الندوة العلمية حول: التصوف الإسلامي وفلسفة التسامح/ ينصرها بزيد
الندوة العلمية حول:
التصوف الإسلامي وفلسفة التسامح
ملخص البحث:
تتناول هذه الورقة مفهوم التسامح من خلال محورين أساسيين هما:
أولاـ التأصيل لمفهوم التسامح في تراثنا الإسلامي والعربي: وذلك من خلال قراءة بعض الآيات والأحاديث الدالة على”التسامح” في معناه الواسع، مع الوقوف على بعض محطات التسامح في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكيف فهم الشاعر العربي موضوع التسامح، وانعكاسات ذلك الفهم على شعره بوصفه موجها اجتماعيا، مرورا بالتعاريف اللغوية لكلمة “سمح” التي تعتبر الأصل اللغوي لكلمة “تسامح”؛
ثانياـ مفهوم التسامح لدى المتصوفة، ودور المدرسة الصوفية في تهذيب النفس والتسامي فوق الأخلاق المذمومة ، واستبدالها بأخرى محمودة؛
فالمدرسة الصوفية هي أكثر المدارس عناية بالإنسان لأنها تحمل أصحابها على عمق التأويلات بحسب ما أتيح لهم من صفاء الروح ونصاعة الباطن، ومن تعالٍ على شوائب الغرائز والنزوات.
سيرة حياة:
الاسم: ينصرها بزيد
تاريخ الميلاد: 1960
الصفة العلمية: دكتورا ه في الآداب : جامعة مولاي اسماعيل وحدة المرأة والكتابة؛
التجربة العملية:من 1989 ـ2017 وزارة الشؤون الاجتماعية والطفولة والاسرة(مديرة الأسرة والطفولةـ مديرة الترقية النسوية ـ مستشارة وزيرة المرأة)؛
المحور : التسامح في التراث الإسلامي بين منطق الفقه ورؤية التصوف:
عنوان المداخلة: بعض ملامح التسامح في النصوص الشرعية وفي التربية الصوفية:
التقديم العام:
تعاني مجتمعات اليوم من مشاكل مقلقة بسبب ما يتميز به العالم الآن من فوضى وحروب أهلية مدمرة ، وانسداد لأفق الإصلاح والتسامح ـ خاصة في وطننا العربي ـ بسبب ما يعيشه الآن من التشظي والتناحر الداخلي والتباغض ؛
حيث أصبحت مشاهد الموت والتدمير بسبب الظلم والقهر أمرا عاديا ، لا يحرك ساكنا، ولا تدمع له عين ولا يرق له قلب، حتى داخل الدين الواحد والمجتمع الواحد.
وكان من نتاج هذا الواقع المقيت، تنامي الحركات المتطرفة باسم الدين، والرؤية المتعصبة ، والميل للعنف، وانتشار الكراهية والبغضاء بين أفراد المجتمع؛
ومن هنا تتأكد الحاجة إلى تبني مبادئ الرحمة والتسامح والعفو والاحترام المتبادل والعيش بحرية، علاجاً للجراحات النازفة، ومداواة لها بالحب والتسامح، وإسهاما في اقتلاع تلك العداوة والبغضاء من النفوس، وإلغاء روح التعصب والكراهية بين الأفراد.
إن السلوك الحميد المتمثل في العفو والحلم والتسامح والصفح والحب والتعايش السلمي والاعتراف بالآخر، هو في جوهره سلوك النفس المهذبة التي تم صقلها وكملت تنقيتها من الأدران والشوائب وكل ما يحول دون الولوج إلى الحضرة الربانية، وهذا هو ربع عزة لدى المتصوف، وهو تحديدا هدفه في هذا الوجود، فقد أصبحت المدرسة الصوفية ومدرسة التسامح السنية منسجمتين في طرحهما وفي منهجهما في الحياة إلى درجة التّماهي أو تكاد.
ذلك أن المتصوف يبدأ عادة بتهذيب نفسه وصقلها من الأدران، ونبذ أمراض النفس، ليصل إلى حالة من الكمال والسمو ينشدها ويرتضيها.
وبذلك استطاع التصوف أن يحدث ثورة في حياة البشرية، لأنه يدعو إلى تسليح الإنسان بقيم روحية، تساعد في مواجهة الحياة المادية، وتحقق له قدرا من التوازن النفسي والطمأنينة وصفاء الباطن، وهو ما ينشده كل إنسان سَوِي.
في هذه الورقة سيتم تناول مفهوم التسامح من خلال محورين أساسيين هما:
أولاـ التأصيل لمفهوم التسامح في تراثنا الإسلامي والعربي: وذلك من خلال قراءة بعض الآيات والأحاديث الدالة على”التسامح” في معناه الواسع، مع الوقوف على بعض محطات التسامح في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكيف فهم الشاعر العربي موضوع التسامح؛
ثانياـ مفهوم التسامح لدى المتصوفة، ودور المنهج الصوفي في تهذيب النفس والتسامي فوق الأخلاق المذمومة ، واستبدالها بأخرى محمودة؛
أولا التسامح في الثقافة العربية والإسلامية:
يمكن القول أن هذا المصطلح ظهر متأخرا إلى حدٍّ ما في الثقافة العربية والإسلامية، ولم يرد كمصطلح متميز دلاليا في النصوص الشعرية القديمة أو النصوص الشرعية، (وهما المرجعية الأساسية في الثقافة العربية)، وإنما ارتبط بمفاهيم العفو والتيسير والمساهلة، والإيثار،والمجادلة بالتي هي أحسن، والإحسان لمن أساء إلينا،وقد ورد”التسامح” في سياقات كثيرة في القرآن الكريم وفي الحديث الشريف (اللذين يُكَوِّنان معا مصدر الشريعة الإسلامية)، مرادفا للعفو والتيسير في الأمور، والتسامي فوق الأخلاق غير المرضية: (خُذِ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)، وهي العناصر المكونة لمفهوم التسامح؛
أولا ـ التعريف اللغوي:
سَمَحَ: السّماح والسماحة الجود ، سمُحَ سماحة وسموحة وسماحا: جاد؛ ورجل سمْحٌ وامرأة سمْحة من رجال ونساء سماح وسمحاء.
وفي الحديث: يقول الله عز وجل: “اسمحوا لعبدي كإسماحه إلى عبادي”[1]؛
الإسماح لغة في السماح، يقال : سمح وأسمح إذا جاد وأعطى عن كرم.
وأسمح وسامح وافقني على المطلوب؛
أنشد ثعلب: لو كنت تعطي حين تسأل سامحت لك النفس واحلولاك كل خليل
والمسامحة: المساهلة ، وتسامحوا تساهلوا.
وفي الحديث المشهور: السماح رباح ، أي أن المساهلة في الأشياء تربح صاحبها.
وتسمّح فعل شيئا فسهّل فيه ، أنشد ثعلب:
ولكن إذا ما جلّ خطب فسامحت به النفس يوما كان للكره أذهبا
وفي الحديث أن ابن عباس سئل عن رجل شرب لبنا محضا أيتوضأ؟ فقال اسمح يُسْمَح لك. قال الأصمعي معناه سَهِّلْ يُسَهَّلُ لَكَ.
والحنفية السمحة ليس فيها ضيق ولا شدة[2].
ثانياـ التسامح في القرآن الكريم:
هناك آيات كثيرة ،دلت في سياقها العام على أنها تؤكد على التسامح، وإن لم يرد لفظ “التسامح” في الآية الكريمة، وذلك بإيراد مفاهيم أخرى مرادفة ك” العفو، والصفح والإحسان…الخ)؛
(فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين)[3].
وقد يرد التعبير عن المسامحة بما يفيد المعاملة الحسنة “التي هي أحسن”، وطلب منا القرآن الكريم التخلق بهذه الأخلاق حتى مع غير المسلمين، جاء في الآية الكريمة: “ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن”، وفسر الطبري هذه الآية بأن المطلوب من المؤمنين هو “الإرشاد إلى طريق الحق بأسلوب لين كريم”[4] ؛
ولا تجادلوا اليهود والنصارى وهم “أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن” يقول: إلا بالجميل من القول، وهو الدعوة إلى الله بآياته ، والتنبيه على حججه[5]، ولكن بأسلوب راق متحضر، لا بأسلوب العنف والحرب والمناكفة.
ووردت مرات أخرى صريحة في الأمر بالعفو والصفح عمن أساء إلينا “وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم”[6]، على أن المسامحة ـ فيما يظهرـ كانت سلوكا وأخلاقا حضارية ثابتة ، تتمثل في العفو عمن أساء ، والإحسان إليه والصفح عنه، بل ومقابلة إساءته بالإحسان، وانتهاج أسلوب اللين والرفق في دعوة غير المسلمين إلى الإسلام وتحسين صورة الإسلام والمسلمين بشكل كامل.
“وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما” قال ابن كثير أي إذا سفُهَ عليهم الجهَّال بالقول السيئ لم يقابلوهم بمثله، بل يعفون ويصفحون، ولا يقولون إلا خيرا، كما كان صلى الله عليه وسلم لا تزيده شدة الجاهل عليه إلا حلما[7].
” ادْعُ إِلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن”[8]
ذكر المفسرون أن المجادلة بالتي هي أحسن تكون بالوجه الحسن: برفق ولين وحسن خطاب[9]، فأمر الله تعالى رسوله بلين الجانب ، كما أمر رسوله موسى وهارون عليهما السلام ، لما بعثهما إلى فرعون فقال تعالى:” فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى”[10]، فالقول الَّليِّنُ، والرِّفْقُ وحسن الخطاب، هو الأسلوب القرآني الأفضل للتعامل مع الآخر، وهو ما تؤكده الآية: “فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضُّوا من حولك”[11] ، فالله تبارك وتعالى منَّ على رسوله صلى الله عليه وسلم بأن جعله رؤوفا رحيما بأصحابه المؤمنين، رفيقا بهم، يعفو عمن ناله أذاه منهم، ويغضي عن جرمهم، ويحتمل جفاءهم، ولو لم تَلِنْ أخِلَاقُه لَتَفرَّقُوا من حوله[12] .
“فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر”، فاعف عنهم ، وتجاوز يا محمد عن أصحابك المؤمنين بك وبما جئتَ به من عندي، اصفح عن ما نالك من أذى ومكروه في نفسك، “واستغفر لهم “: وأدع ربك لهم بالمغفرة، لِمَا أَتَوْا من جُرْم يستحقون عليه العقوبة.”وشاورهم في الأمر” : قال بعض المفسرين إن الله أمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه في قضايا الحرب ومكايدها، تطييبا منه بذلك لأنفسهم، وليروا كيف أنه مع أن الله يدبر له أموره ، يستشير أصحابه ويستعين بهم [13]؛
“والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين”[14]، أي الذين إذا ثار بهم الغيظ كظموه أي كتموه، وعفوا عمن أساء إليهم[15]؛وفي الحديث الشريف: من سره أن يُشـْـرَفَ له البنيان ، وتُرْفَعَ له الدرجات، فَـلْـيَعْفُ عمن ظلمه، وليُعْطِ من حرمه، وليَصِلْ من قطعه [16]، وهذا هو قمة التسامح؛
ونجد آية أخرى صريحة في مفهوم التسامح في أسمى معانيه: “ولا تزال تطلع على خائنة منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين”[17]، يقول ابن كثير: خائنة أي مكرهم بك وغدرهم لك ولأصحابك: ويقول مجاهد: يعني بذلك تمالؤهم على الفتك بالنبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك يأتيه الأمر مباشرة من الله تبارك وتعالى بأن يسامحهم: “فاعف عنهم واصفح “، وهذا هو عين النصر والظفر كما قال بعض السلف: ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه، وهذا هو الإحسان “إن الله يحب المحسنين”: يعني به الصفح عمن أساء إليك[18]
وواضح أن مختلف التفاسير تعتمد على كتب اللغة والمعاجم اللغوية التي تورد التساهل والتراحم مرادفين للتسامح؛
ثالثا ـ التسامح في الحديث الشريف :
التسامح ـ في الدين الإسلامي ـ هو عقيدة وسلوك وتربية، نجد الحث عليه في مختلف النصوص بوصفه مطلبا شرعيا ثابتا.
وقد عقد الفقهاء بابا سموه :”باب السهولة والسماحة في الشراء والبيع ، ومن طلب حقا فليطلبه في عفاف[19]؛
ووردت أحاديث كثيرة في الحث على المساهلة والمسامحة في البيع والشراء والاقتضاء: كما في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “رحم الله رجلا سمحا إذا باع، وإذا اشترى ، وإذا اقتضى”[20]؛
وقد ورد الحديث بلفظ آخر ولكن بنفس المعنى: “غُفِرَلرجل ممن كان قبلكم كان سهلا إذا باع، سهلا إذا اشترى، سهلا إذاقضى”[21]
وهناك أحاديث تتعلق بإنظار الموسر والتجاوز عن المعسر والوعد بأجر كبير على ذلك [22]؛
في الحديث الشريف: “من أنظر معسرا أو وضع له أنجاه الله من كرب يوم القيامة”[23]. وفي حديث آخر: “من فرج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه”[24]
رابعاـ محطات في التسامح :
شكلت الآيات والأحاديث المتعلقة بالتسامح، منطلقا لممارسات إسلامية كان التسامح أساسها وعمادها ، خاصة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده.
نورد هنا بعض مواقف التسامح الهامة ، والتي كان لها الأثر الكبير في سلوك المسلمين قديما وحديثا:
تَذْكُرُ لنا كُتُبُ الحديث والسِّيَرِ أن رسول الله صلى الله ليه وسلم لما كان يوم فتح مكة قام فخطب الناس ومن ضمن ماقال: “يامعشر قريش يا أهل مكة ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا خيرا أخٌ كريم وابن أخٍ كريم، قال اذهبوا فأنتم الطلقاء”؛[25]
ومعروف أن قريشا أخرجت الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة ولقي منهم ألوان الأذى والتكذيب,.. وبعدما تمت له القدرة عليهم سامحهم أفضل مسامحة، فاتحا معهم عهدا جديدا من الصفح عن ما ارتكبوه تجاهه باحثا عن السلام والأمان مفتتحا بذلك نموذجا في بناء الدولة الإسلامية الجديدة، نموذج أسُّهُ القويم العفو والصفح عن الإساءة (التسامح في أقصى صوره).
وكان القرآن الكريم قد حدثنا في سورة يوسف عليه السلام أن النبي يوسف عليه السلام لما قدم عليه إخوته الذين القوه في غيابات الجب ، بعد تصميمهم على أن يقتلوه أو يطرحوه أرضا ليخلو لهم وجه أبيهم ، قدموا عليه وهو إذ ذاك ملك على مصر(قالوا تاالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين، قال لاتثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين) [26]، فختمت لنا هذه القصة العجيبة الرائعة، بهذا الموقف الإنساني المتسامح؛
وكذلك ما صدر من أبي بكر رضي الله عنه في حق مسطح بن أثاثة بعد حادثة الإفك، وما بلغه عن مسطح في شأنها قبل أن تنزل براءة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، فقد قال أبو بكر رضي الله عنه إنه سوف يتوقف عن الإنفاق على مسطح، بعد أن كان ينفق عليه قبل حادثة الإفك، لقرابته منه ولفقره أيضا فأنزل الله: “ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله، وليعفوا وليصفحوا، ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم”[27] .فقال أبو بكر والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى الإنفاق على مسطح، وقال والله لا أنزعها منه أبدا [28].
خامسا ـ ملامح من التسامح في الشعر العربي:
نمر هنا ـ سريعاـ على بعض ملامح ” التسامح” في الشعر العربي القديم، وكيف كان حاضرا في الشعر الذي هو سجل أخلاق المجتمع ومصدر قيمه؛
اتخذ مفهوم “التسامح” في الشعر أساسا دلالة العفو والصفح عن زلات الآخرين ، والتسامي فوق ما يسميه الصوفة”الأمراض النفسية” وهي: الحسد، الحقد، البغض أو الكراهية، وما يسميه بعضهم “الشر” ، يقول الإمام الشافعي رضي الله عنه[29] :
لمّا عفوتُ ولم أحقد على أحد أرحتُ نفسي من هم العداوات
إني أحيي عدوي عند رؤيته لأدفع الشر عني بالتحيــــــات[30]
فالشافعي يتخذ المسامحة سلاحا في وجه مبغضيه، ومن يضمر له عداوة، وهو بهذا يمتثل الأمر الوارد في الآية الكريمة:”ولا تستوي الحسنة ولا السيئة إدفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم[31]“، يقول ابن كثير: أي من أساء إليك فادفعه عنك بالإحسان إليه، فإذا أحسنت إلى من أساء إليك، قادته تلك الحسنة إلى مصافاتك ومحبتك، والحنو عليك حتى يصير ، كـأنه ولي حميم ،أي قريب إليك من الشفقة عليك والإحسان إليك [32].
وهذا المنهج التسامحي هو ما أدركه أغلب الشعراء فكان تعاملهم مع المجتمع ، قائما على نبذ الحقد، والإحسان إلى من أساء، والبذل لمن منع،والصفح والتجاوز عن المسيء:
يقول المقنع الكندي:[33]
وإن الذي بيني وبين بني أبي وبين بن عمي لمختلف جدّا
فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
وإن قطعوا مني الأواصر ضلة وصلت لهم مني المحبة والودا
ولا أحمل الحقد القديم عليهم فليس رئيس القوم من يحمل الحقدا
ويتواتر عند أغلب الشعراء اعتبار التسامح هو التغاضي عن الزلات، وعدم تتبع الهفوات:
يقول كُثيِّر[34]:
ومن لا يُغمض عينه عن صديقه وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب
ومن يتتبع جاهداً كل زلة يجدها ولا يسلم له الدهر صاحب
ومن ذلك أيضا قول بشار بن برد[35]:
إذا كنت في كل الأمور معاتبا صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه[36]
فعش واحدا أو صل أخاك فإنه مفارق ذنب مرة ومجانبه
إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ظمئت ، وأي الناس تصفو مشاربه
وقد يرد التسامح عند بعض الشعراء مرادفا لمعنى الإحسان والإكرام، كما في قول المتنبي[37]:
فأحسنُ وجهٍ في الورى وجهُ محسنٍ وأيْمَنُ كَفٍّ فيهمُ كفُ مُنْعِمِ
وقد يصل بهم مفهوم التسامح الى ما يسمى محاورة الأديان :
يقول شوقي [38]:
وإلى الله من مشى بصليب في يديه ومن مشى بهلال
سادساـ تطور مفهوم التسامح :
أخذت دلالات كلمة”التسامح” تتوسع ـ تدريجياـ مع توسع استعمالاتها ،لتنتقل من “السماحة” التي تعني ـ في المعاجم كما رأينا ـ الكرم والعطاء والتساهل في الأمور، وتضيف إليها معاني أخرى، مثل: “العفو واليسر والصفح وتجنب الحرج وما يشق على الناس” ، وهي أمورـ كمارأيناـ من صميم الشريعة الإسلامية، بل إنها من أصول آداب هذا الدين وقواعد شرعه؛
وفي أوروبا نشأ مبدأ التسامح في بيئة مسيحية، ويعني المحبة والتعاطف، ونما هذا المفهوم أيام الثورة الفرنسية مقابلا للعنف وبديلا عنه؛
ولكنه عرف تطورا في الاستعمالات اللاحقة حيث انتقل من الأفق الدلالي الديني إلى الأفق الدلالي المدني ، حتى غدا مطلبا أساسيا لشعوب المعمورة ، وذلك من أجل تأسيس “ثقافة جديدة للسلام والعدل والحرية”، وتم إعلان سنة 1995 سنة دولية “للتسامح”، بعد أن برزت أهمية التربية القائمة على ثقافة التسامح بعد ظهور الحركات اليمينية المتشددة والدينية المتطرفة في أوروبا والعالم العربي الإسلامي، والتي يوحد بينها مبدأ اللّاتسامح والتعصب وكراهية الآخر.
فكانت الحاجة إلى وجود منهج إنساني شامل يومن بلاختلاف ، ويعترف بالاخر كما هو : أي قبول غيرنا المختلف عنا في الفكر وفي المعتقد ووجهة النظر، واحترام كل منظومته الفكرية ،ويعني ذلك “الإيمان بالحضور الطبيعي للاختلاف على مستوى الفرد والجماعة، و مجادلة الآخر بالحسنى ، دون تخلٍّ عن الإيمان بالمساواة والتكافؤ، كما يعني محاورة أفراد الجماعة دون تعالٍ من فئة أوتمييزٍضد أخرى،على أي أساس ، أو من أي منطلق، ويعني كذلك الحوار بين الثقافات والحضارات من المنظور الإنساني القائم على ثراء التنوع البشري المقترن بالتنوع والمغايرة”[39] .
ثانيا ـ التسامح والمدرسة الصوفية:
نستطيع القول أن المتصوفة قد أعطوا للتسامح البعد الشمولي الذي يرتفع به إلى المستوى الذي يراد منه اليوم، فلم تعد دلالة التسامح تعني الإيثار والتعاون فقط ،وإنما أصبحت تعني أيضا الحب والسلام والتعايش الديني بين المسلمين والمسيحيين ،لأن الرؤية الصوفية تريد الإنسان الكوني الذي يهدف إلى أن يرتفع البناء الإنساني فوق أي عصبية دينية أو قومية؛
ولعل أهم ما يميز المنهج الصوفي الرباني هو أنه في الوقت الذي يستجيب فيه لمقتضيات حديثة ، هو تطبيق واف للأحكام المتعلقة بظاهر الشرع (السلوك العبادات المترتبة على الأعضاء)، وباطنِه: (علم أوامر القلب ومناهيه).
وهو كما يقال في تعريفه “إنه اتجاه يربط الـمتصوف بالسلوك القويم وبالأخلاق الفاضلة”، أي أنه متميز بسلوكه الأفضل وأخلاقه الخاصة بمثله.
تتجلى عظمة هذه الأخلاق في الإنفتاح والرحابة في المفاهيم الدينية والأخلاقية التي يتمتيز بها الصوفيون، بعيدا عن التشدد والتعصب والإنكماش؛
أول من أسس هذا الاتجاه هو رائد المدرسة الصوفية في أنقى منابعها ابن عربي[40]، الذي كان لديه إحساس بالكون، على عكس من سبقه من المفكرين العرب، حيث اهتم بالفلسفة المسيحية واليهودية، فيما يشبه عولمة إنسانية يؤسس لها ابن عربي عندما يقول:[41]
لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي إذا لم يكن ديني إلى دينه داني
وقد صار قلبي قابلا كل صورة فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أني توجهت ركائبه فالحب ديني وإيماني
فمن المعروف أن قيم التصوف تأتي في مقدمتها: المحبة لله ورسوله وللمجتمع وللإنسانية ككل.
هذه “المحبة” التي تملأ قلب الصوفي الذي أصبح يدين بدين الحب، ناتجة عن قوة إيمانه بربه ، وتعلقه بكل ماهو روحاني، وتحرره من النزوات والغرائز،فلذلك استطاع التخلص من البغض والكراهية والحسد لأي إنسان، وبالتالي أصبح يحترم “الاخَر” أيّاً كان (دينه، قوميته، جنسه)، وهو ما ينسجم مع خطاب التسامح في سياقه الراهن؛
هذه المحبة الخالصة الكاملة لله،هي أحد أهم أهداف الصوفية ،وهي مرتبة التحقق بالآية الكريمة: “يحبهم ويحبونه”، وأقصر طريق للوصول إلىها: هو الفهم الصحيح والتطبيق السليم للقرآن الكريم والسنة المطهرة، وهو تمثل لقوله تعالى ” قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله”. وهذه المحبة تفضي إلى طمأنينة نفسية عزيزة المنال، وتؤدي إلى حالة من التسامي الروحي لا يدرك مداها إلا من ذاقها (أي من عاش التجربة الصوفية بنفسه).
فقد أسس التصوف مدرسة مفعمة بالرموز والدلالات، أصبحت منذ أمد ليس بالقريب من أهم المدارس الإسلاميةـ بل الإنسانيةـ وأكثرها عناية بالإنسان، فهي تحمل أصحابها على عمق الرُّؤى بحسب ما أتيح لهم من صفاء الروح ونصاعة الباطن، ومن تعالٍ على شوائب الغرائز والنزوات.
إذ أن المنهج الصوفي يدورحول تهذيب النفس والسمو بها من أجل تحقيق مراد الله فيها؛
وهذا هو مرام المتصوفين، فأحد تعريفات التصوف هو”التخلي عن كل دني والتحلي بكل سني”، فهو كما يقول أحد العارفين به أنه “خُلُقٌ”، يقول ابن عربي في تعريفه:
إن التصوف تشبيه بخالقنا لأنه خلق فانظر ترى عجبا
إلى أن يقول:
إن التصوف أخلاق مطهرة مع الإله فلا تعدل به نسبا [42]
هذه الأخلاق المطهرة هي أخلاق الصوفي السالك، ومجاهدة النفس من أجل الوصول إليها وتغيير الأخلاق المذمومة فينا حتى تصبح محمودة، هو ما يميز المنهج الصوفي عن غيره من المناهج الفلسفية والأخلاقية.
ويوضح المتصوفة السنيون هذا المنهج بأنه”المقصود هو تبديل صفات بشرية بصفات الهية دون الذات طبعا،”فكلما ارتفعت صفة قامت صفة الهية مقامها فيكون الحق تبارك وتعالى”سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به”[43]،وهي مرتبة الفناء في الله تعالى عن غيره.
قال رجل لسهل التستري : من أصحب من طوائف الناس؟ قال: عليك بالصوفية ، فإنهم لايستكثرون ولا يستنكرون شيئا، ولكل فعل عندهم تأويل فهم سوف يعذرونك على كل حال[44]؛
هذه النظرة المنصفة لدى الصوفي للآخرين، والتأويل لكل فعل ،هي نتيجة لصفاء القلب وراحة البال التي جعلته متسامحا متساميا فوق كل النزوات البشرية والنظرة المتعصبة أو المتطرفة.
قالوا: إنما سميت الصوفية صوفية لصفاء أسرارها ونقاء آثارها، وقال بعضهم: الصوفي من صفت لله معاملته، فصفت له من الله عز وجل كرامته[45].
الخاتمة:
نستنتج من كل ماسبق أن مفهوم التسامح متجذر في شرعنا الإسلامي، حتى وإن لم يرد لفظا ، خاصة في القرآن الكريم، فهناك الكثير من الآيات الصريحة في هذا المجال ، والتي تامر بشكل مباشر بالتسامح في أرقى صوره(الأمر بالصفح والعفو ،والإيثار، والمجادلة بالتي هي أحسن، والتجاوز عن من أساء إلينا)؛
ولا تخرج المدرسة الصوفية عن هذا النهج ، بل نجدها تتطابق في كثير من مبادئها وأسسها مع أكثر مفاهيم التسامح حداثة(احترام الآخر، التعايش السلمي، الإنصاف، الحوار…)؛
من هنا فإنه يمكن القول أن التسامح، خاصة بالمفهوم الصوفي هو منهج ناجح لمعالجة أزمات مجتمعاتنا الراهنة، التي كان منشؤها الّلاتسامح : التعصب، التطرف الديني (أو ضد الدين)؛
وأن مفهوم التسامح ليس مفهوما أجنبيا وضعه الآخررون فقط على مقاساتهم الخاصة بهم، فأساسه كما رأينا كتاب الله وسنة نبيه، وأخلاق الصالحين من أمته.
حديث قدسي ورد ضمن حديث الشفاعة،مسند أحمد بن حنبل، رقم الحديث :15؛[1]
ابن منظور، لسان العرب، مادة: سمح؛[2]
أبوجعفر محمد بن جرير الطبري: جامع البيان عن تأويل القرآن، مؤسسة الرسالة؛[4]
الحافظ ابن كثيرالدمشقي، تفسير القران العظيم ، ط1، 1979 ، دار الكتب العلمية ، بيروت ـ لبنان؛[5]
الآية: 159 ،سورة آل عمران؛[11]
الآية: 134 ، سورة آل عمران؛[14]
الحاكم، المستدرك على الصحيحين، الحديث:3161 والطبراني : الحديث رقم 57؛[16]
صحيح البخاري، الحديث رقم:2076[19]
صحيح البخاري، الحديث رقم:2076 [21]
ابن جرير الطبري،تاريخ الطبري،ج3،ص:61 ، الحديث 758؛[25]
ابن الأثير الجزري، أسد الغابة، (مسطح)؛[28]
29 هو أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، فقيه وإمام من ائمة السنة والجماعة ، وصاحب المذهب الشافعي في الفقه الاسلامي، ومؤسس علم أصول الفقه، وإمام في التفسير والحديث؛
الشافعي، ديوان شعر، دار الكتاب العربي، 2003، ص: 15؛[30]
[33]هو محمد بن ظفر بن عمير الكندي شاعر أموي،من قبيلة كندة اليمنية، لقب بالمقنع لأنه كان أحسن الناس وجها وأمدهم قامة وأحسنهم خلقا، وكان إذا نزع اللثام أصابته العين، ابو الفرج الإصبهاني، الأغاني دار الثقافة،1983 ،ج17، ص:60ـ 61؛
هو كُثَيّرُ بن عبد الرحمن بن عُوَيْمِرْ الخزاعي، كان معاصرا لعبد الملك بن مروان، أحد شعراء العصر الأموي[34]
هو بشار بن برد بن يرجوخ، الملقب أبو معاذ، عاصر الدولة الأموية والعباسية ،توفي في القرن الثاني الهجري. [35]
ديوان بشار بن برد، صادر عن وزارة الثقافة ، الجزائر، 2007 ، ص:326؛[36]
[37] هو أحمد بن الحسين الجعفي، الملقب أبو الطيب ، ويذكر أنه ادعى النبوة في بداية شبابه فلقب المتنبي ؛العرف الطيب في شرح ديوان أبي الطيب ، ص:392 ؛
38هوأحمد بن علي بن أحمد شوقي شاعر مصري عاش في القرن 19 بمصر، ولقب بأمير الشعراء، ديوان أحمد شوقي: صادر بتاريخ:1988 ، دار العودة ـ بيروت؛
وليد خالد أحمد،التسامح في الخطاب الفكري العربي، موقع آفاق للدراسات والبحوث؛[39]
[40]هوأبو بكر محي الدين محمد بن علي بن محمد الحاتمي المعروف بابن عربي المكنى بالطائي، ولد في مرسية بالأندلس 1165 م وتوفي بدمشق سنة :1240 م، أحد كبار الصوفة (الفتوحات المكية، منشورات محمد عالي بيضون،ط1،1999، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان، م1 ، ص: 2 ؛
ابن عربي، الفتوحات المكية، المصدر السابق ، ص: 12 ؛[41]
ابن عربي، الفتوحات المكية، مجلد 3،ط1،1999 ، دار الكتب العلمية، بيروت ـ لبنان، ص:400 ؛[42]
محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي،ط1،1986 ، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء،ص:366 ؛ [43]
أبو بكر محمد الكلابادي،التعرف لمذهب أهل التصوف،ط1 ،2005 دار الإيمان، دمشق ـ سوريا، ص:26؛[44]
