النشاطات

بناء دولة القانون في موريتانيا : أي دور للمجتمع المدني ؟ ورقة مقدمة، لورشة : المناصرة لمبدأ التصريح بدل الترخيص في قانون المجتمع المدني.

بناء دولة القانون في موريتانيا : أي دور للمجتمع المدني ؟

ورقة مقدمة، لورشة : المناصرة لمبدأ التصريح بدل الترخيص في قانون المجتمع المدني.

د.ديدي ولد السالك.

لقد تزايد دور منظمات المجتمع المدني في العالم خلال العقود الأربعة الأخيرة، حتى أصبح تقدم الدولة وتطورها، يقاس بحجم المساحة التي يحتلها المجتمع المدني في الحياة العامة، والدور الذي يضطلع به في مختلف ميادين التنمية، وخاصة في مجال دفع مسار الانتقال الديمقراطي وتكريس دولة القانون وحماية حقوق الإنسان، مما جعل بناء دولة القانون في أي دولة من دول العالم مرهون بنشاط وحضور منظمات المجتمع المدني في الحياة العامة وتسيير الشأن العام، فما هي دولة القانون، وأي عوائق تواجه بناءها في موريتانيا، وما هو الدور  الذي يمكن أن تضطلع به منظمات المجتمع المدني في بناء دولة القانون ؟

 

أولا : مفهوم دولة القانون.

 

يعرف  الأستاذ احمد سالم ولد ببوط، “دولة القانون”، بأنها : (تعني الدولة التي تخضع قوتها للقانون، وتكون كل تصرفاتها مشروعة ويحددها القانون)، أي أنه لا يمكن الحديث عن هذه الدولة ، إلا عندما توجد نظم قانونية راسخة، يتم تطبيقها  تطبيقا صحيحا، وتحترم فيها الحريات الفردية من قبل الدولة، بوصفها هي الضامنة لممارستها، وأن يكون المصدر الوحيد للشرعية هو القانون وممارسة السلطة تعبيرا عن تلك القوانين نصا وروحا، انطلاقا من الهدف الأسمى لأغلبية القوانين، وهو الحد من السلطة السياسية وممارساتها لصالح حريات الأفراد.

وإجمالا “دولة القانون” هي الدولة التي يوجد بها فصل حقيقي للسلطات، بحيث تصبح السلطة العامة  فيها، مقيدة في نشاطها وممارساتها بالقواعد القانونية، التي تلتزم باحترامها، مع العمل الدائم لحماية المواطنين من التعسف أو أي شكل من إشكال الإكراه النفسي أو البدني، لأن مفهوم “دولة القانون” ارتبط جوهريا بالسعي وراء تجنب التعسف التشريعي والإداري، وبضمان الشفافية الإجرائية والقانونية، الأمر الذي جعل البعض يقول : إن المجتمعات في الدول الحديثة على وجه الخصوص لا تقوم دون قانون، ومفهوم القانون الحقيقي أنه الحد الفاصل ما بين إطلاقية السلطة ومتطلبات حقوق الإنسان، وغايته الرئيسية استقامة التعاطي بين السلطة والمجتمع، وبالتالي فإن المشروعية الدستورية والتعددية السياسية والفصل بين السلطان وحرية التعبير، من  الأركان الأساسية لدولة القانون.

 

 

 

ثانيا : مقومات دولة القانون.

 

لقد أصبحت“دولة القانون” من السمات  الأساسية للمجتمعات المعاصرة، باعتبارها الإطار الذي يتحقق داخله المظهر السياسي لهذه المجتمعات، بوصف الدولة هي أرقى تعبير عن  المجتمع السياسي في العصر الحديث، والقانون هو أداة هذه الدولة ووسيلتها لكفالة تحقيق المقاصد والأغراض العامة للمجتمع وحماية حقوقه ، لأن حكم القانون هو الأداة الأمثل لضمان العيش المشترك بين الشعوب، وقد كرس الدستور الموريتاني الصادر في 20 يوليو 1991 تلك المبادئ، في ديباجته عبر النص عليها في متنه، حيث جاء في ديباجته، أن ʺمبادئ الديمقراطية الوارد تحديدها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر بتاريخ 10 ديسمبر 1948 والإعلان الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب الصادر بتاريخ 28 يونيو 1981 ʺ وغيره من الإعلانات والمعاهدات،  تشكل الضمان الأكيدة للحقوق والمبادئ الأساسية للديمقراطيةʺ :كحق المساواة، والحريات والحقوق الأساسية…. “، ويمكن أن نذكر  من بين أهم مقومات “دولة القانون”:

1 – الشرعية الدستورية.

2 – ضمان فصل السلطات.

3 – مبدأ الدستور.

4 – سيادة القانون.

5 – مبدأ استقلالية القضاء.

6 – احترام المؤسسات الدستورية.

7 – ضمان التعددية السياسية.

8 – احترام حقوق الإنسان.

9 –  ضمان الحريات العامة.

 

ثالثا : الصعوبات التي تواجه بناء دولة القانون في موريتانيا.

رغم ما قدمه دستور 20 يوليو 1991 من ضمانات لإقامة “دولة القانون” والمؤسسات في موريتانيا،  فإن معطيات الواقع تشير إلى أننا لم نتمكن بعد من تأسيس  تلك الدولة، وأن هناك عجز  في تكريس نظام حكم القانون، كنتيجة طبيعية لفشل النخب السياسية المتعاقبة على الحكم في الوصول إلى بناء مقومات الدولة العصرية، التي تكرس  مفهوم الدولة المدنية الحديثة بالمعنى القانوني والسياسي، أي دولة الحق  والقانون المكرسة لدولة المواطنة.

وقد تكون منظمات المجتمع المدني مؤهلة أكثر من غيرها للمساهمة في بناء “دولة القانون” في موريتانيا، عبر العمل على القيام  بإحداث تغييرات هائلة في البنية  الذهنية والثقافية والاجتماعية، بما يضمن تغيير علاقة الحاكم بالمحكومين ونظرة المواطنين للسلطة وفهمهم لدورها في الحياة العامة وضرورة المشاركة فيها، بما يكرس حرية المواطنين بشكل كامل ويضمن حصولهم على حقوقهم والقيام بواجباتهم، وهي أمور ما زالت النخب الثقافية والسياسية عاجزة عن القيام  بها.

فما هي أبرز العوامل التي حالت ولازالت تحول دون تأسيس “دولة القانون” في موريتانيا:

1 –  عدم وضوح فكرة الدولة في ذهن المواطن

2 –  سيادة الانتماءات الأولية المعادية لقيم الدولة.

3 – ضعف الثقافة القانونية المرتبط بغياب قيم الدولة.

4  – هيمنة السلطة التنفيذية على بقية السلط.

5  – ضعف استقلالية السلطة القضائية.

6 –  ضعف المؤسسات وبالنتيجة ضعف الثقافة المؤسسية.

7 – انعدام ثقافة التعددية واحترام الرأي الآخر.

8 – ضعف دور الأحزاب في نشر قيم الديمقراطية.

9  – ضعف حضور منظمات المجتمع المدني في الحياة العامة

10 – ضعف ثقافة حقوق الإنسان لدى النخبة السياسية في موريتانيا.

11 – انتشار الفساد المالي والإداري في موريتانيا.

رابعا : الدور المفترض للمجتمع المدني في بناء دولة القانون.

يعتبر تزايد نشاط المجتمع المدني اليوم في أي دولة من دولة العالم، ظاهرة صحية لدوره في تحقيق أهداف التنمية وتوسيع الممارسة الديمقراطية، وهو ما يؤهله للقيام بدور هام في بناء وتكريس دولة القانون.

أ – الدور المطلوب من المجتمع المدني في بناء دولة القانون.

يمكن أن تقوم منظمات المجتمع المدني بدور هام في ترسيخ قيم دولة القانون، وذلك من خلال :

1 – نشر ثقافة المواطنة وترسيخ قيمها.

2 – نشر ثقافة حقوق الإنسان والعمل على حمايتها.

3 – تعزيز ثقافة المشاركة في الحياة العامة.

4 – العمل على تكريس ثقافة متابعة وتقييم السياسات العمومية.

5 – تفعيل ثقافة المحاسبة والمساءلة.

6 – مكافحة الفساد ونشر ثقافة الشفافية.

ب – الإصلاحات المطلوبة على بنية المجتمع المدني للقيام بدوره.

إن تكاثر منظمات المجتمع المدني في موريتانيا خلال العقود الثلاثة الأخيرة  وتزايد نشاطها، صاحبه الكثير من الممارسات غير الصحية التي قد تعرقل مسار الانتقال الديمقراطي، الأمر الذي سيعيق بالنتيجة بناء دولة القانون بدل المساهمة في تكريسها، وهو ما يستدعي تصحيح تلك الأخطاء والتشوهات، من خلال إصلاح المجتمع المدني و تفعيل دوره و تعزيز قدراته المؤسسية و البشرية و المالية و التقنية  وكذا تنسيق أدواره كشريك كامل الأهلية وكطرف محاور للحكومة كما يلزم بذلك اتفاق الشراكة المعروف بـ “كوتونو” Accord de Partenariat de Cotonou 2000 ، المصادق عليه من طرف الحكومة الموريتانية في إطار الشراكة بين الاتحاد الأوروبي ومجموعة 77  لدول أفريقيا والكاريبي والمحيط الهادي، وكذا تفعيل وتنشيط أدوار تلك المؤسسات ودعم قدراتها من أجل اضطلاعها بمهامها في المشاركة في رسم و تنفيذ ومراقبة السياسات العمومية في مختلف مجالات التنمية الاجتماعية و الاقتصادية في البلاد لكي يكون المجتمع المدني داعما لمسار بناء دولة القانون في موريتانيا، وهو ما يقتضي العمل على إجراء إصلاحات قانونية ومؤسسية عميقة لمختلف الجوانب المتعلقة بالمجتمع المدني، من خلال:

  • الإصلاحات القانونية.

وينبغي أن يشمل القانون المنظم للمجتمع المدني، ما يلي:

1 – شروط تأسيس منظمات المجتمع المدني،

  • نظام التصريح بدل الترخيص.
  • ضمانة مشاركة المجتمع في مراقبة السياسات العمومية.
  • ضمانات المؤسسية عند التأسيس.
  • التخصص في مجال معين.

2 – طريقة عمل مؤسسات المجتمع المدني وشروط عضويتها.

  • التنصيص في النظام الأساسي على انواع العضوية.
  • الالتزام بالنصوص القانونية.
  • وجود آلية واضحة للمراقبة الخارجية والداخلية.

3 – تحديد علاقاته مع الإدارة ونوعية تلك العلاقة.

  • ضرورة وضوح جهة الوصاية والإشراف على المجتمع المدني.
  • العلاقة مع الجهات العمومية تقوم على الشراكة والتنسيق.

4 – مصادر التمويل ونوعية علاقاته مع الخارج.

  • محددة في القانون والنظام الأساسي للمنظمة.
  • ضمان الشفافية في تسيير التمويلات .
  • المؤسسية.

ينبغي العمل على تحويل مختلف منظمات المجتمع المدني إلى مؤسسات فعلا، من خلال:

1 – أن يكون من شروط تأسيس منظمات المجتمع المدني، وجود هيئات مداولة فعلية للمنظمة، تنفيذية، ورقابية، وتشريعية.

2 – أن يكون للمنظمة مقر دائم وعنوان معروف لدى جهات الاختصاص.

3 – أن يكون للمنظمة نظام مالي ومحاسبي.

  • – أن تكون متخصصة في مجال معين.

5 – أن تكون لها مصادر تمويل واضحة.

الخلاصة:

إذا أردنا بناء دولة القانون في موريتانيا، لا بد أن نضمن وجود مجتمع مدني فعال، وذلك من خلال :

1 – ضمان استقلالية منظمات المجتمع المدني.

2 – ضمان ديمقراطية ممارسة منظمات المجتمع المدني.

3 – تركيز المجتمع المدني في رسالته على بناء دولة المواطنة.

4 – حمل منظمات المجتمع المدني هم نشر قيم الحكامة الجيدة .

  • – حرية المبادرة.
  • – قيم الشراكة.
  • – حمل رسالة التسامح واحترام الاختلاف.
  • – رسالة التطوع.
  • – صفة التخصص.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *