التقرير التركيبي لندوة : العلاقات الموريتانية بين عمق التاريخ وتحديات المستقبل : أي نموذج للشراكة ؟ (من أجل شراكة متقدمة بين المغرب وموريتانيا).
لقد بينت تجربة القرن العشرين، أن نهضة الأمم والشعوب مرهونة باستنهاض همم أبنائها ، واستثمار المعرفة وأدوات البحث العلمي في تجميع طاقاتها من أجل تحقيق أهداف التنمية، كما برهن تاريخ المجتمعات ،قديما وحديثا، أن التنسيق والتعاون بين الدولة والشعوب المتجاورة هو أفضل سبيل لازدهارها، وأن لا شيء أضمن لذلك من ترسيخ قيم الحرية والعدل الاجتماعي باعتبارهما جوهر الإنسانية ، فالطاقات القصوى للعقل لا تتفجر إلا في فضاء حرية الفكر وحرية التعبير ، وبعد تحقق رهان التنمية المجتمعية ، التنمية التي يحوز فيها البحث العلمي والتخطيط الاستراتيجي عناية أهل الفكر و السياسة والاقتصاد .
لذلك ومن أجل الدفع بجهود البحث العلمي والتخطيط الاستراتيجي في منطقة المغرب العربي إلى الأمام ، ومن أجل تنمية روابط العمل المشترك بين المهتمين ، وإسهاما في تعزيز الجهود القائمة ، وبلورة مداخل جديدة لجهود أخري تطور وتكمل ما هو قائم، نظم المركز المغاربي للدراسات الاستراتيجية، ندوة علمية، ضمت لفيفا من الخبراء والباحثين في مختلف ميادين البحث العلمي ممن امتلكوا تجارب غنية في مجالاتهم عبر تطوير ومتابعة البحث في عدد من الجامعات المغربية ، إضافة إلى كوكبة من الأساتذة والخبراء الموريتانيين ممن اسهموا في بناء السياسات الثقافية والاقتصادية في البلد عبر مراحل مختلفة ، وقد تعززت جهود النخبتين بآراء مستنيرة ، واقتراحات جادة تضمنتها مداخلات عديدة لنخب موريتانية من جميع الأعمار والمشارب الفكرية ، وذلك خلال يومين من النقاش الصريح والجريء خلال خمس جلسات علمية تضمنت عشرة عروض في التاريخ والاجتماع والاقتصاد والسياسة ، هدفت جميعها إلى بلورة رؤية مشتركة للعلاقات الموريتانية المغربية في تشابك لحظاتها الثلاث ، فقد تم استنطاق تاريخ هذا العلاقات الغني بالأحداث والتفاعلات المختلفة ، كما جري استعراض واقعها ومقارنته بواقع دول ومنظمات أخرى ، وذلك لاستشراف آفاقها الواعدة بمزيد من الشراكة والاندماج وسط عالم لا يعرف الاستقرار تتجاذبه قوى اقليمية ودولية لا تعير اهتماما لغير مصالحها الخاصة ، عالم صارت الحروب والأزمات الاقتصادية الخانقة أبرز تجلياته .
العلاقات المغربية الموريتانية بين عمق التاريخ وتحديات المستقبل ( أي نموذج للشراكة ) هو عنوان الندوة ، والبحث عن آليات من أجل شراكة متقدمة هو هاجسها ومضمونها ، ذلك ما جعل البحوث والنقاشات تدور حول مقومات هذه الشراكة وحوافزها ، وحول تحدياتها ورهاناتها لتخلص إلى العديد من التوصيات التي تترجم الحرص على وضع تصور الندوة موضع التنفيذ ، وهو ما نسعى إليه من خلال وضع هذا التقرير بين يدي جميع المعنيين .
1-مقومات وحوافز الشراكة المغربية الموريتانية :
بعد فشل محاولات الاندماج المغاربي المتكررة، التي تمت خلال النصف الثاني من القرن العشرين، بداية بلقاء الاحزاب المغاربية بطنجة 1958 وانتهاء بتجربة اتحاد المغرب العربي، التي انطلقت من مراكش سنة 1989، رغم ما كان معلقا عليها من آمال، عملت أجيال متعاقبة على تحقيقها، فإنه من المتعين انطلاقا من تلك التجارب المتعثرة لاندماج بلدان المغرب العربي الكبير بشكل جماعي، البحث عن خيارات أخرى لبناء شراكات متقدمة بين بعض تلك الأقطار، التي تجمعها عوامل تعزز فرص نجاح التعاون والشراكات المتقدمة، كحالة موريتانيا والمغرب؛ فبالإضافة إلى عمق الروابط التاريخية والثقافية بين البلدين والامتدادات الاجتماعية بين الشعبين الموريتاني والمغربي، كأرضية صلبة يمكن أن تؤسس لبناء شراكة مفيدة وناجحة لصالح شعبي البلدين ، فالمغرب وموريتانيا حسب ما خلصت إليه عروض ونقاشات الندوة يمتلكان الكثيرة من الحوافز التي من شأن استغلالها أن يتيح إقامة شراكة راسخة ، فالثقافة المشتركة والامتداد الاجتماعي الواحد إذا ما تعززا بموقع استراتيجي مهم للدولتين ، وبإمكانات هائلة من الثروات الاقتصادية والبشرية كانا مدخلا آمنا لشراكة متقدمة تحقق نقلة كبيرة اجتماعيا واقتصاديا ستمتد آثارها إلى افريقيا ، وحتى إلى الضفة الأخرى للمتوسط ، وفي هذا الإطار بينت العروض والنقاشات كيف سيتغير وجه المنطقة ، وخارطة العلاقات البينية والخارجية في هذه المنطقة عندما نؤسس لشراكة فاعلة من هذا النوع ، فشروط الحوار مع الشركاء ستتعزز فيكون مردود الاتفاقيات أكبر مما هو عليه الآن في ظل حوار كل طرف منفرد ، وهذا ما ينطبق تماما على الحوارات مع الاتحاد الأوربي في مجال الصيد الذي يحاور كقوة اقتصادية واحدة ، ونفس الشيء تقريبا بالنسبة لأي حوار مع الأطراف الاقتصادية الفاعلة في العالم سواء كانت منظمات ، أو دول قوية اقتصاديا وعسكريا ( الولايات المتحدة الأمريكية – الصين – اليابان – روسيا ….) .
إن شراكة متقدمة بين المغرب وموريتانيا ،بالإضافة إلى فتحها فرصا عالية للاستثمار بين الدولتين نظرا لوفرة رأس المال والخبرات العلمية والفنية ، واتساع مجال حركة البضائع والتبادل التجاري بين الشعبين ، هي كذلك مدخل إلى افريقيا القارة البكر التي يتطلع العالم كله إلى خيراتها وأسواقها ، وإذا ما عززت الشراكة صلات الجالية المغربية المتطورة تقنيا وعلميا في أوربا بالجاليات الموريتانية ذات العدد الكبير والارتباطات الواسعة في افريقيا فإن ذلك سينعكس بشكل إيجابي كثيرا على الشعبين وعموم المنطقة ، وفي هذا الإطار ذكرت الندوة بتاريخ العلاقة المشتركة مع افريقيا ، ودعت إلى إحياء طرق التجارة القديمة بوسائل حديثة ومتطورة كمشاريع السكك الحديدية ، وبناء المطارات ، وتخديم مناطق الحدود المشتركة لتكون منارات لهذه الشراكة بين الشعبين ومع منطقة الغرب الإفريقي عامة .
إن التطورات الحاصلة في البلدين ، وشعورهما المشترك بخطر التحديات سيسهم في تسريع إقامة شراكة تكون نموذجا في المنطقة ، وفي هذا السياق ذكرت الندوة بأهمية النمو المتسارع لحركة المجتمع المدني في المغرب ، واكتسابه صفة دستورية وهو ما يشكل أحد دعامات صيانة هذه الشراكة خصوصا بعد أن تحذو منظمات المجتمع المدني في موريتانيا حذو نظيراتها المغربية ، وتستفيد من تجاربها لتطوير التجربة المدنية الموريتانية ، وتحريرها من سلبيات أنماط العلاقات الاجتماعية التقليدية شكلا ومضمونا ، كما أن تعزيز العلاقة بين الأوساط العلمية والجامعية ، وتطوير مراكز البحث العلمي وتبادل الخبرات يمثل هو الآخر حافزا ودعامة حيوية ، فالمخرجات العلمية للتجربة التعليمية في المغرب تشكل مدخلا للإصلاح التربوي المنشود والمتعثر في موريتانيا ، والذي يستنسخ من وقت لآخر تجارب تعليمية في بلدان أخرى لا تربطنا معها قواسم مشتركة كثيرة .
لقد بينت الندوة ما يمكن أن يمثله التاريخ المشترك من مقومات وحوافز ، لذلك دعت إلى إعادة قراءة مشتركة لهذا التاريخ بهدف تخليصه من تأثير النظرة الاستعمارية التي سعت دائما إلى توسيع الهوة بين الشعبين الشقيقين من خلال دفع المغاربة إلى الشمال ، وربط الموريتانيين كثيرا بالجنوب ، وفي هذا الإطار أجمعت العروض والمداخلات على أهمية كتابة درس بيداغوجي موحد لتاريخ العلاقة بين الشعبين ، وتوحيد رؤية الأجيال وإنارتها حول القضايا الاستراتيجية الكبرى في العلاقات الدولية حتى تشعر الأجيال الجديدة بضرورة الشراكة وبعمق الروابط وجسامة التحديات .
2التحديات الخارجية :
ركزت الندوة بشكل مستفيض ، خلال العروض والنقاشات ، على موضوع التحديات الداخلية والخارجية التي تتهد الدولتين وعموم المنطقة والعالم ، واعتبرت أن من أبرز هذه التحديات :
-ا لتخلف الاقتصادي والذهني الذي يحتم فشل المشاريع التنموية ، وقد بينت العروض ما سيكون من أثر إيجابي على معاش المواطن ، وتطور تعليمه وصحته إذا ما استغلت الإمكانات المشتركة المتوفرة بشكل موحد ، فالثروات الاقتصادية الموريتانية الكبيرة والخبرات التقنية والعلمية المغربية الوافرة هما أقصر طريق لرفع تحدي التخلف وحماية المجتمع من آثاره المدمرة التي تتمثل في هدر الطاقات وإضاعة الفرص .
– الهجرة السرية التي باتت تهدد بتحويل البلدين من مجال عبور إلى منطقة استقرار مما يؤثر سلبا على توازنات البنية الاجتماعية التي تجر إرثا من الهشاشة وعدم الانسجام يشكل انفجاره تهديدا جديا لاستقرار الدولتين ، ولذلك فإن الشراكة ستمكن من تقوية فرص مواجهة حازمة لآثار السياسة الأوربية السلبية في مجال الهجرة السرية .
– الإرهاب الذي غير نظرة العالم إلى المنطقة من نظرة أساسها التعايش والانفتاح وتبادل المنافع ، إلى نظرة قائمة على الشك والريبة سواء في علاقات الدول واستثماراتها ، أو في علاقتها بأبناء الجاليات المغربية المنتشرة في العالم ، فالإرهاب مع ما يحمله هذا المفهوم من ميوعة ، ومن إمكانية التوظيف السلبي قد أصبح الآن تحديا جديا وخطيرا بالنسبة لموريتانيا والمغرب، لذلك فإن شراكة متقدمة في مجال الأمن وتبادل المعلومات ، والتعاون للقبض على المجرمين الخطرين ومحاصرة انتشار الظاهرة عبر تجفيف منابعها الاقتصادية والفكرية تشكل اليوم حاجة ماسة للدولتين ولكل المنطقة .
-الأخطار البيئية والمجاعة والأمراض والحروب في المنطقة تحديات عابرة للحدود لا تمكن مواجهتها بالطرق التقليدية ، لذلك فإن الدول الكبرى تبحث باستمرار عن شركاء لمواجهة هذه التحديات ، فكيف ببلدين من بلدان العالم الثالث يواجهان المخاطر بشكل قد يفوق قدراتهما المشتركة .
لقد بينت عروض الندوة ونقاشاتها أن هذه التحديات ، وغيرها من تحديات التنمية المجتمعية كغياب روح المواطنة وثقافة التسامح والاقرار بالحق في الاختلاف ، وسياسة الاقصاء السياسي والحرمان الاقتصادي التي قد تمارسها الأنظمة ، كلها تحديات مشتركة لا سبيل إلى رفعها إلا بشراكة قوية مستندة إلى نظام مؤسسي محمي بقوى مدنية قوية ، ومسند بتعليم متطور ومنسجم مع حاجات الشعبين في الدولتين .
3- التوصيات : إن التحديات الخطيرة التي تواجه المغرب وموريتانيا ، وعموم بلدان العالم تفرض على الدولتين مزيدا من التعاون والاندماج ، فالجهود الفردية والسياسات الأحادية لم تعد قادرة على رفع تلك التحديات ، وفي سعيها لتحقيق شراكة متقدمة اقترحت الندوة جملة من التوصيات منها :
– استثمار أوجه التشابه والاختلاف في بناء علاقات قوية وفاعلة ومستقرة .
– تحديد الحاجيات بدقة لدى الجانبين للوصول إلى اعتماد متبادل ، وإعطاء الأولوية لدول الجوار .
– رسم تصور استراتيجي للعلاقة مع العمق العربي والإفريقي ، وللتعاون مع أوربا
– توحيد وجهات النظر حول القضايا الدولية
– تبني تدابير مشتركة لمواجهة المشاكل الأمنية في المنطقة
– خلق لجان قطاعية متخصصة لتطوير خدمات التعاون بين البلدين .
– النأي عن سياسة المحاور من خلال وضع خريطة طريق للعلاقات الثنائية تستجيب لمتطلبات المرحلة .
– اتباع سياسة تشجيع حسن الجوار وتسهيل التواصل بين الشعبين ( إلغاء التأشيرة مثلا )
– العمل على استقرار العلاقات الثنائية بين البلدين وتجاوز حالات الشك والريبة
– خلق لجان عليا مشتركة وتفعيل دور السفارات والقنصليات ومنحها الإمكانات اللازمة للعمل على تطوير العلاقات الثنائية .
– خلق جسور للتواصل بين قوى المجتمع المدني والسياسي والاقتصادي والمعرفي
– الاهتمام باقتصاد المعرفة وتشجيع البحث العلمي وتطوير آليات العمل المشترك من خلال العناية بمراكز البحث العلمي والاستراتيجي ومساعدة القائم منها وتشجيع انتشارها .
– كتابة درس بيداغوجي لتاريخ العلاقة المشتركة وتنمية وتوحيد رؤية الشباب حول قضايا المنطقة .
– الاهتمام بالدراسات الإنسانية والاستراتيجية لمواجهة التراجع في منسوب الانسانية والانفتاح الذي يواجه شباب هذه الفترة .
– تكليف مراكز البحث العملي بوضع مقاربات جادة حول التسامح والتعايش بين الأديان والثقافات .
– دعم المنظمات الحقوقية المهتمة بقضايا المرأة والشباب وبمشاكل التحولات الاجتماعية الناجمة عن التحول من مجتمع تقليدي إلى مجتمع حديث .
– تطوير بنى النقل لتسهيل حركة البضائع والأشخاص بين الدولتين .
الخاتمة :
إضافة إلى ما قدمته الندوة من عروض ونقاشات هادفة بلورت جميع أوجه وإشكالات العلاقة المغربية الموريتانية ،من خلال رصد تاريخها وتطوراتها ومآلاتها الممكنة ، وكذلك ما أوصت به من اقتراحات من شأنها رسم طريق لشراكة متقدمة ، ساهمت الندوة كذلك في مباشرة تطبيق ما دعت إليه من خلال توقيع عدد من اتفاقيات الشراكة بين المركز المغاربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية وعدد من نظرائه ،وكذلك عدة خطوات أخرى ، ومن ذلك مثلا :
– اتفاق شراكة مع المركز الدولي لتعزيز التعاون البين افريقي برئاسة الدكتورة سعيدة العثماني أستاذة العلاقات الدولية بجامعة عبدالمالك السعدي بطنجة .
-اتفاق شراكة مع المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية والحكامة الشاملة برئاسة الدكتور محمد حركات أستاذ الاقتصاد بجامعة محمد الخامس بالرباط .
– الإعلان عن تأسيس فريق مغاربي في البرلمان الموريتاني
