عبر فتح كل برلماني منصة متخصصة لاستقبال الشكاوي واقتراحات المواطنين.
17. تحسين السياسة التشريعية، من خلال :
• تسريع إجراءات التشريع.
• مراجعة القوانين والإجراءات الحالية لتبسيطها .
• تسهيل سرعة اتخاذ القرارات البرلمانية.
• تفعيل النوافذ الإلكترونية للتشريع.
• استخدام التكنولوجيا لتقديم الاقتراحات والمشروعات بشكل أسرع وفعال، مما يسهل الوصول إلى المعلومات والتحليلات.
18. الاستفادة من المنظمات الدولية، في دعم عمل البرلمان وتمويل دعم البرامج المخصصة لتعزيز قدرات البرلمانيين.
19. زيادة مشاركة المواطنين في صنع القرار من خلال:.
• إطلاق منصات استشارة جماهيرية.
• تنظيم استبيانات واستشارات عبر الإنترنت لجمع آراء المواطنين حول المشاريع والقوانين المقترحة.
• تنظيم جلسات برلمانية مفتوحة.
20. إدراج مبادرات في مجال السياسة الاجتماعية، من خلال:
• تفعيل القوانين والمشاريع التي تستهدف تحسين الظروف المعيشية للمواطنين، خاصة الفئات الهشة.
21. -. ضرورة الاستفادة من أنظمة المعلومات والتكنولوجيا الرقمية، من خلال:
• تحسين قاعدة البيانات التي تحتوي على المعلومات المتعلقة بالقوانين والمداولات والقرارات البرلمانية.
• تطبيق أنظمة إدارة المعلومات.
• استخدام أنظمة تعتمد على التكنولوجيا لتحسين تدفق المعلومات واستعراضها بين النواب والإدارات المختلفة.
22. وضع آليات لمتابعة وتقييم العمل البرلماني، من خلال:
• إنشاء هيئة مستقلة لتقييم أداء البرلمان، وتقديم توصيات لتحسينها.
• نشر تقارير دورية.
23. تعزيز النقاش حول القضايا الوطنية، خاصة ذات الطبيعة الملحة والاستراتيجية، من خلال :
• التفاعل مع الأزمات الوطنية .
• تنظيم جلسات خاصّة لمناقشة القضايا المستعجلة، مثل الأمن الغذائي والأمن المائي، والأمن الطاقوي، والأمن المعرفي، والأمن السيبراني، والأمن البيئي.
• مساعدة البرلمان في تحديد أولويات العمل في أوقات الأزمات والمساهمة في الحلول.
24. تبني البرلمان لسياسة إعلامية فعالة، من خلال:
• تفعيل الشفافية الإعلامية.
• توفير معلومات دقيقة وشاملة حول أنشطة البرلمان عبر وسائل الإعلام.
• تنظيم حملات إعلامية لرفع الوعي حول دور البرلمان وأهمية العمل البرلماني في التنمية الوطنية.
25. اهتمام البرلمان بقضايا البيئة، من خلال:
• تشجيع البرلمان على تضمين القضايا البيئية في جدول الأعمال التشريعي.
• تعزيز التشريعات التي تهدف إلى حماية الموارد الطبيعية ومواجهة التغيرات المناخية.
26. دعم حقوق الإنسان، من خلال:.
• سن قوانين تحمي حقوق الإنسان وتضمن الحريات الأساسية.
• إنشاء لجان برلمانية لمراقبة تطبيق مبادئ حقوق الإنسان في السياسات العمومية.
27. دعم البرلمان للبحث العلمي، من خلال:
• التعاون مع الجامعات ومراكز البحث لإجراء دراسات تعزز الفهم العميق للقضايا التشريعية.
• طلب الدراسات والتقارير من الخبراء حول القضايا المعقدة لدعم عمليات اتخاذ القرار.
28. اهتمام البرلمان بإصدار التشريعات والقوانين التي تهم الأمن الوطني، من خلال:
• مناقشة القضايا الأمنية بانتظام.
• تنظيم جلسات خاصة لمناقشة التحديات الأمنية وتطوير سياسات وقائية.
• اصدار قوانين تخص الهجرة والجريمة المنظمة والجريمة العابرة للحدود والجريمة السيبرانية .
