الخارطة السياسية الحزبية الملتبسة: ومخاطرها على مستقبل التحول السياسي الديمقراطي في موريتانيا :
د . ديدي ولد السالك / باحث في مجال العلاقات الدولية
didisaleck@yahoo.com
تعرف الحياة السياسية في موريتانيا منذ تغيير الثالث من أغسطس 2005 حراكا سياسيا غير مسبوق في تاريخها المعاصر، مدفوعا بالأمل الذي جاء به هذا التغيير، وشعور الأغلبية بأهمية العمل على إصلاح أوضاع البلد وإخراجه من الأزمات التي ظل يتخبط فيها منذ نشأته، و التي تعمقت بشكل متسارع في العقود الأخيرة من القرن العشرين، بفعل السياسات العرجاء التي انتهجتها الأنظمة العسكرية المتعاقبة على السلطة بصفة عامة، ونظام الفساد والإفساد الطائعي بصفة خاصة .
ورغم أن كل الأطراف السياسية وحتى غير السياسية عبرت عن نفسها في شكل أحزاب سياسية باستثناء التيار الإسلامي- الذي رفض المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية الترخيص له كسلفه ولد الطائع للتعبير عن نفسه – فإن ذلك لم يعطنا بعد خارطة سياسية ناضجة ومتكاملة الملامح، بل أعطانا خارطة سياسية غامضة التوجهات ومتغيرة الملامح، ومغايرة في شكلها ومضمونها، لما هو موجود في دول العالم، كمغايرة الوضع الموريتاني لكل ما هو موجود في العالم .
فالخارطة السياسية التي بدأت ملامح تشكلها تتضح شيئا فشيئا، مع آخر مولود يظهر فيها، وهو حزب فرسان التغيير “حماة”، الذي أوصل عددها إلى 33 حزبا سياسيا، هي عبارة عن فسيفساء – لا لون و لا طعم له في الغالب – مما يجعل مآلات الحراك السياسي المندفع بسرعة، الذي صاحب تغيير 3 من أغسطس، غير واضح المعالم حتى الآن، ذلك أن الناظر إلى هذا الحراك السياسي المندفع، والخارطة الحزبية الجديدة المنبثقة عنه، سيصاب بالتشاؤم، ويعرف أن نتائج هذا التحول السياسي غير مضمونة النتائج، كما يجعل كذلك التفاؤل والآمال التي صاحبت هذا التغيير في الوصول إلى ديمقراطية حقيقية ومستقرة، إما أنها في غير محلها أو أن النتائج المرجوة من هذا التحول قد لا تكون على قدر تلك الآمال، وذلك ما تظهره نظرة فاحصة على الخارطة الحزبية التي تشكلت ملامحها خلال الأشهر الستة الأخيرة :
1 – المجموعة الأولى ضمن هذه الخارطة الحزبية المعقدة، هي الأحزاب التي كانت في المعارضة، وتأسس بعضها في الأصل على خلفية أيديولوجية، وهي في أغلبيتها أحزاب سياسية تمتلك مشروعا سياسيا متكاملا، وقامت على أسس حزبية موضوعية، ويحركها الحرص على مستقبل البلد وضرورة إيصاله إلى بر الأمان، ويمكن إضافة بعض الأحزاب – التي تأسست بعد التغيير – إلى هذه المجوعة وخاصة حزبي “تمام و”حماة”، وإن كانت هذه النوعية من الأحزاب، قليلة جدا على الساحة الوطنية مقارنة مع الأحزاب الأخرى التي تكاثرت كالفطر في الفترة الأخيرة، وكان وراء قيامها أسباب ليس من بينها قطعا الحرص على المصلحة الوطنية .
2 – المجموعة الثانية هي أحزاب ما كان يعرف “بأحزاب الأغلبية الرئاسية”، وهي أحزاب “تجميلية” “DES PARTIS COSMETIQUES” في الأصل، أنشأها نظام “المافيا” السابق لتشريع ممارساته المشينة ضد الوطن والمواطن، وكلها كانت تدور في فلك الحزب الجمهوري سيئ الذكر، وتعمل في الوقت الحالي جاهدة للمحافظة على المكاسب التي تحققت لها في ظل عهد نظام الفساد والإفساد الطائعي، حيث تسعى بكل قواها من أجل التموقع من جديد في الساحة السياسية الوطنية، للمحافظة على تلك المكاسب، أو لاستعادة “أمجاد” ضاعت منها، ظن أصحابها في لحظة زمنية معينة أنها ستبقى لهم مدى الحياة .
3 – بينما تمثل المجموعة الثالثة ضمن الخارطة السياسية الحزبية، تلك الأحزاب التي خرج أصحابها حديثا من رحم الحزب الجمهوري، وأقاموا لهم أحزابا خاصة بهم على أسس قبلية وجهوية، وهذه النوعية من الأحزاب، انتشرت بشكل واسع على الساحة الوطنية في الأشهر الأخيرة، حيث لا يحرك أصحاب هذه الأحزاب في الغالب، إلا انتماءاتهم القبلية والجهوية، أو حب الوصول إلى السلطة مهما كان الثمن.
4 – أما الأحزاب الأخطر داخل الخارطة السياسية الجديدة في موريتانيا، فهي تلك الأحزاب التي أقامها بعض رموز “مافيا” ولد الطائع، وعلى رأس هذه المجموعة الحزب الجمهوري بثوبه الجديد ، سعيا منهم لتجديد جلودهم الملطخة بالفساد، أو محاولة منهم للتستر تحت عناوين حزبية جديدة، لينساهم عامة الشعب المسكين، الذي دمروا قيمه ونهبوا خياراته بشكل منظم طيلة العقدين الماضيين .
وقد ترتب على هذه الخارطة السياسية الجديدة، ظهور خريطة سياسية حزبية ملتبسة ومعقدة، ملتبسة لتداخل المواقع بين الأحزاب الوطنية التي يقودها وطنيون شرفاء، ويسعون للصالح العام، وأحزاب يقودها بعض رموز “مافيا” الارتزاق والفساد، وهي عبارة عن واجهات لتلك “المافيا”، التي عاثت في البلد فسادا، طيلة حكم نظام الفساد والإفساد الطائعي، ومعقدة لكثرة الأحزاب السياسية فيها وتحولها جميعا إلى أحزاب قزمية، الكثير منها لا يمتلك مقرات ولا حتى عناوين، مما زاد في صعوبة مهمة عامة المواطنين في تحديد هويتها وإمكانية الاختيار بينها عند حلول المواسم الانتخابية القادمة .
لكن هذه الخارطة السياسية الملتبسة والمعقدة وتلوناتها الحزبية الكثيرة والهشة، لها انعكاسات خطيرة على مستقبل التحولات الديمقراطية الجارية في موريتانيا، كما ستكون لها تأثيرات وتداعيات سلبية على مستقبل العمل السياسي بصفة عامة وتسيير الشأن العام بصفة خاصة، ومن أبرز الانعكاسات والتداعيات ما يلي :
أ- أتاحت هذه الخريطة الحزبية المعقدة والمتداخلة والجو السياسي غير السليم والملتبس الناتج عنها، “لمافيا” نظام الفساد والإفساد الطائعي، العمل على تجديد نفسها، مستفيدة في ذلك من عدم جدية المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية، في مكافحة الفساد ومعاقبة تلك “المافيا” على الجرائم التي ارتكبتها في الماضي، ومعالجة آثار تلك الجرائم بجدية كافية، تمكن من محو آثارها، لأن المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية لو كان جادا فعلا في تطبيق شعاري العدالة والديمقراطية، لحول هذه “المافيا” إلى العدالة لتقول فيها كلمتها، وهو الأمر الذي كان كفيلا بتطهير الساحة السياسية من نشاطاتها الهدامة، وترك الساحة السياسية الحزبية، تتشكل من جديد على أسس موضوعية، معاييرها الوطنية والنزاهة والمبدئية والسعي في خدمة المصلحة العامة .
ب – كما أن الخارطة الحزبية بشكلها الراهن، ستربك عمل نشاط رئيس الدولة في المستقبل، لأنه في ظل ديمقراطية حقيقية، ومع هذا الكم الهائل من الأحزاب السياسية، سيكون أي مرشح للرئاسة في المستقبل، مضطرا لعقد مجموعة من التحالفات مع عدد كبير من هذه الأحزاب، مما يجعله بعد انتخابه رئيسا للجمهورية مقيدا في حركته، نتيجة الالتزامات والوعود التي قطعها على نفسه لشركائه في التحالف السياسي، ونتيجة لكثرة أطراف التحالف، قد يؤدي ذلك إلى التناقض في مضامين الالتزامات، مما يربك عمل رئيس السلطة التنفيذية ويبعثر جهوده، لمحاولته الوفاء بالتزامات كثيرة ومتناقضة في شكلها ومضمونها .
ج – لكن الانعكاسات الخطيرة والسلبية للخارطة السياسية الحزبية المعقدة والملتبسة، سيكون على استقرار العمل الحكومي، لأنه من المرجح أن تتمخض هذه الخارطة الحزبية كثيرة التلوينات السياسية، عن برلمان فسيفسائي لا يمتلك فيه أي حزب أغلبية مطلقة، كما أن كثرة الأحزاب السياسية سيؤدي إلى تغيير التحالفات السياسية بسرعة، الأمر الذي سينعكس على استقرار الحكومة، لأن الاستقرار الحكومي يتطلب برلمانا مستقرا، وهو ما يتطلب بدوره، توفر الحكومة على الأغلبية في ذلك البرلمان، كما أن تعدد الولاءات السياسية للنواب، سيساهم في عرقلة تمرير القوانين أو يعطلها عن الصدور، مما يزيد في تعطيل عمل الحكومة، وعدم استقرار الحكومة وتأخير إصدار القوانين أو تعطيلها نهائيا، يعرقل العمل التنفيذي والتشريعي معا ، وهذه العوامل مجتمعة تعيق سرعة عجلة التنمية بعرقلتها لسير وسرعة تنفيذ المشاريع، وهي كلها أمور متوقعة في ظل الخارطة الحزبية الحالية، ويعني وقوعها في المستقبل دخول البلد في حلقة مفرغة من عدم الاستقرار الدائم، ومن البديهي أن أوضاع موريتانيا الراهنة، التي أقل ما يقال عنها أنها أوضاع مأساوية، لا يمكن أن تحتمل شيئا من هذا القبيل .
كل هذه المعطيات تجعل مآلات الحراك السياسي الجاري في ظل المرحلة الانتقالية غير مضمونة، وغير معروفة النتائج، مما يتطلب من كل الفاعلين السياسيين التنبه لذلك والاستعداد له في المستقبل، من أجل إيجاد الآليات والوسائل القانونية والسياسية لمواجهة مخاطره في حالة حصوله، لكي لا تدخل موريتانيا في المستقبل في حلقة مفرغة من عدم الاستقرار .
