أزمة اندماج الدولة الوطنية وأزمة الأمن في الساحل، أية علاقة ؟
ديدي ولد السالك
ورقة مقدمة لندوة، انعكاسات أزمة الأمن في منطقة الساحل على بلدان المغرب العربي.
المنظم بنواكشوط، يومي 6 – 7 نوفمبر 2013.
تشهد منطقة الساحل الإفريقي أزمات متفاقمة، بعضها صاحب نشأة الدولة الوطنية منذ الاستقلال، وبعضها الآخر صاحب تطورها، لكن أن أغلبية تلك الأزمات أصبحت بنيوية، بشكل يهدد كيان الدولة الوطنية في هذه المنطقة من العالم، كما حصل مع السودان بتفككها وانقسامها إلى دولتين والأزمة المالية الأخيرة التي هددت كيانها وأعادت التدخل الدولي إلى المنطقة بشكله السافر وما سيترتب على ذلك من تبعات، قد يهدد السلم و الأمن على الصعيد العالمي، من خلال تهديدها المباشر للاستقرار بالمناطق الجغرافية المتاخمة والمتداخلة مع منطقة الساحل، كمنطقة المغرب العربي ومنطقة غرب إفريقيا ومنطقة إفريقيا جنوب الصحراء.
ومنطقة الساحل كما يتم تداولها اليوم في الإعلام كمدلول سياسي وحيز جغرافي محدد في القارة الإفريقية، اخترعته الاستراتيجيات الدولية المهتمة برسم خرائط المنطقة، وهي الشريط الجغرافي الممتدة من شواطئ نواكشوط غربا على المحيط الأطلسي إلى بور سودان على شواطئ البحر الأحمر شرقا، وهذا الإقليم يمتد على مسافة 2400 ميل من المحيط الأطلسي في الغرب إلى البحر الأحمر في شرق إفريقيا في حزام يتراوح عرضه من عدة مئات إلى ألف كيلومتر ، تغطي مساحة 3053200 كيلومتر مربع تقريبا ، وتتميز بمناخ قاسٍ وشبه قاحل وتقع جنوب الصحراء الكبرى إلى الشما ل، أي أنها تتداخل مع منطقة المغرب العربي عبر الأراضي الموريتانية لوجودها من ضمن دول هذه المنطقة، وبالتالي تلي جغرافيا شمال إفريقيا وتتميز بخصائص جغرافية وبيئية وثقافية متشابهة ، وتقطنها مجموعات سكانية وحضرية لا تختلف كثيرا من دولة إلي أخرى ، من حيث أنماط العيش والتعايش بين القبائل والمستوي المعيشي وعلاقات السكان بالدولة
المركزية، وتضم كل من موريتانيا ومالي والنيجر وبوركينافاسو وتشاد والسودان وإريتريا، وينبغي التنبيه هنا إلى أن جغرافية منطقة الساحل تضيق وتتسع كمجال جغرافي حسب احتياجات أصحاب الاستراتيجيات الدولية التي حددت هذه المنطقة أصلا ، وكذلك الاستخدامات السياسية والإعلامية التي تتعامل معها، والتي يغلب على أصحابها عدم الاختصاص، مما يؤدي في كثير من الأحيان إلى لبس في حدود المنطقة من الناحية الجغرافية، وغموض في دلالاتها السياسية.
وتعود جذور أزمة اندماج الدولة الوطنية في إفريقيا عموما ومنطقة الساحل خصوصا، إلى الطريقة التي تم بها تكوين تلك الدولة، والسياسات الاستعمارية التي كانت وراء قيامها، حيث لم تراع في تأسيسها المعطيات الموضوعية للجغرافيا البشرية، بل قامت بتقسيمها وفقا لما يخدم استراتيجياتها البعيدة ومصالحها القريبة، وتقطيع القوميات بين هذه الدول وتشتيت كياناتها الاجتماعية، مما ولد صراعات دائمة داخل هذه البلدان وفيما بينها، كما أن السياسات الاستعمارية ركزت الخدمات والبنى التحتية على تواضعها في عواصم هذه البلدان، تاركة وراءها فراغات جغرافية واختلالات في الكثافة السكانية في مختلف مناطق البلد الواحد، حيث تركزت في الغالب في جنوب البلد باستثناء الحالة السودانية، وهذه الاختلالات البنيوية التي صاحبت قيام الدولة الوطنية في منطقة الساحل، شكلت عراقيل جوهرية أمام بناء مشروع دولة وطنية حديثة قادرة على النمو والتطور، الأمر الذي أدى إلى فشلها في تحقيق أهداف التنمية، وبالنتيجة الفشل في بناء هوية ثقافية وطنية متجانسة تساعد السلطة القائمة على التفرغ لمعركة التنمية ، كما عجزت هذه البلدان عن بناء هويات سياسية متميزة، تساهم في بناء مشروعها الوطني وتجنبها الصراعات والحروب التي انزلقت إليها خلال العقود الماضية.
وهو ما يعني أن أزمة الأمن المتفاقمة في منطقة الساحل، ليست إلا مظهرا وتجليا من تجليات أزمة اندماج الدولة الوطنية في هذه المنطقة، فالعجز عن تحقيق الاندماج والتجانس الثقافي، هو الذي ولد الصراعات العرقية بدافع التعصب للهوية الثقافية، والفشل في تحقيق أهداف التنمية نتيجة انتشار الفساد السياسي والإداري والمالي، الذي زاد بدوره من حدة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية كالفقر والبطالة والشعور بالحرمان، وهي عوامل تغذي النزعات لشعور الأغلبية بالانسحاق أمام الأقلية، لكن الفشل في بناء هوية سياسية وطنية تساعد على خلق توافق وطني حول المرجعيات الأساسية المطلوبة في العقد الاجتماعي لبناء دولة المواطنة، هو أخطر هذه العوامل باعتباره يشكل الخلفية لكل هذه الأزمات.
فالفراغ الجغرافي ساعد على دخول الحركات الجهادية وسهل تنامي ومرور منظمات الجريمة المنظمة، والفساد المالي والإداري ساعدها على التركز وممارسة نشاطها ، وأوجد الحاضنة الاجتماعية لتطورها، كما خلق البيئية النفسية والسياسية للصراعات العرقية والحروب الأهلية، وسنحاول تعميق كل ذلك من خلال المحاور التالية:
المحور الأول : جذور وخلفيات : أزمة اندماج الدولة الوطنية في الساحل.
إن ولادة الدولة في منطقة الساحل الإفريقي لم تكن ولادة طبيعية، وإنما تعود إلى السياسات الاستعمارية في إفريقيا خلال خمسينات وستينيات القرن العشرين، حيث قام هذا الاستعمار بخلق هذه الكيانات وفقا لسياساته واستراتيجياته في القارة الإفريقية، حيث قام الاستعمار بتقسيم مصطنع لهذه القارة وفقا لمخططات ومنطلقات مؤتمر برلين 1884-1885، وعليه، فإن ما حصل في منطقة الساحل الإفريقي كان نتيجة طبيعية لسياسات تلك الفترة :
أولا – استمرار تأثير مخلفات السياسة الاستعمارية.
إن السياسات الاستعمارية التي خلقت كيان الدولة في منطقة الساحل بعيدا عن المعطيات البشرية الموضوعية، التي تراعي التجانس الثقافي البشري والعرقي، ومعطيات الجغرافيا من حيث الموارد وإمكانية استغلالها، جعلت الدول الإفريقية عموما وبلدان منطقة الساحل خصوصا، تبرز إلى الوجود ككيانات مصطنعة تعاني كثير من المشاكل البنيوية، ودول منطقة الساحل نموذجا لذلك، مما حال دون اندماجها وتطورها خلال العقود الماضية، وجعلها عرضة لعدم الاستقرار وتلاحق الأزمات، ومع الزمن تفاقمت تلك الأزمات حتى أصبحت تهدد كيانها، حيث ظلت تعاني من الصراعات العرقية والحروب الأهلية.
فمراهنة القوة الاستعمارية إثناء فترة التواجد الاستعماري في منطقة الساحل على تغذية الصراعات العرقية و التفرقة الاجتماعية امتدت أثارها إلى ما بعد الاستقلال، فغذت الكثير من الصراعات العرقية والحروب الأهلية المندلعة ببعض هذه الدول واستمرارها، كالحالة السودانية واتشادية والنيجرية والمالية، حيث كانت إحدى دعائم سياسة الدول الاستعمارية قائمة على سياسة فرق تسد، عبر زرع بذور الفتنة والصراعات بين القبائل والمجموعات العرقية المكونة للسكان الأصليين، بالعمل على تعميق تلك الخلافات والنزاعات لتستمر بعد رحيله، ليستغلها كأداة من أدوات استمرار نفوذه في هذه البلدان.
كما أن السياسات الاستعمارية خلال تقسيمها للدول الأفريقية، لم تراع امتدادات الجماعات الاثنية وتوزيعها في الجغرافيا الطبيعية، وقام برسم خرائط الدول دون أن يهتم بالبشر الذين يعيشون على هذه الأراضي، وخير دليل على ذلك وضعية الطوارق، الذين يتقسمون الآن بين خمس دول في الشمال والغرب الأفريقي، حيث يتوزعون بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو، والجزائر وليبيا ، هذا بالإضافة إلى وجود مجموعة صغيرة منهم في المغرب، ومجموعات من الرحل يتنقلون بين مالي وموريتانيا، مما جعلهم عرضة للتهميش والإقصاء والحرمان، فالطوارق اليوم يعانون في هذه الدول من العديد من المشكلات فمناطقهم بعيدة عن التنمية ولا تحظى باهتمام الحكومات، مما جعلهم في حالة تمرد دائم، في كل من النيجر ومالي ، وهي نفس الأسباب التي أدت إلى الصراعات السياسية والاجتماعية في كل دول المنطقة، التي وصلت إلى حد الحرب الأهلية المستمرة في كل من السودان واتشاد.
وبدل أن يقوم المجتمع الدولي بمعالجة مخلفات السياسية الاستعمارية في القارة الإفريقية، لتخفيف من حدة الصراعات العرقية خاصة التنظيم الإقليمي الإفريقي المعني مباشرة بالموضوع، قامت منظمة الوحدة الأفريقية بعد تأسيسها في ستينيات القرن العشرين، بتكريس هذا الوضع بفعل السياسات التي أتبعتها بهذا الخصوص، والتي من أبرزها قرارها ، القاضي بالنص في ميثاقها على عدم المساس بالحدود الموروثة عن الاستعمار، سعيا منها لتحقيق الاستقرار في دول القارة.
وهذا التعدد العرقي والثقافي مع هشاشة مقومات الدولة أصلا، أدى إلى فشل الدولة الوطنية في منطقة الساحل الأفريقي، في استيعاب الاختلافات القائمة بين الجماعات المكونة لها، لغياب دولة القانون والمواطنة وسيادة دولة الفرد، مما دفع بهذه الجماعات إلى التقوقع حول انتماءاتها الأولية، أي العودة إلى الأطر القبلية والاحتماء بالانتماءات الاثنية والطائفية، على حساب انتمائها للدولة الوطنية، وظهور تطلعات للجماعات الاثنية لإيجاد دول وأوطان خاصة بها، الأمر الذي أدى في النهاية إلى تفكك دولة السودان وانقسامها إلى دولتين، وكذلك انهيار الدولة في مالي الذي اضطر فرنسا للتدخل العسكري المباشر فيها لإعادتها للوجود الفعلي، وتبقى كل دول المنطقة الأخرى مرشحة لنفس المصير، إذا لم تتم معالجة أوضاع التعايش العرقي فيها وإقامة بها دولة الحق والقانون وتكريس دولة المواطنة في مواجهة دولة الفرد .
ثانيا – عدم الاستقرار السياسي.
تميزت منطقة الساحل الإفريقي بعدم الاستقرار السياسي المزمن، ليس فقط بسبب الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الصعبة والمتأزمة، بفعل غياب مقومات الدولة الفعلية، وإنما بفعل كثرة الانقلابات العسكرية، التي اجتاحت هذه المنطقة من العالم، حيث سجل بعضها أرقاما قياسية في مجال الانقلابات العسكرية، كالحالة الموريتانية التي زادت فيها الانقلابات على خمسة عشرة انقلابا بين ناجح وفاشل، وكان آخرها انقلاب 6 أغشت 2008، والذي جاء بعده الانقلاب العسكري في مالي عام 2012، ومن المعروف أن الانقلابات العسكرية، هي أكثر عوامل عدم الاستقرار خطورة على التنمية في الدولة، لأنها تقضي على الاستمرارية المؤسسية والتراكم في مجال الخبرة، كما يتسبب المناخ المصاحب للانقلابات عادة في هروب رؤوس الأموال الوطنية إلى الخارج وتوقف تدفق الاستثمارات الخارجية، وكذلك هجرة الأدمغة العلمية وتعطل دورها، بفعل غياب الحريات وسيادة مناخ الخوف، بالإضافة إلى ما صاحب حكم العسكر في العالم من فساد مالي وإداري، الذي هو المعطل الأول للتنمية، حيث أشار تقرير خبراء البنك الدولي عام 1989 ، إلى أن )أزمة التنمية في إفريقيا هي أزمة حكامة، وأن الفساد المالي والإداري هو الأكثر تأثيرا على مسار التنمية في هذه القارة( .
وينبغي التنبيه إلى أن الانقلابات العسكرية في دول منطقة الساحل، لم تكن ذات طابع عرقي أو بدافع عنصري دائما ، وإنما كانت مظهرا لفشل الدولة في إفريقيا عموما وفي منطقة الساحل بشكل أخص، في تحقيق أهداف التنمية والعجز عن تجسيد الاندماج الوطني والاعتراف بحقوق الأقليات وتكريس قيم المواطنة والمساواة وتساوي الفرص، حيث مرت هذه الدولة وما زالت تمر بأزمات عميقة ومتزايدة الحدة، تشمل كافة أبنيتها ومؤسساتها، السياسية منها والمدنية، وتلقى بآثارها السلبية ليس فقط على حسن أدائها لوظائفها وعلى قاعدة شرعيتها، وإنما على حقيقة وجودها في حد ذاته، إذ تثور التساؤلات عما إذا كانت الدولة في منطقة الساحل حقيقة، كمؤسسة اجتماعية سياسية أم أنها مؤسسات صورية مقطوعة الصلة بالواقع الاجتماعي الذي يجد لنفسه تعبيرات أخرى وفقا لظروفه ومؤسساته الخاصة ، وهذه البيئية المتأزمة اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا، هي الحاضنة الطبيعية للانقلابات العسكرية الحاملة لعدم الاستقرار السياسي.
ثالثا– استمرار التبعية للخارج والتدخل الأجنبي.
لقد كان من الطبيعي استمرار تبعية دول منطقة الساحل للخارج ، حيث كانت هذه الدول صنيعة إرادة الاستعمار كما سبقت الإشارة، مما جعله يتحكم في سياساتها ويتحكم في خياراتها ويوجهها وفقا لمصالحه، وقد ساعد في استمرار ذلك عدم قدرة هذه البلدان على بناء سياسات وطنية اعتمادا على جهودها الذاتية ووفقا لرؤية تخدم مصالحها وتمكنها من تركيز مقومات الدولة بها، وتحقق التنمية والاندماج الوطني وتكرس الهوية الوطنية وتعزز الانتماء الوطني، بعيدا عن إرادة دولة الاستعمار وسياساتها .
والمفارقة أن دول منطقة الساحل بدل أن تعمل على تدعيم استقلالها الوطني وتعزز من التعاون فيما بينها، زادت تبعيتها للخارج، بعجزها عن بناء اقتصاد وطني منتج، يمكن أن يشكل دعامة للتعاون جنوب – جنوب، بل لقد تعمقت وترسخت أنماط التبعية للخارج، خلال العقود الماضية، من التبعية الغذائية إلى التبعية الثقافية والسياسية، وما أزمة المديونية الخارجية التي تفجرت في ثمانينيات القرن العشرين إلا اصدق دليل على حجم التبعية للخارج.
ودول منطقة الساحل ليس قرارها مرتهنا للسياسات الدولية فحسب، بل أن سياساتها ليست إلا تمظهرا للإرادة الخارجية، وتنفيذا لأجندات القوى النافذة دوليا ، وما التدخل العسكري الفرنسي الأخير في مالي، إلا تجليا لتلك التبعية والعجز المستمر عن حماية المصالح الوطنية وفقدان السيادة في أبرز مظاهره، ، بحيث تحولت الدولة في كثير من الأحيان في منطقة الساحل إلى وسيط بين الداخل والخارج أكثر منها فاعلا إيجابيا، يخدم الوحدة الوطنية ويسعى لتعزيز السيادة، ويعمل لتحقيق أهداف التنمية.
رابعا – الجغرافيا كتحدي في وجه الاندماج الوطني.
من بين الخصائص الكثيرة التي تشترك فيها دول منطقة الساحل، شساعة مساحتها الجغرافية وقلة سكانها، باستثناء السودان من بين هذه الدول، التي تتميز بكبر المساحة وكثافة السكان نسبيا، وتليها موريتانيا من حيث حجم المساحة الجغرافية وتختلف عنها في قلة السكان وتركزهم في مناطق قليلة من المجال الجغرافي، والطابع العام لأغلبية دول المنطقة هو، أن أكثرية مساحاتها الجغرافية صحاري قاحلة خاصة موريتانيا ومالي والنيجر، مما يجعل أغلبية سكان هذه الدول تتركز في مناطق محددة ومحصورة من مساحة الدولة، وبالتالي بقاء جل المساحات الجغرافية غير مأهولة بالسكان، وهذا الوضع زاد في صعوبة مهمة الدول الإفريقية عموما ودول منطقة الساحل خصوصا، كعائق أمام الاندماج الوطني لتشتت السكان في مناطق متباعدة ومعزولة عن بعضها البعض، مما حال دون التواصل البشري المكثف كعامل مساعد على الاندماج الثقافي والاجتماعي المساعد على التعايش والتجانس المجتمعي، كما أنه شكل تحديا أمام السياسات التنموية، لأن سعة المجال الجغرافي تزيد تكاليف مشاريع البنية التحية، إذا لم تجعلها مستحيلة لضعف الإمكانيات الاقتصادية، والفقر في الخبرة البشرية.
وقد زاد في صعوبة مهمة الحكومات في هذه الدول الساعية لتحقيق التنمية والاندماج الوطني، ما قام به الاستعمار خلال فترة تواجده الطويل بالمنطقة، عبر إقامته للعاصمة والحواضر الأساسية في الجنوب، وبالتالي تركز كل مشاريع البنية التحتية والاعمار في جنوب هذه البلدان، ومن الطبيعي أن تكون الحياة السياسية والنشاط الاقتصادي متمحورة حول العاصمة، مما سهام في إفراغ المناطق الأخرى عبر الهجرة المكثفة من الريف إلى المدن، وزاد في تعميق المشاكل البنيوية التي تعاني منها هذه الدول أصلا، بقضائه على الاقتصاد الريفي الذي هو العمود الفقري لاقتصاديات هذه البلدان، وتحويل القوة العاملة في هذا الريف إلى عاطلين عن العمل وعالة على المدن الحديثة، مما خلق الكثير من المشاكل والأزمات الاجتماعية، التي شكلت بيئة صالحة لوجود وتنامي الجريمة المنظمة.
المحور الثاني : أزمة الهوية : مظهر لتكريس أزمة اندماج الدولة الوطنية في الساحل.
لقد قام الاستعمار بإيجاد كيان الدولة الوطنية في منطقة الساحل دون مراعاة أي معطيات بشرية أو جغرافية، كما سبق أن رأينا، أي أن هذه الدولة لم تتأسس وفقا لرؤية ومصالح أبنائها واستجابة لاحتياجاتهم وهمومهم، ليكون ذلك دافعا لهم لبناء وطن متجانس يمتلك أبناءه القدرة على العيش في وطن يشعرون بالانتماء إليه فعلا لا كرها، استجابة لماضي مشترك وتطلعا لمستقبل واحد يضمن لهم العزة والكرامة والإحساس بالأمان، لكن غياب الإرادة عند التأسيس وانعدام الرؤية والنموذج الذي ينبغي لهذه الدولة احتذاءه، جعلها تعجز عن بناء هوية سواء في بعدها الثقافي والاجتماعي أو في بعدها السياسي، وبفعل العجز عن بناء هذه الهوية الجامعة، فشلت الدولة الوطنية في منطقة الساحل في تحقيق الاندماج بين مختلف المكونات الاثنية والعرقية وحتى الشرائحية والفئوية وتحولها إلى دولة رخوة، أصبحت القبائل والمجموعات العرقية هي وحدات التنظيم الاجتماعي والسياسي الأساسية الناظمة لكل التفاعلات، الأمر الذي أدى إلى تلاشي فكرة الدولة إلى حدود سلطة شخصية مطلقة تمارس وتحتكر العنف المنظم وتوزع ريع الدولة وتوزع على إتباعها الغنائم ” الريع العام ” .
في حين يعرف ماكس فيبر الدولة، بأنها :)سلطة الحكم الممارس على إقليم معين، مع احتكار للعنف المشروع( ، لكن قيام دولة بهذا المفهوم التقليدي لا يضمن قيام دولة وطنية قادرة على الاستمرارية وتمتلك المقومات اللازمة للنهوض وبناء هوية ذاتية تدفع باتجاه الانسجام والتعايش المشترك، رغم أنه لا وجود لمجتمع ليست له مشكلة هوية، إنما يكون الاختلاف في المنسوب والحدة التي تبلغها تلك المشكلة؛ فسؤال الهوية حاضر باستمرار في كل مراحل وجود المجتمعات والدول التي تحتضنها، بغض النظر عن طبيعة وخصوصية المرحلة، ذلك أن إشكالية الهوية طرحت بحدة متفاوتة لكل الدول حديثة النشأة عبر العالم ، باعتبارها ظاهرة مرتبطة بالكيانات السياسية و الاجتماعية والثقافية حديثة التكوين ، فهي جزء من الصراعات بين تيارات مختلفة علي صيرورة المحصلة النهائية التي تمثل حالة الاستقرار النسبي للكيان الذي تنتمي إليه ، خاصة في منطقة جغرافية لم تعرف ظاهرة الدولة إلا بشكل متقطع عبر التاريخ، خاصة أن الدول الوطنية التي قامت بها كانت وليدة إرادة الاستعمار، ولم يكن لأبنائها أي دور يذكر في قيامها.
وإذا كان تحقق الهوية المشتركة هو الضامن الأساسي لاستمرارية الجماعة والدولة من ورائها والعنصر الحامي لكيانها خاصة الهوية السياسية، فإن الدولة الوطنية في منطقة الساحل فشلت في بناء تلك الهوية، بوصف الهوية:) هي مجموع العوامل التي تمنح الإنسان، بصفته الفردية، والمجتمع بصفته مجموعة روابط ، الشعور بالوجود والانتماء والمصير المشترك( . هذا الشعور يضمن استمرارية الجماعة، ويحمي كيانها، وحينما يختفي هذا الشعور تبدأ الجماعة في مواجهة مصير التفكك. ( وهذا يتطابق مع التعريف الذي يقدمه ماكس فيبر عندما يتحدث عن جماعات لديها إحساس بالأصل المشترك ( .
وعادة ما تركز الدراسات السوسيولوجية على الأنواع التالية من الهوية: الهوية الاجتماعية والثقافية والسياسية بوصفها الأكثر تأثيرا من غيرها على مسيرة الدولة وإمكانيات تطورها، لكن الخطير هو غياب الهوية السياسية، باعتبارها هي الضامن لاستمرارية الدولة، ولأن أغلبية دول العالم تعرف تعددا عرقيا ودينيا، ولم يكن ذلك سببا في تفككها، وبالتالي فظاهرة التعدد العرقي ليس حالة خاصة بالقارة الإفريقية ومنطقة الساحل بالذات وإن كانت أكثر بروزا في هذه المنطقة من العالم بفعل هشاشة الدولة الوطنية بها، وهو ما يعني أن هشاشة هذه الدولة وفشلها لا يعود إلى التعدد العرقي، لكن في ظل ضعف الدولة وترهلها تبرز إلى العيان ظاهرة الصراع العرقي والاثني، كتعبير عن انهيار الدولة وتفككها.
فبعيد حصول الدولة الوطنية على استقلالها في منطقة الساحل، انفجرت في أغلبيتها أزمة هوية متعددة الإبعاد لتنوع السنة شعوبها وتشعب أعراقها ، فتصدرت قضية اللغة الوطنية واجهة أزمة الهوية، لتمسك كل طرف بلغته ومحاولة فرضها على الطرف الآخر، وكان من الطبيعي أن تحاول الأغلبية فرض لغتها على الأقليات، لكن تدخل الاستعمار وفرض لغته وإقصاء اللغات الوطنية خاصة منها ذات الانتشار الكبير والدور الحضاري المؤثر- مثل اللغة العربية – حال دون ذلك، لكن انحياز بعض الأقليات للغة الاستعمار زاد في تعقيد الأمر، فتحولت مشكلة اللغة إلى أزمة هوية متعددة الأبعاد، وجهها الأول فرض الاستعمار للغته ساحقا كل اللغات الوطنية الأخرى، وهذه هي حالة الدول التي اعتمدت اللغة الفرنسية لغة وطنية رسمية، أما الوجه الآخر للأزمة فتمثل في رفض الأقليات العرقية للغة الأكثرية وانحيازها للغة الاستعمار، الأمر الذي ولد الكثير من الصراعات في بلدان الساحل.
وعدم الاتفاق على اللغة الرسمية غذى أزمة هوية في منطقة الساحل الإفريقي مستمرة منذ عقود، والهوية الثقافية الاجتماعية التي نتحدث عنها هنا، هي تلك الهوية : التي تتضمن أبعادا جماعية، وتجارب مشتركة ومنظومة قيم ومعايير، تمثل نماذج إرشادية للجماعة ولأعضائها، ووجود هذه الهوية الاجتماعية الموحدة قد يكون مساعدا في تماسك الدولة الداخلي وانصرافها إلى قضايا التنمية، كما أنه يساهم في صعوبة اختراقها من الخارج، لآن القوى الدولية كثيرا ما استخدمت الأقليات العرقية بتعلة حمايتها، لتوظيفها خدمة لإغراض سياساتها، كما أن هذه الأقليات كثيرا ما لجأت إلى تلك القوى في مواجهة الأغلبية، وهنا يكمن أهمية التجانس الاجتماعي والعرقي لوحدة الدولة وتماسكها الداخلي وصد التدخل الخارجي، بوصف الهوية الاجتماعية في بعض تجلياتها، هي الوضوح الوجودي والمعرفي لكل كيان اجتماعي وسياسي قائم؛ أي أن يكون شريكا حقيقيا في وجود الدولة الفعلي، بما يفيد أن له موقعا ووظيفة في خدمة قوة تلك الدولة، وفي هذه الحالة تكون الهوية الاجتماعية تعني الفاعلية والإيجابية لصالح الدولة الوطنية.
لكن الخطير على الدولة الوطنية هو الفشل في بناء هوية سياسية واضحة، قائمة على مرجعية مشترك تشكل توافقا بين كل الشرائح والطوائف والإثنيات المكونة للدولة، وعادة ما تكون تلك الهوية السياسية بارزة ومحددة، خاصة إذا ارتكزت الهوية السياسية على عقد اجتماعي أي بلغة العصر دستور توافقي، يكون مرجعا للجميع، بحيث يعبر عن إرادة الشعب بكل مكوناته بشكل رضائي، بعيدا عن الإكراه أو القسر، وأن يكون ذلك الدستور حدد بشكل واضح القضايا الكبرى كنظام الحكم والعلاقة بين السلط، واحترام التعدد العرقي والثقافي والديني، و أن يجد فيه كل مواطن ذاته بما يضمن حقوقه ويخول له القيام بواجباته بكل مسؤولية وحرية، والمشاركة في الحياة العامة بالطريقة التي يريد، وهنا تكمن أهمية الهوية السياسية، الذي يعني تحققها القضاء على كل أنواع الاختناق الاجتماعي والصراع العرقي المفضي إلى التطرف والاحتراب، ذلك أن حدة التطرف في مواقف المجموعات العرقية تزيد كلما تزايد عدم التجانس والتباين في التكوين الإثني و الثقافي في كيان الدولة الوطنية، لكن التعصب الإثني والثقافي لا ينمو ويتطور إلا في ظل المناخات التي فشلت فيها القوة الوطنية في بناء الهوية السياسية الجامعة، بوصفها القوة الناظمة والفاعلة في السيطرة علي اتجاهات هذا التباين في الواقع المتحرك، في الدول حديثة النشأة كحالة دول منطقة الساحل الإفريقي.
ففشل الدولة الوطنية في هذه المنطقة من العالم في بناء هوية سياسية حقيقية ومتماسكة، ولد عدم الثقة في الذات لدى مجتمعات هذه الدول، وأدت إلى انتشار خوف يُضمر عجزا عن تحصيل فوائد العيش المشترك، مما جعل مكونات هذه المجتمعات العرقية والثقافية تنكمش على نفسها، وتدفع باتجاه تكريس الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية الجامعة، مما تولد عنه حلقة مفرغة من الأزمات هددت كيان الدولة في هذه المنطقة، وحولت دولها إما إلى دولة هشة أو إلى دولة فاشلة، ومن ابرز مظاهر ذلك:
1ـ الخروج على الدولة وتحدى شرعيتها وسلطتها، وغالبا ما يقترن ذلك باستخدام القوة المسلحة، كحالة السودان واتشاد ومالي.
2 ـ تبادل الاستيلاء على جهاز الدولة، باعتبار ذلك هو الطريق الوحيد لتحقيق مصالح الجماعة الساعية للهيمنة والتحكم، واتخذ هذا الأمر الأشكال التالية: النوع الأول: استخدام القوة المسلحة على نطاق واسع مثلما يحدث دوريا في أتشاد منذ استقلالها.
أما النوع الثاني : فتمثل في استخدام الانقلابات العسكرية،ـ والتي تقوم فيه الجماعة المنقلبة بالهيمنة على الدولة وسيطرة مجموعاتها على كل مرافقها، وتضع على رأسها ممثلا للجماعة، بهدف تحقيق مصالحها ليقوم بالحكم لصالحها حتى تتمكن الجماعة الأخرى من عمل نفس الشيء وهكذا، وهذه الوضعية عرفتها كل دول منطقة الساحل، وإن كانت موريتانيا هي الدولة التي حطمت الرقم القياسي في مجال الانقلابات العسكرية.
3 ـ الانسحاب من الدولة، والبحث عن أطر أخرى لتحقيق الحد الأدنى من المصالح، وهذه الوضعية قد تتخذ شكلا اجتماعيا كالقبيلة، كحالة دارفور في السودان، وقد تتخذ شكلا عرقيا قوميا كحالة الطوارق في مالي والنيجر.
وفشل دول منطقة الساحل في تحقيق الهوية السياسية المشتركة، يجعلها تشترك في الخصائص التالية :
1 – أنها جميعا تعرف ما يسمى بالهوية القلقة.
2 – أنها تعيش ما يعرف بتشظي الهوية الثقافية الوطنية.
3 – أنها عجزت جميعا عن بلورة هوية اجتماعية وثقافية وسياسية وطنية.
4 – أن أغلبيتها تعرف ما يسمى “بالهويات القاتلة”.
وعليه، فإن مطلب الهوية السياسية الموحدة هو مطلب استراتيجي لصالح تماسك الدولة وتفرغها لقضايا التنمية، لآن الفشل في تحقيق تلك الهوية هو الذي خلق ما يمكن أن نطلق عليه فواعل مولدات الأزمات.
المحور الثالث : فواعل مولدات أزمة الأمن في منطقة الساحل.
إن المتابع للوضع في منطقة الساحل يمكن أن يصفها، بأنها منطقة قوس الأزمات في إفريقيا والعالم على غرار منطقة قوس الأزمات في أسيا، لتكثف نشاط الجريمة المنظمة العابرة للحدود وحجم الحروب الأهلية المندلعة بها، حيث تعرف دول هذه المنطقة العديد النزاعات المسلحة، مما جعل منطقة الساحل الإفريقي، تشهد أزمات أمنية متوالية أو تتأثر بأزمات دول الجوار فيتأزم حالها؛ ومن هنا يمكن أن يفهم لماذا أطلقنا عليها منطقة قوس الأزمات، رغم ما تتمتع به من موارد طبيعية متنوعة، لكن قلة السكان وشاسعة المساحة وعدم إطلالة بعضها على منافذ بحرية، يجعلها غير قادرة الاستفادة من ثرواتها، ويسهل على الجهات الدولية الطامعة استغلالها وافتعال الأزمات للوصول إلى اتفاقيات بشروط سهلة لنهب خيراتها الطبيعية، وكذلك تشجيع كل القلاقل والأزمات لاستمرار ذلك، ومن أبرز مولدات أزمة الأمن في منطقة الساحل الإفريقي، ما يلي:
أولا: فشل سياسات التنمية : حول دول المنطقة إلى دول هشة.
لقد أصبح من المعروف اليوم أن كل دول منطقة الساحل فشلت في تحقيق أهداف التنمية خلال مسيرة الخمسين سنة الماضية، وأن مؤسساتها الحكومية تعاني من إخفاقات عميقة وتحديات تنموية هائلة في مواجهة المجتمع الدولي، بل أن دول هذه المنطقة مصنفة ضمن الدول ذات الهشاشة العالية، الأمر الذي يجعل بعضها يقترب من وضعية الدولة الفاشلة .
فالعيش في دولة هشة يعني الحرمان الشديد من خدمات الدولة الأساسية ووسائل حماية الأمن وحقوق الإنسان، وما يترتب على ذلك من خسائر بشرية كبيرة ومستمرة وواسعة النطاق، والهشاشة، هي:
فشل الدولة في بسط السلطة والقصور في توفير الخدمات الأساسية والعجز عن الحفاظ على الشرعية، وفي هذه الحالة تصبح الدولة عاجزة عن حماية مواطنيها من العنف، وكذلك العجز عن توفير الخدمات الأساسية لكل المواطنين، وعن الحصول على اعتراف بشرعيتها من مواطنيها. وغالبا ما تم حصر خصائص البلدان الهشة في المعطيات التالية:
1 – ضعف القدرة على تعبئة الموارد.
2 – انخفاض معدلات التنمية البشرية.
3 – انخفاض الكثافة السكانية.
4 – ارتفاع المديونية الخارجية.
5 – ضعف جلب الاستثمارات الأجنبية.
والخطورة في تحول الدولة إلى دولة هشة، افتقار ساستها للإرادة السياسة للقيام بوظائفهم وتحمل مسؤولياتهم في مواجهة التحديات الضاغطة، الأمر الذي يجعل هياكل الدولة تفقد القدرات الملائمة لأداء مهامها الأساسية اللازمة للحد من الفقر وتحقيق التنمية وحماية أمن سكانها وحماية حقوقهم الاقتصادية والسياسية والإنسانية، وتوفير لهم احتياجات العيش الكريم في ظل الكرامة والطمأنينة.
ويؤكد كابلان على هذا الرأي بتعريفه للبلدان الهشة على أساس السمات الموجودة في بُنية الدولة، وما إذا كان هناك “عدم توافق” واضح بين المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، ويرى كابلان أن الحدود التي تفرض على جماعات متعددة الهوية لا يجمعها تاريخ مشترك، أن تعمل معاً والأنظمة القانونية والسياسية التي لا تعكس قيم المجتمع ومعتقداته والطرق التي يمكن بها تنظيمه ، يمكن بسهولة أن تفصل الدولة عن السكان الذين يُفترض أنها أنشئت لخدمتهم ومن المستبعد أن تفرز هذه الظروف الاجتماعية والسياسية حكومة قادرة على تحقيق تطلعات مواطنيها .
هذه الوضعية أي دولة تعرفها تنحدر غالبا في حالة من عدم الاستقرار السياسي و الانهيار الاقتصادي وتعطل عمل المؤسسات ، المفضي غالبا إلى الفوضى الاجتماعية والصراعات العرقية، الأمر الذي يربك عادة صناعة القرار السياسي إذا لم يؤدي به إلى الشلل، وهي الحالة التي تجعل الدولة غير قادرة على توفير الأمن والخدمات الاجتماعية للسكان، وهذه هي الحالة التي وصلت لها أغلبية بلدان الساحل، مما قد يشجع على روح الانفصال ، ويجعلها أرضية خصبة للجريمة المنظمة بكل إشكالها، الاتجار غير المشروع بالمخدرات والاتجار بالبشر وعصابات الهجرة السرية.
ثانيا : العلاقة بين اتساع المساحة وحركة الجريمة المنظمة:”الجغرافيا القاتلة”
إن أغلبية دول الساحل تقع ضمن المجال الجغرافي للصحراء الكبرى، وهي واحدة من أكثر الصحاري عبر العالم جفافا ووعورة، ومن أقلها كثافة سكانية، مما يجعل هذه الدول تقع في مناطق صحراوية قاحلة يصعب العيش فيها، لقلة مياهها لندرة التساقطات المطرية بها سنويا، مما انعكس في قلة حواضرها ومدنها فضلا عن شكل تلك المدن وضعف نشاطها الاقتصادي وتبعثرها في الصحراء الشاسعة، زد على ذلك وقوع عواصم أغلبية تلك الدول في الجنوب بعيدا عن وسط البلاد.
الأمر الذي يضعف من قدرة الدولة وسيطرتها على الأطراف، وبالتالي يساعد في ضعف قبضتها على أراضيها، و يزيد من فرص التمرد عن المركز ، كما أن عدم القدرة على السيطرة على الحدود ومراقبتها، يخلق الفراغ الجغرافي الذي يساعد بدوره على توطن الجريمة المنظمة ويسمح لعصاباتها بالتحرك بحرية تامة بعيدا عن مراقبة الأجهزة الأمنية للدولة. وما يجعل الجغرافيا “قاتلة في دول الساحل”، أن اتساع رقعة الصحراء وشساعة مساحة هذه الدول، تحولها إلى دول في غاية الهشاشة، لأنها تساعد على انتشار حركة الجريمة المنظمة، وتزايد نشاط المنظمات الإرهابية وجماعات الجريمة المنظمة، يزيد بدوره في تآكل الدولة الضعيفة أصلا في هذه المنطقة من العالم ، فعجز الدولة عن حماية حدودها في مواجهة أمواج الهجرة البشرية وتهريب السلاح، جعل هذه المنطقة من أهم البيئات المناسبة لنشاط الجريمة المنظمة، وسهل على عصاباتها تركيز قواعدها وأنشطتها انطلاقا من هذه المنطقة، خاصة عصابات تهريب المخدرات والتنظيمات الإرهابية، ومكنها من فرصة التحالف وتبادل الأدوار بعيدا عن رقابة دول المنطقة والأطراف الدولية النافذة .
فالبيئية الجغرافية المناسبة، هي التي ساعدت على استفحال وانتشار أفراد تنظيم القاعدة، حيث تعبر الدول التي ينتشر التنظيم على أراضيها بشكل مباشر، وهي موريتانيا، ومالي، والنيجر، والجزائر، وعكس ما يعتقد الكثيرون، فإن تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي بشكل خاص والجماعات المسلحة بشكل عام في منطقة الساحل، وما تقوم به من أنشطة إرهابية ليست هي التحدي الوحيد، الذي يهدد الأمن في دول الساحل، بل إن تجار المخدرات، ومهربي السجائر، ووسطاء الهجرة غير الشرعية وعصابات المتاجرة بالبشر والبغاء العابر للحدود، لا تقل خطورة عن نشاط المنظمات الإرهابية، حيث يقوم هؤلاء بممارسة نشاطاتهم، مستغلين طرق بين مالي وموريتانيا والجزائر، غير مراقبة وغير ثابتة، لأن تلك المناطق الصحراوية القاحلة، غير المأهولة تساعدهم على التحرك وممارسة نشاطهم بكل حرية.
ثالثا: فشل السياسات الأمنية.
من الطبيعي جدا أن تفشل دول منطقة الساحل في مواجهة التهديدات الأمنية التي واجهتها خلال السنوات الماضية بشكل متزايد، لضعف إمكانيات أجهزتها الأمنية، وقلة الموارد الاقتصادية والمالية، وتواضع خبرتها البشرية وتآكل وتضعضع بنيتها الإدارية، وعدم جاهزيتها التنظيمية والتنفيذية، لكن لو كان هناك تنسيق جدي وحقيقي بين دولها لعوض نسبيا عن ذلك الضعف على المستوى الوطني في مجال الأمن، إلا أنه من الواضح أن هناك ضعف في التنسيق الأمني بين دولها، وانعدام الخبرة لدى أجهزة أمنها، مما يجعلها عاجزة عن مواجهة أنشطة الجريمة المنظمة العابرة للحدود التي هددت وتهدد بشكل مباشر امن كل دول المنطقة، ومن أبرز الأمثلة على ذلك :
أ – الفشل في التنسيق الأمني لمواجهة “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”.
رغم وجود تنسيق أمني ظاهري بين بعض دول المنطقة، بما يعرف بالتنسيق الأمني المشترك بين “دول الميدان” الذي سمي “خطة تمنراست” التى تم توقيعها عام 2009، وتشترك فيها كل من الجزائر ومالي والنيجر وموريتانيا، وأدت إلى إقامة مركز للعمليات العسكرية المشتركة في “تامانرست” في جنوب الجزائر (CEMOC) عام 2010 ، بمظلة أمريكية – فرنسية، فإن ذلك لم يتمخض عنه تنسيق فعلي يقوم على إستراتيجية موحدة الرؤية والتنفيذ، خاصة في مواجهة “تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”، الذي هدد أمن كل دول المنطقة عبر أنشطته المكثفة على أراضيها، حيث نفذ العديد من العمليات ضد حكوماتها وكذلك ضد مصالح غربية فوق أراضيها، ويبرز ذلك أكثر عبر السياسة الجزائرية المرتكزة على الدفاع والعمل ألاستخباراتي، بينما اختارت موريتانيا التي اكتوت بنار العمليات الإرهابية التي نفذها التنظيم على أراضيها، سياسة الهجوم بتدخلها العسكري المتكرر في الشمال المالي دون التنسيق معها، قبل التدخل الفرنسي المباشر في هذا البلد لمواجهة القاعدة، في الوقت الذي اختارت فيه مالي التغاضي عن نشاط القاعدة في شمالها، مما سمح في النهاية ل “تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” من إقامة “دولة” في منطقة ازواد والعمل بعد ذلك على الانطلاق منها للسيطرة على كامل الأراضي المالية، أما النيجر فاختارت الاعتماد على الدعم الفرنسي والأمريكي، عبر السماح بإقامة قاعدة للطائرات دون طيار لمواجهة الحركات المتطرفة.
ب – الفشل في مواجهة الجريمة المنظمة.
إن هشاشة أوضاع بلدان الساحل وشساعة مساحتها الجغرافية، سمحت لعصابات الجريمة المنظمة التمركز في هذه المنطقة مستفيدة من الفراغ الجغرافي وقلة السكان وعدم جاهزية الأجهزة الأمنية للقيام بدورها الأمني في حماية التراب الوطني لهذه الدول.
حتى أن الدلائل تشير إلى أن عصابات تهريب المخدرات نقلت نشاطها من أمريكا الجنوبية إلى الصحراء الإفريقية في منطقة الساحل، ونتيجة لضعف إمكانيات دول المنطقة، كان من الطبيعي فشلها في مواجهة الجريمة المنظمة العابرة للحدود التي تزايد نشاطها، في السنوات الأخيرة، حيث أصبحت مسرحا لعمليات التهريب ونقطة عبور للمخدرات ومركز إيواء للخارجين على الأنظمة والفارين من العدالة، و تهريب السجائر، والغش التجاري والاحتيال المالي، وجرائم التقنية العالية، وتجارة الأسلحة، والاستغلال الجنسي المنظم، وغسل الأموال، حيث يتم تهريب 250 طناً من الكوكايين من غرب أفريقيا إلى أوروبا
كل عام، وتصل قيمتها إلى حوالي 11مليار دولار إذا ما تيسر لها الوصول إلى الأسواق المستهدفة ، ومن هنا نستنتج أن نشاط الجريمة المنظمة يتزايد كلما ضعفت مؤسسات الدولة ويزدهر إذا تحولت إلى دول هشة، وخير مثال على ذلك، أنه بعد سقوط نظام العقيد معمر القذافي في ليبيا ، لم تستطع كل من مالي والنيجر منع دخول الطوارق الذين قاتلوا إلى جانب معمر القذافي، حاملين معهم الأسلحة الثقيلة ، وهي الأسلحة التي استطاع من خلالها الطوارق، إسقاط كبريات المدن المالية خلال أسابيع ، وما نتج عن ذلك من تدخل عسكري فرنسي في مالي، أدى إلى تزايد أعداد الفارين من جحيم المعارك في شمال مالي إلى دول الجوار، مما يزيد من الضغوط على هذه الدول، فقد وصل عدد اللاجئين الذين هربوا من شمال مالي من جراء الصراع أكثر من 420 ألف شخص، وهو ما يرجح أن تكون تداعيات هذا الصراع كبيرة داخليا وإقليميا ودوليا، وستكلف المنطقة المزيد من المعانة في المستقبل.
رابعا – انعكاسات الأزمات الاجتماعية المتفاقمة على الوضع الأمني.
مازالت دول منطقة الساحل الإفريقي تعرف نموا ديمغرافيا متسارعا بنسبة نموّ طبيعي تفوق 2٪ بكلّ بلدان هذه المنطقة من العالم، مما جعل عدد سكان المنطقة يتضاعفون 4 مرّات منذ 1950 ليبلغوا 68 مَليون نسمة في العام 2000 ، مع ما يصاحب ذلك من كوارث طبيعية، متمثلة في الجفاف المتكرر بالمنطقة، حيث عانى ما يزيد على 18 مليون من سكانها من المجاعة في العام 2012 ، كما أن منطقة الساحل تصنف من بين مناطق العالم الأكثر فقرا . وما يعنيه ذلك من بطالة وأزمات اجتماعية متفاقمة، حيث تضم المنطقة بعض البلدان التي توجد بها أكبر معدلات البطالة في العالم، وتتجاوز البطالة في كل دولها المعدل العالمي المقدر ب 16 بالمائة، في حين تتجاوز أرقام البطالة في موريتانيا على سبيل المثال الخطوط الحمر، لبلوغها حوالي 47 بالمائة .
وهذه الأزمات الاجتماعية تنعكس بشكل مباشر على مختلف أنواع الجريمة وتخلق لها الحاضنة الاجتماعية، فالفقر هو السبب الأول وراء ظاهرة الهجرة، والبطالة تولد الفراغ والإحساس بالحرمان، مما يدفع الشباب إلى الانخراط في شبكات الجريمة المنظمة، وكذلك تدفعه إلى الالتحاق بصفوف المنظمات الجهادية المتطرفة، وبالتالي فإن الأزمات الاجتماعية المتفاقمة في دول منطقة الساحل هي البيئية الحاضنة، لمختلف أنشطة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، ونشاط هذه الجريمة المنظمة مرشح للتزايد خلال السنوات القادمة، نتيجة عجز دول المنطقة عن مواجهته، ولعدم جدية المجتمع الدولي في دعمها للتصدي له.
خامسا : الفساد
إذا كان الفساد هو إساءة استخدام السلطة أو الموقع لتحقيق مكاسب خاصة، فإن الفساد السياسي هو الأكثر خطورة وتأثيرا، لأنه سعي غير مشروع لتحقيق مكاسب خاصة بهدف الحفاظ على السلطة وتعزيز الموقع من أجل الإثراء غير المشروع، وأنواع الفساد هذه منتشرة بكثرة في دول منطقة الساحل، حيث تصنف السودان حسب تقارير منظمة الشفافية العالمية، ضمن أربعة دول عربية هي الأكثر فسادا، كما تصنف أتشاد حسب نفس التقارير، ضمن قائمة أربعة دول إفريقية هي الأكثر فسادا في القارة الإفريقية، وتحتل موريتانيا الرتبة 143 على قائمة الدول التي شملتها تقارير منظمة الشفافية العالمية لعام 2013.
وخطورة الفساد أن ضحاياه من الفقراء بالدرجة الأولى، ويستوي في ذلك الدول الغنية والدول الفقيرة ، ويتجلى ذلك من خلال التقارير الدولية التي تشير إلى أن الدول الإفريقية على رأس الدول الأكثر فسادا في العالم، وهي القارة التي تضم النسبة الأكثر من الجياع في العالم، فتقديرات البنك الدولي تظهر أن أكثر من ألف مليار دولار أمريكي تدفع كرشى كل سنة، أي ما يزيد عن 3 % من دخل العالم في سنة 2003، في حين أن تقديرات الاتحاد الإفريقي، تشير إلى أن حوالي 148 مليار دولار أمريكي تخرج سنويا من القارة الإفريقية بسبب الفساد، وأن هذه الموارد يمكن أن تحدث فارقا كبيرا إذا ما تم إعادة توظيفها في هذه الإقتصادات .
ومنطقيا أن يكون الفساد على رأس عوامل عدم الاستقرار في الدول الفقيرة، لما يسببه من هدر للموارد الاقتصادية والمالية وبعثرة للطاقات البشرية، وما يتولد عن ممارساته من حرمان للشرائح والفئات الفقيرة، الأمر الذي يشجع النزاعات و يشكل عقبة أمام تحقيق السلم الاجتماعي والرفاه الاقتصادي.
خلاصة القول إن أزمة منطقة الساحل الأمنية ليست إلا تمظهرا لأزمة الدولة الوطنية في هذه المنطقة من العالم، لفشلها في تحقيق الاندماج الوطني الذي يوفر الاستقرار السياسي والاجتماعي، ويساعد على بلوغ أهداف التنمية، التي تخلق الرفاه وتعيد الأمن والطمأنينة للإنسان في هذه البلدان، ولن يكون ذلك ممكنا إلا من خلال المداخل التالية:
1 – العمل على تحقيق الاندماج الوطني الذي يؤسس لدولة القانون والمؤسسات الضامنة لدولة المواطنة.
2 – السعي للتنسيق والتكامل بين بلدان المنطقة خاصة في المجالات الحيوية والإستراتيجية.
3 – وعي المجتمع الدولي بأن أمن واستقرار منطقة الساحل الإفريقي، مسألة إستراتيجية للأمن والسلام العالمي، وأن مساعدتها لبلوغ ذلك لا ينبغي أن تخضع للصراعات والرهانات الدولية القائمة على مصالح الأطراف الفاعلة دوليا كما حصل في الماضي.
