دراسات

اتحاد المغرب العربي: أسباب التعثر ومداخل التفعيل

محاضرة مقدمة في ندوة : “المغرب العربي في مفترق الشراكات”
تونس يومي 8 -9 اكتوبر2004

الدكتور ديدي ولد السالك
didisaleck@yahoo.com

إذا كان لكل مواطن مغاربي الحق في الطموح في أن يرى اتحاد المغرب العربي يحقق أهدافه التي أسس من أجلها بمراكش عام 1989 والتي ناضلت من أجلها أجيال عديدة بوصف اتحاد المغرب العربي هو مطلب الحاضر وضمانة المستقبل ، فإن تحقيق هذا الطموح على ما يبدو ما يزال بعيدا عن التحقيق , ذلك أن المتأمل اليوم في واقع اتحاد المغرب العربي بعد عقد وما يقارب نصف العقد من الزمن على انطلاق مسيرة هذا الاتحاد ، سيصاب بخيبة أمل كبيرة لما يعانيه هذا الاتحاد من تعثر في مسيرته وجمود في تطبيق الاتفاقيات التي تم إبرامها في إطاره , وهو ما يزيد من ارتفاع الكلفة التي تدفعها شعوب المغرب العربي نتيجة تأخر تحقيق و حدته , وكذلك ضعف مركزه التفاوضي في مواجهة التكتلات الدولية الاقتصادية , وما تطرحه على المنطقة من مشاريع لا يمكن أن تواجهها إلا بشكل جماعي , هذا بالإضافة إلى الإكراهات الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية , التي تفرضها العولمة والمتغيرات الدولية المصاحبة لها والتي ليس فيها مكان للإطراف الضعيفة على خريطة العلاقات الدولية في ظل هذه المتغيرات. والواقع المتعثر الراهن لمسيرة اتحاد المغرب العربي ، يكاد يكون هو السمة المميزة لمحاولات التكامل المغاربي , التي انطلقت منذ نهاية الخمسينات من القرن العشرين , وهو ما يعكس طول المخاض الوحدوي المغاربي , وهذا المخاض الطويل يفترض أن يكون ولد زادا من العبر المستخلصة من التجارب التاريخية يسترشد بها اليوم أصحاب القرار السياسي والنخب المغاربية المهتمة ببناء الوحدة المغاربية المنشودة . ذلك أن فكرة وحدة منطقة المغرب العربي ليست وليدة الساعة , بل ترجع إلى عهود سابقة قديمة قدم التاريخ .
وإن كانت لم تتحقق إلا في العهد الإسلامي , خاصة في ظل الموحدين الذين استطاعوا بسط سيطرتهم على كامل المنطقة المعروفة حاليا بالمغرب العربي ، وبعد هذه الفترة عرفت هذه المنطقة تجارب مختلفة من الحكم والسياسات , لكن فكرة الغرب العربي عادت للظهور من جديد في العصر الحديث في اجتماع الأطراف المغاربية أبريل 1947 بالقاهرة ، الذي كان يهدف الى التنسيق بين هذه الأطراف لمواجهة الاستعمار ، التي كانت تناضل آنذاك من أجل الاستقلال منه ، ولتنسيق الجهود كذلك المبذولة للتعريف بقضايا المغرب العربي في المشرق العربي , وقد صادق هذا الاجتماع على لائحة : ” تطالب باستقلال المغرب العربي و وحدته تمهيدا للوحدة العربية” .
أما المحاولة الثانية في العصر الحديث لتجسيد مشروع المغرب العربي الكبير ، فتمثلت في اجتماع الأحزاب الوطنية المغاربية بمدينة طنجة 1958 والأحزاب المشاركة في هذا الاجتماع هي:”الحزب الحر الدستوري التونسي” و”حزب الاستقلال المغربي” و”حزب جبهة التحرير الوطني الجزائري” , وكانت كل من تونس والمغرب خارجتين حديثا من الاستعمار أما الجزائر فكانت في ذلك الوقت ما تزال تحت الاستعمار الفرنسي, وحضرت هذا الاجتماع ليبيا بصفة مراقب . وقد صادق المؤتمر في نهاية أشغاله على ميثاق يحدد المبادئ العامة التي ينبغي أن ترتكز عليها وحدة المغرب العربي , ولكن بنود ميثاق طنجة لم تعرف طريقها للتنفيذ , وتعطل المشروع المغاربي من جديد إلى أن أعيد أحياؤه من جديد بشكل متواضع مع تأسيس اللجنة الاستشارية الدائمة للمغرب العربي سنة 1964 من طرف المغرب و الجزائر و تونس لتنضم إليها ليبيا فيما بعد أما موريتانيا فبقيت خارجها إلى بداية السبعينيات من القرن العشرين , وكان الهدف من بعث اللجنة الدائمة الاستشارية المغاربية , هو إرساء الأرضية اللازمة والمناخ الملائم للتكامل والاندماج الاقتصادي والاجتماعي , وبعد أن كونت هذه اللجنة ما لا يقل عن 26 لجنة فرعية متخصصة في جل الميادين الاقتصادية والاجتماعية والمالية والتقنية , كما أعدت العشرات من القرارات لوزراء الاقتصاد وبعد أن سهرت على تهيئة العديد من الدراسات التمهيدية , ومنها الاتفاقية الخاصة بإنشاء الشركة المغاربية للطيران والاتفاقية الخاصة بالتعاون الاقتصادي إلى غير ذلك من المشاريع الأخرى . توقف نشاطها وهو ما أدى إلى تعطيل أعمال كل مؤسسات التعاون التابعة لها نتيجة اندلاع النزاع بين ثلاثة اطراف مغاربية حول الصحراء الغربية الذي بدأ عام 1975 بين المغرب وموريتانيا من جهة والجزائر الداعمة لجبهة البوليزاريو من جهة أخرى ، بحيث دخل المغرب العربي في أزمة مزدوجة أي أزمة مؤسسات مقرونة بأزمة سياسية ، انعكست على مسيرة التكامل المغاربي فعطلته وكأن التاريخ يكرر نفسه مع مشروع الوحدة المغاربية حيث تعطلت مسيرة اتحاد المغرب العربي لنفس الأسباب تقريبا , عند ما توترت العلاقات الجزائرية المغربية من جديد صيف 1994 إثر حادث الاعتداء على فندق “أطلس آسني” بمراكش , شارك فيه فرنسيان من أصول جزائرية ، وراح ضحيته اسبانيان , واتهمت المغرب على أثرها الاستخبارات الجزائرية بالتورط في هذا الحادث الإرهابي , وهو ما أدى بالمغرب في 26 أوت 1994 إلى فرض التأشيرة على المواطنين الجزائريين , فردت الجزائر يوم 27 أوت بفرض التأشيرة على المواطنين المغاربة وقامت بإغلاق حدودها مع المغرب لكن الأمور تعقدت أكثر عند ما طلبت المغرب في 20 ديسمبر 1995 من الجزائر التي تتولى آنذاك رئاسة اتحاد المغرب العربي ، تجميد نشاطات مؤسسات الاتحاد إلى إشعار آخر متهمة إياها بالتدخل في قضية الصحراء الغربية التي تعتبرها المغرب جزء من أراضيها.
و تظهر هذه الأحداث والوقائع التاريخية أنه لا يمكن بناء المغرب العربي بدون علاقات واضحة وقوية بين الجزائر والمغرب, بحكم موقعهما الجغرافي وثقلهما السياسي والاقتصادي والسكاني في المغرب العربي, مما يعطيهما نفوذا كبيرا في منطقة المغرب العربي .
وهذه الإخفاقات المتواصلة لمحاولات تجسيد الوحدة المغاربية في زمننا المعاصر, تظهر أن ” تاريخ المسيرة المغاربية يكاد يكون تاريخ الفرص الضائعة” .
وهو ما يحتم البحث بشيء من التمعن والموضوعية في الأسباب و العوامل التي تقف وراء هذه الإخفاقات المتكررة لمحاولات الوحدة المغاربية وكذلك البحث عن المنطلقات والآليات التي يمكن أن تشكل مدخل لتحقيق الوحدة المغاربية المنشودة ، وهذا ما سنحاول بحثه في المحاور التالية :

المحور الأول : حصيلة مسيرة اتحاد المغرب
العربي

من مؤتمر طنجة لأحزاب المغرب العربي عام 1958 إلى قيام اللجنة الدائمة الاستشارية المغاربية عام 1964 إلى ميلاد اتحاد المغرب العربي بمراكش عام1989 وصولا إلى عام 2004 ، يكون مشروع المغرب العربي قد مر عليه ما يقارب الخمسين عاما من المحاولات المتعثرة لبناء كيان مغاربي فعال يستجيب لأمال الشعوب المغاربية ويرفع التحديات الداخلية ويدفع التحديات الخارجية التي تواجه هذه المنطقة , لكن الواقع لا يشير إلى تحقق أي شيء من ذلك ،
حيث عرفت فكرة الوحدة المغاربية خلال هذه الفترة الممتدة عبر نصف القرن الماضي , صعودا و هبوطا حسب الأوضاع السائدة في الأقطار المغاربية والتأثيرات الواردة
إليها من تغيرات المحيط الدولي , والتي لم تكن في صالح منطقة المغرب العربي في أغلبيتها بالإضافة إلى هشاشة الأوضاع الداخلية لأكثرية أقطار المغرب العربي ، مما ساهم في تواضع النتائج المحققة على الأرض , إذا لم نقل إنها نتائج هزيلة للغاية بالمقارنة طبعا مع ما يتطلع إليه المواطن المغاربي ؛ فبنظرة فاحصة لحصيلة اتحاد المغرب العربي منذ انطلاقه عام 1989 ، منذ عقد و ما يقارب نصف العقد , سنجد أنها حصيلة مخيبة للآمال , حيث لم يعقد مجلس الرئاسة الذي تتركز في يده كل القرارات إلا ست دورات بعد القمة التأسيسية بمراكش 17\ 02 \1989 , حيث كانت القمة الأولى بتونس 21-23 \ 01 \1990 تلتها قمة الجزائر 22-23\07\1990 ثم قمة رأس لانوف بليبيا 10-11\03\1991 ثم قمة الدار البيضاء بالمغرب 15-16\09\1991 وبعدها كانت قمة انواكشوط بموريتانيا 10-11\11\1992 ، وكانت آخر قمة لمجلس الرئاسة قمة تونس
02-03\04\1994 .
أما الدورة السابعة لمجلس الرئاسة التي كان مقررا لها أن تعقد بالجزائر عام1995 فلم تعقد إلى اليوم بسبب الخلاف بين المغرب والجزائر حول قضية الصحراء الغربية ، وكانت حصيلة هذه القمم والاجتماعات الوزارية المغاربية حوالي 37 اتفاقية شملت مختلف المجالات وغطت أغلب الميادين ، ولكن لم يستوف من هذه الاتفاقيات شروط دخول حيز التنفيذ إلا ست اتفاقيات فقط ، وأهم هذه الاتفاقيات الست التي استوفت شروط دخولها حيز التنفيذ , هي الاتفاقية المتعلقة ب “تشجيع وضمان الاستثمار بين دول المغرب العربي” , وكذلك الاتفاقية المتعلقة بإنشاء “المصرف المغاربي للاستثمار والتجارة الخارجية بين دول اتحاد المغرب العربي”.
كما تم تركيز المؤسسات الرئيسية في الاتحاد وهي : مجلس الشورى المغاربي والهيئة القضائية والأمانة العامة ، وتم إعطاؤها مقرات في العواصم التي من المقرر أصلا أن تكون بها ، كما تم تأسيس في إطار اتحاد المغرب العربي ، الكثير من المنظمات غير الحكومية بمبادرات شعبية طبعا مما يبرهن على تعلق المواطن المغاربي بمشروع اتحاد المغرب العربي ، حيث تم تأسيس ما يزيد على 45 اتحادا مغاربيا تغطي أغلب المهن و تتوزع مقارها على مختلف أقطار المغرب العربي ، وما يزيد على 26 جمعية مغاربية وحوالي 12 رابطة وهيئة مغاربية ، لكن هذه المنظمات غير الحكومية المغاربية أو ما يمكن أن نطلق عليه المجتمع المدني المغاربي ليس ناشطا وغير فاعل الآن , نتيجة القيود التي تفرضها عليه الأنظمة داخل كل قطر على حدة وتقيد حركته على المستوى المغاربي ، مما يجعله وكأنه غير موجود من الناحية العملية على مستوى الساحة المغاربية.
وبعد أكثر من ست سنوات على تجميد نشاط مؤسسات اتحاد المغرب العربي بطلب من المغرب سبتمبر 1995 ، استطاعت الأقطار المغاربية من جديد إحياء نشاط مؤسسات الاتحاد ولو بشكل محتشم , وكانت البداية باجتماع وزراء الخارجية يومي 18-19 مارس 2001 بالجزائر , ولكن هذه الاجتماعات الوزارية ، رغم استمرارها لم تستطع إعادة الحياة الفعلية لاتحاد المغرب العربي ، وبقيت الحصيلة على ما هي عليه ، ويعود ذلك بشكل مباشر إلى أن القرارات المهمة والمصيرية بالنسبة للعمل المغاربي المشترك في يد مجلس الرئاسة للاتحاد , وهذا المجلس لم يجتمع منذ حوالي عشر سنوات أي منذ قمة تونس 1994 .
ويمكن القول إجمالا إن الوضع الحالي لاتحاد المغرب العربي ، هو نتيجة لجملة من العوائق الحقيقية والتحديات الجدية التي واجهت المشروع المغاربي منذ انطلاقه وتواجه الاتحاد المغاربي اليوم ، وما لم يستطع أعضاء هذا الاتحاد تجاوز هذه التحديات والعوائق سيبقي مشلولا وعاجزا عن تحقيق الأهداف التي أسس من أجلها ، وبالتالي لا ينبغي انتظار إنجازات من هذا الاتحاد ما دام يدار بالوسائل والمناهج الحالية.
وهذه العوائق و التحديات التي واجهت وتواجه اتحاد المغرب العربي سنحاول التعرض لأهمها في المحور الثاني من هذا البحث .

المحور الثاني: العوائق والتحديات التي واجهت وتواجه
اتحاد المغرب العربي .

صاحبت ولادة فكرة المغرب العربي منذ النصف الثاني من القرن العشرين عوائق وتحديات لم تستطع الأطراف المغاربية عبر مسيراتها التخلص منها أو تجاوزها أي أن هناك عوائق وتحديات ذات طابع بنيوي مرتبطة بوضعية الأقطار المغاربية وسياساتها أتجاه بعضها البعض , في حين أن هناك بعض العوائق والتحديات ذات طابع ظرفي أو مرتبطة بعوامل معينة وقد زالت بزوالها ومن هذه العوائق و التحديات التي قد زالت أو خفت حدتها أو هي في طريقها إلى الزوال ، معارضة أطراف الاستعمار القديم للوحدة المغاربية التي هي الآن دول الاتحاد الأوروبي , والتي أصبح من مصلحتها في الوقت الحاضر السعي إلى تحقيق الاندماج المغاربي , لأن تحقيق الوحدة المغاربية سيشكل رافدا أساسيا لتجسيم التكامل في إطار الفضاء المتوسطي الذي يعمل الاتحاد الأوروبي منذ انطلاق مسار برشلونة عام 1995 على تحقيقه للحد من الهوة الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية بين ضفتي المتوسط ، وتقريب وجهات النظر في القضايا التي تهدد أمن المتوسط وعلى رأسها الهجرة السرية والتطرف الديني والجريمة المنظمة وكلها عوامل باتت تهدد استقرار الاتحاد الأوروبي ، مما جعله يقتنع أن هذه القضايا والمشاكل لا يمكن معالجتها مع البلدان المغاربية بشكل أحادى , وإنما ينبغي معالجتها والبحث لها عن حلول من خلال اتحاد المغرب العربي بوصفه مجموعة جهوية ، لأن تلك المعالجة هي التي ستأتي بنتائج مؤكدة , وهذا الخيار بدأت ملامحه تتبلور من خلال حوار”5+5″.
كما أن معارضة الوحدة المغاربية من الطرف العربي تحت دواع قومية قد زالت بفعل تراجع الخطاب القومي العربي وما تعرضت له المنطقة العربية عموما من تغيرات في العقدين الأخرين من القرن العشرين , وما تتعرض له في الوقت الحاضر من الاختراق الأجنبي ، هذا بالإضافة إلى التباين الذي كان قائما بين السياسات الاقتصادية التي اتبعتها الأقطار المغاربية خلال نصف القرن الماضي , و قسمتها إلى دول تتبع النهج الاقتصادي الليبرالي ودول تتبع سياسة الاقتصاد الموجه , لكن هذه العوامل قد زالت أو في طريقها إلى الزوال بفعل المتغيرات التي حصلت في السنوات الأخيرة , بينما استمرت آثار بعض التحديات و المشاكل التي استجدت مع تأسيس اتحاد المغرب العربي أو فرضت عليه من الخارج ,
وساهمت في عرقلة مسيرته أو التأثير عليه في أحسن الأحوال , في حين استمرت بعض العوائق و التحديات التي صاحبت البدايات الأولى لميلاد المشروع المغاربي و ما تزال تفعل فعلها في عرقلة الوحدة المغاربية ومن أهمها انعدام الديمقراطية في أغلبية الأقطار المغاربية , وغياب مجتمع مدني فعال يدعم هذه الوحدة وكذلك ضعف اقتصاديات الأقطار المغاربية واستمرار مشكلة الصحراء الغربية , كقضية استنزاف للمنطقة منذ ما يقارب الثلاثين سنة.
وهي العناصر التي سنحاول التعرف على مدى تأثيرها على مسيرة اتحاد المغرب العربي فيما يلي :

أولاٌ : التحديات والمشاكل التي استجدت بعد تأسيس إتحاد المغرب
المغربي وأثرت على مسيرته :

1- تأثير تباين مواقف أعضاء اتحاد المغرب العربي من غزو العراق
للكويت
لم تكن المشكلة الأولى التي واجهت إتحاد المغرب العربي بعد تأسيسه مشكلة داخلية وإنما كانت مشكلة خارجية من تأثيرات المحيط الأقليمي والدولي , وهي غزو العراق للكويت صيف 1990 وما ترتب عليه من تداعيات , كان من بينها”حرب عاصفة الصحراء ” التي قادتها الولايات المتحدة الأمريكية ضد العراق وقد تباينت مواقف أقطار المغرب العربي من هذا الغزو وما نتج عنه من تداعيات إقليمية ودولية , وهذا التباين في المواقف أثر على إتحاد المغرب العربي وهو مازال في مراحله التأسيسية الأولى وأظهر مدى هشاشته كتجمع جهوي .
2- الحظر الذي فرض على ليبيا
لقد كان الحظر الذي فرض على ليبيا عام 1992 أو ما عرف بقضية
” لوكربي “من أهم القضايا التي انعكست على علاقات التعاون المغاربي بالسلب سواءً في جانبها الثنائي أو الجماعي , حيث ساهمت هذه القضية في عرقلة مسيرة إتحاد المغرب العربي , وقضت على انتعاش التعاون الثنائي بين هذه الأقطار, وكانت بمثابة الضربة القاضية لمناخ التعايش الذي ساد علاقات هذه الأقطار مع نهاية عقد الثمانينيات , لتعود من جديد الحملات الإعلامية المتبادلة , وسياسة المحاور التي حكمت العلاقات المغاربية خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات ، وقد وصلت الأزمة إلى قمتها عند إعراض ليبيا عن تسلم رئاسة اتحاد المغرب العربي من الجزائر عام 1996 احتجاجًا منها على موقف أقطار المغرب العربي من قضية “لوكربي” حيث قامت هذه الأقطار بتطبيق الحظر الجوي المفروض على ليبيا من الأمم المتحدة
– بضغط من الولايات المتحدة الأمريكية – وهذه المواقف المغاربية المتباينة ، كانت من بين العوامل التي ساهمت في تعطيل الهيكل الرئيسي في الاتحاد , وهو مجلس الرئاسة المسؤول الأول عن كل القرارات المهمة والمصيرية في إتحاد المغرب العربي ، لأن بقاء رئاسة الاتحاد عند الجزائر ، يعني تعطيل مسيرة الإتحاد نهائيا ،ً وذلك للأزمة الداخلية التي كانت تعيشها الجزائر وخلافاتها المزمنة مع المغرب بسبب قضية الصحراء الغربية , وبالفعل كانت فترة رئاسة الجزائر للاتحاد فترة شلل شبه كاملة لهذا الإتحاد .
3- تأثير أزمة الجزائر الداخلية على مسيرة اتحاد المغرب العربي
لقد عرفت الجزائر في عقد التسعينيات من القرن العشرين أزمة طاحنة كادت أن تتحول إلى حرب أهلية نتيجة توقيف مسار الانتخابات البرلمانية عام1991 , التي فازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ ، ورغم أن الوجه السياسي للأزمة ليس إلا أحد أوجهها ، ذلك أن تلك الأزمة كانت متعددة الأوجه سياسياً وأقتصاديا واجتماعياً وثقافياً , الأمر الذي أربك الأوضاع في هذا البلد المغاربي ، وهو ما انعكس بالسلب على إتحاد المغرب العربي , وساهم في تعطيله من ثلاث أوجه .
الأول : أن الجزائر في الوقت الذي تولت فيه رئاسة اتحاد المغرب العربي عام1995 , كانت تعيش أوج أزمتها مما جعلها منشغلة بأوضاعها الداخلية المتأزمة عن تحريك مؤسسات الإتحاد ، مما زاد في جمود هذه المؤسسات , بالإضافة إلى العوامل الأخرى أنفة الذكر .
أما الوجه الثاني : لتأثير أزمة الجزائر الداخلية على مسيرة اتحاد المغرب العربي فتمثل في تخوف أعضاء اتحاد المغرب العربي من انتقال الأزمة الجزائرية إليها مما جعلها تعمل على التقليل من دخول الجزائريين إليها ، كما قامت هذه البلدان بضبط حركة مواطنيها إلى الجزائر ، الأمر الذي ساهم في عرقلة حركة الأشخاص والبضائع داخل الفضاء المغاربي .
أما الوجه الثالث : لدور الأزمة الداخلية الجزائرية في تعطيل الإتحاد ، فيتعلق بموقع الجزائر الجغرافي , فهي تقع موقع القلب من المغرب العربي بالإضافة لوزنها السكاني والاقتصادي مما يعني أنه من المستحيل تقدم اتحاد المغرب العربي بدون الجزائر .
4-انشغال الأقطار المغاربية بالمشاريع التي طرحت على المنطقة وانعكاس
ذلك على مسيرة اتحاد المغرب العربي
لقد حملت المتغيرات الدولية التي حصلت في العقدين الأخيرين من القرن العشرين ، تحديات كبيرة للمنطقة العربية بصفة عامة والمغاربية بصفة
خاصة حيث تم استهدافها بمشاريع إقليمية لا تنسجم مع مصالحها ، بقدر ما تنسجم مع مصالح مقترحيها وبالذات “مشروع النظام الشرق أوسطي ” ومشروع “الشراكة الأوروبية – المتوسطية” الأمر الذي جعل أغلبية الأقطار العربية تنشغل بهذين المشروعين وكيفية التعامل معهما وكذلك كيفية الاستفادة منهما , تاركة أطرها التنظيمية الجهوية والإقليمية إلى مستوى ثان من الاهتمام ، ذلك أن هذه الأقطار انشغلت بالمفاضلة بين مشروع “النظام الشرق أوسطي” ومشروع “الشراكة الأوروبية – المتوسطية”.
وقد كان تأثيرهذين المشروعين كبيرا على اتحاد المغرب العربي , لأنهما طرحا على المنطقة وهذا الإتحاد ما زال يخطو خطواته الأولى لتأسيس هياكله التنظيمية ، بالإضافة إلى تسرع بعض الأقطار المغاربية في التعامل مع هذين المشروعين , خاصةً المغرب وتونس ظناً منهما أنهما سيجنيان مكاسب اقتصادية أكبر من التكامل الاقتصادي الجهوي في إطاراتحاد المغرب العربي , وقد تجلى ذلك في أن المغرب كانت هي أول دولة عربية استضافت “مؤتمر القمة الاقتصادية للشرق الأوسط وشمال إفريقيا ” بالدار البيضاء عام 1994 , كما كانت تونس هي أول بلد متوسطي يبرم اتفاقية للشراكة مع الإتحاد الأوروبي عام 1995 , وتلتها المغرب في إبرام اتفاقية شراكة مع الإتحاد الأوروبي في العام الموالي أي عام 1996 في حين تأخرت الجزائر كثيراً في إبرام اتفاقية للشراكة مع الإتحاد الأوروبي , بينما بقيت ليبيا خارج مسار المشروعين أي ” مشروع النظام الشرق أوسطي” ومشروع “الشراكة الأوروبية – المتوسطية” لأسباب تاريخية معروفة .
أما موريتانيا فانضمت إلى” مشروع النظام الشرق أوسطي ” من خلال آلية “مؤتمرات القمة الاقتصادية للشرق الأوسط وشمال أفريقيا ” بوصفها المدخل الاقتصادي “للنظام الشرق أوسطي” لكنها بقيت خارج مسار برشلونة , لأن تعاملها مع الإتحاد الأوروبي , يتم عبر مجموعة “إفريقيا والكاريبي والهادي” A.C.P” ” ، وهذه الوضعية هي التي تجعلنا نعتبر أن موقف كل من المغرب وتونس في الانخراط في المشروعين يعد تسرعا ويحمل في بعض أوجهه تخلياً ولو مؤقتا عن المشروع المغار بي , وما يؤكد هذا التحليل أنه بعد توقف مشروع ” النظام الشرق أوسطي ” وتعثر “الشراكة الأوروبية – المتوسطية” ، وخيبة الأمل التي أصابت الأطراف المغاربية التي كانت متحمسة لهذين المشروعين , عادت لمحاولة إحياء اتحاد المغرب العربي المتعثر ، وهذه السياسات المغاربية الموسمية تظهر أن المغرب العربي ليس ” خياراً استراتيجيا” كما تردد أغلبية الأقطار المغاربية , وإنما يستخدم هذا الشعار للاستهلاك الداخلي على غرار الخطاب العربي الذي لا يجد له أي تجسيد على الأرض .
بينما كانت الحكمة تقتضي أن تتكاتف جهود أقطار المغرب العربي لتفعيل اتحادها ليكون تعاملها مع هذين المشروعين , بإرادة جهوية تنطلق من المصلحة المغاربية , لجلب أكبر قدر ممكن من المكاسب وإبعاد ما يمكن إبعاده من المخاطر عن المنطقة ، لكي لا تتحول منطقة المغرب العربي من جديد إلى منطقة للصراع الدولي , كما كان في ظل الحرب الباردة بين الشرق والغرب .
ثانياً : العوائق والتحديات ذات الطبيعة البنيوية المزمنة .
نعني بالعوائق والتحديات ذات الطبيعة البنيوية المزمنة في العلاقات المغاربية , تلك المشاكل التي صاحبت ولادة فكرة المشروع المغاربي وعرقلته باستمرار ولم تستطع الأطراف المغاربية التخلص منها أو تسويتها طيلة النصف الثاني من القرن العشرين ، بالاضافة الى الثغرات والعيوب التي جاءت في معاهدة مراكش ، وساهمت هي الأخرى بدورها في تعطيل مسيرة الإتحاد المغاربي لتضاف إلى العوائق والتحديات البنيوية التي كانت موجودة أصلا والتي هي المسؤولة بالدرجة الأولى عن تعطيل المشروع المغاربي خلال العقود الماضية .
1) قضية الصحراء الغربية كعامل عرقلة لإتحاد المغرب العربي
لم يعرف المغرب العربي الحديث مشكلة أكثر تعقيداً أو خطورة من مشكلة الصحراء الغربية , ولم تدخل حكومات ما بعد الاستقلال في استنزاف متبادل , منذ حروب التحرير حتى اليوم , مثلما وقع مع هذه المشكلة التي لم تعرف نهاية بعد وليس في الأفق ما يبشر بحلها .
وهو ما يجعل قضية الصحراء هي العائق الأول أمام بناء المغرب العربي الموحد , وتجربة العقود الماضية تثبت ذلك , حيث كانت هذه القضية هي المسؤولة عن توقف تجربة اللجنة الدائمة الاستشارية المغاربية ، عندما اندلعت عام 1975 , كما أنها كانت هي السبب المباشر لتعطيل مسيرة اتحاد المغرب العربي عام 1995 وذلك عندما طلبت المغرب رسميا يوم 20\12\1995 من الجزائر التي كانت – تترأس اتحاد المغرب العربي في ذلك الوقت- “أن تعمل على توقيف نشاط المؤسسات المغاربية توقيفا مؤقتا” متهمة إياها بالتدخل في قضية الصحراء الغربية.
وتعتبر قضية الصحراء الغربية وليدة صراع الزعامة بين المغرب والجزائر في منطقة المغرب العربي المستمر منذ “حرب الرمال” سنة 1963 .
وقد ساعدت ظروف الحرب الباردة في السبعنيات من القرن العشرين في تعقيدها وإخراج وسائل حلها من إيدي اطراف المنطقة . والمفارقة أن قضية الصحراء الغربية ، هي الملف الوحيد المتبقي في منطقة المغرب العربي من ملفات الحرب الباردة .
ويمكن إرجاع استمرار هذه القضية إلى السياسة الجزائرية في المنطقة , لأن جبهة “البوليزاريو” في الواقع تعتمد في استمراريتها على الدعم الجزائري , رغم أن الجزائر شرعت منذ عام 1988 في تغيير جذري لسياساتها ومواقفها اتجاه كثير من القضايا الداخلية والخارجية نتيجة الأزمة العميقة التي عرفتها في عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين ، لكن هذه التغيرات الجذرية في السياسة الجزائرية لم تشمل قضية الصحراء الغربية .
ويجد دخول الجزائر في مشكلة الصحراء الغربية ودعمها المستمر لجبهة “البوليزاريو” تبريره في كونها دولة لها وزنها في المنطقة ولايمكن استبعادها من أي قضية بهذا الحجم بالأحرى إذا كانت على حدودها ومع دولة منافسة لها في زعامة المنطقة كالمغرب ، والمفارقة التاريخية في موقف الجزائر أنها من حيث المبدأ لا ترفض مغربية الصحراء الغربية كما هو معلن رسميا , لكنها تشترط أن يتم ذلك عن طريق استفتاء الأمم المتحدة ، وأن يترك للشعب الصحراوي حقه في تقرير المصير وترفض أن تضم الصحراء الغربية عن طريق الإلحاق القسري أو بالقوة إلى المغرب , فالجزائر تصر على ذلك , وتسعى لإرغام المغرب على موقفها ، لأن المغرب إذا قبل تقرير المصير “للشعب الصحراوي” عن طريق الاستفتاء , تصبح سابقة يمكن استخدامها في حالة استمراره في المطالبة بحقه التاريخي في تيندوف كحل , بالإضافة إلى مجموعة من العوامل الأخرى من بينها:
1- خوف الجزائر من هيمنة المغرب في المنطقة التي تعني استعادة بناء المغرب الكبير الذي يحلم به “الاستقلاليون”.
2- سعي الجزائر المستمر لإيجاد ممر يربطها بالمحيط الأطلسي.
3- الحرص الجزائري على إقامة توازن إقليمي مع المغرب في منطقة المغرب االعربي الكبير بصفة خاصة وفي حوض البحر الابيض المتوسط بصفة عامة .
ومن خلال الفقرات السابقة يتضح أن الخلاف بين المغرب والجزائر يتركز حول قضية الصحراء الغربية , وبالتالي فبدون حل هذه القضية , ليس من المتصور تحسن علاقاتهما ، وما لم تتحسن علاقات هذين البلدين فمن غير المتصور أي تقدم في مسيرة اتحاد المغرب العربي , بالإضافة إلى العوامل الإخرى التي سيتم التعرض لأهمها في هذا البحث.

2) التخلف الهيكل لاقتصاديات المغرب العربي:
كان الكثير من الباحثين يعتبر أن اختلاف السياسات الاقتصادية بين أقطار المغرب العربي هي العائق الأول أمام اندماج اقتصادياتها ، حيث كانت المغرب وتونس وموريتانيا تتبع سياسات اقتصادية ليبرالية , بينما اتبعت كل من الجزائر وليبيا , سياسة الاقتصاد الموجه لكن بعد توجه هذين البلدين لتحرير اقتصادهما , تبين أن تخلف اقتصاديات البلدان المغاربية وفقرها وتماثلها , هي العوامل التي تحول دون تكامل واندماج هذه الاقتصاديات وهو ما يؤدي إلى استمرار العلاقات العمودية لأقطار المغرب العربي مع الاتحاد الأوروبي , أي علاقات شمال –جنوب ، في حين كان من المفروض أن تكون علاقات هذه الأقطار بشكل أفقي وليس عمودي أي علاقات “جنوب-جنوب” وليست “جنوب – شمال”, لكن واقع المبادلات التجارية بين أقطار المغرب العربي مع الاتحاد الأوروبي يشير إلى أنها حوالي 70% من التجارة الخارجية لبلدان المغرب العربي , بينما لا تمثل بلدان المغرب العربي إلا حوالي 2% من مبادلات بلدان الاتحاد الأوروبي الخارجية .
وهذا الوضع المختل كثيرا ما يستخدمه الاتحاد الأوروبي كورقة للضغط في مفاوضاته مع الأقطار المغاربية , وخير مثال على ذلك مفاوضات الاتحاد الأوروبي مع المغرب حول موضوع الصيد.
وما لم تطور أقطار المغرب العربي من تجارتها البينية التي لا تصل في
أحسن الأحوال إلى 9% ، فإنها ستبقى تحت رحمة السياسات الأوروبية وعاجزة عن تحقيق اندماجها الاقتصادي ومن ثم السياسي الذي يعني في المحصلة النهائية الوحدة المغاربية .

3) تأثير غياب الديمقراطية على دور المجتمع المدني في البناء المغاربي
يتجدد اليوم الحديث عن الديمقراطية بشكل من الإلحاح باعتبارها في نظر البعض , هي المخرج الوحيد من حالة التفكك التي تعانيها هذه الأقطار , وكذلك الوسيلة الأفضل لإبعادها عن العنف الذي بات يتهددها , حيث يرى البعض أن مشاريع التعاون الوحدوي تنجح بمقدار ما يكون “المجتمع المدني” حاملها وفضاء تحققها ، ذلك أن هناك علاقة جدلية بين المجتمع المدني ووجود الديمقراطية غير المقيدة وغير المراقبة , تساهم في بناء المغرب العربي الشيء الذي جعل تجربة اتحاد المغرب العربي , التي بدأت مع نهاية عقد الثمانينات من القرن العشرين لا تختلف عن التجارب التي سبقتها وكان يغلب عليها الطابع الرسمي وبيروقراطيته . فلقد احتكرت المؤسسات الرسمية كما في التجارب السابقة كل أنواع المسؤوليات وهمشت إلى حد كبير دور المواطن ومؤسسات المجتمع المدني ، وقد ساعد في ذلك ضعف مؤسسات المجتمع المدني , من حيث التنظيم والممارسة وافتقارها إلى الوسائل الإعلامية لإبلاغ رسالتها إلى الجمهور .
وهذه العوامل هي التي حالت دون حوالي 83 منظمة من مؤسسات المجتمع المدني , ذات الطابع المغاربي التي تأسست في إطاراتحاد المغرب العربي , أن تلعب دورها في تحقيق الوحدة المغاربية ، وهوما يعني أن العبرة ليست بعدد منظمات المجتمع المدني , ولكن العبرة بفاعليتها ، إلا أن الفاعلية تتطلب قدرا من حرية الإرادة والحركية , وهي عوامل غير متوفرة لهذه المنظمات في الوقت الحاضر نتيجة هيمنة الدولة على الشأن العام ، وآثار ذلك السلبية بادية في عرقلة منظمات المجتمع المدني عن القيام بدورها في تحقيق التنمية والبناء المغاربي المشترك ، لأن البناء المغاربي المشترك يحتاج إلى مشاركة الجميع وتوفر إرادة الجميع , وهو ما يعني أن أزمة اتحاد المغرب العربي , هي في جزء منها أزمة مجتمع مدني ، وعلينا أن نتعلم من تجربة الاتحاد الاوروبي الذي ساعدته ديمقراطية انظمته على استمرار تجربته ووصولها إلى اهدافها.

4) تأثير الثغرات التي شابت معاهدة مراكش على اتحاد المغرب العربي:
لقد شاب معاهدة مراكش المنشئة لاتحاد المغرب العربي جملة من العيوب والثغرات , ساهمت في تعطيله بالاضافة إلى العوامل الآنفة الذكر وسنحاول فيما يلي إبراز أهم هذه العيوب و الثغرات :
أ- عدم تحديد مفهوم المغرب العربي في المعاهدة
لم تحدد معاهدة مراكش بشكل واضح مفهوم المغرب العربي ولا حدوده الجغرافية , بل إن “الصفة العربية” لم تعتبر ميزة خاصة أو معيار قبول أو رفض عضوية دول أخرى , حيث نصت المادة السابعة عشر من المعاهدة على ” للدول الأخرى المنتمية إلى الأمة العربية أو المجموعة الأفريقية أن تنضم إلى هذه المعاهدة إذا قبلت الدول الأعضاء ذلك” .
ب- مركزة القرارات في يد مجلس الرئاسة:
لقد جعلت المعاهدة كل القرارات في يد مجلس الرئاسة دون أن تمنح بعض الصلاحيات لهيئات الاتحاد التنفيذية , خاصة مجلس وزراء الخارجية وهو ما ساهم في تعطيل مسيرة الاتحاد ، لأنه إذا لم يجتمع مجلس الرئاسة , تتعطل كل نشاطات الاتحاد وذلك ما توضحه نص المادة السادسة “لمجلس الرئاسة وحده سلطة اتخاذ القرار ، وتصدر قراراته بإجماع أعضائه”.
ج- قاعدة الإجماع :
من المعروف أن قاعدة الإجماع في التنظيم الدولي , قاعدة معيقة لتطور هذا التنظيم مهما كان مستواه , وخير مثال على ذلك ما سببته قاعدة الإجماع من عرقلة لمؤسسات العمل العربي المشترك وعلى رأسها جامعة الدول العربية , الأمر الذي كان من المفروض أن تستفيد منه أقطار المغرب العربي في تجربتها الجهوية , لأنها تعرف مخاطر وعيوب قاعدة الإجماع على العمل الجماعي من خلال تجربتها في جامعة الدول العربية.
وجاءت قاعدة الإجماع في معاهدة مراكش في نص المادة السادسة كما يلي “…..وتصدر قراراته بإجماع أعضائه”.
د – تأثير عدم دخول الاتفاقيات حيز التنفيذ إلا بعد تصديقها من كل الدول
الأعضاء:
إن اشتراط أن لا تدخل أي اتفاقية حيز التنفيذ إلا بعد تصديقها من طرف كل البلدان المغاربية , يعتبر عامل تعطيل لمسيرة الاتحاد , والدليل على تعطيل هذه الآلية لسير الاتحاد , يبرز من خلال أنه من 37 اتفاقية تم إبرامها في إطار اتحاد المغرب العربي , لم يستكمل منها شروط الدخول حيز التنفيذ إلا ست اتفاقيات في حين كان من المفروض الاكتفاء بتصديقها من ثلاثة أعضاء من بلدان الاتحاد , لتسريع تنفيذها وكذلك إعطاء نوع من الفاعلية لمؤسسات الاتحاد ، لمنع طرف واحد أو اثنين من عرقلة مسيرة اتحاد المغرب العربي , وفي الوضع الراهن يمكن لأي طرف معترض على مشروع أو اتفاقية لاتخدم مصالحه المباشرة أن يوقف هذا المشروع أو الاتفاقية مهما كانت أهميته لتقدم مسيرة اتحاد المغرب العربي ، مع عدم اغفالنا لموضوع السيادة فيما يتعلق بتصديق المعاهدات ، لكن العمل الاندماجي بطبعه يتجاوز سيادة الأطراف المشاركة فيه ، لأنه ما لم تتنازل الاقطار المغاربية عن جزء من سيادتها لصالح الاتحاد لن يستطيع هذا الاتحاد تحقيق أهدافه ، بالاضافة إلى تراجع مفهوم السيادة المطلقة أمام المتغيرات المصاحبة للعولمة .

المحور الثالث: المنطلقات والمداخل التي ينبغي العمل من
خلالها لتحقيق الأهداف

من خلال الفقرات السابقة يتضح أن واقع اتحاد المغرب العربي في وضعه الراهن في غاية الصعوبة لما يواجهه من تحديات وعراقيل لم يستطع التخلص منها أو تجاوزها لبلوغ الأهداف التي أسس من أجلها ، لكن ذلك يجب أن لا يثبط من عزائم الباحثين والمهتمين بقضايا المغرب العربي ، بل ينبغي أن يكون محفزا لهم للبحث عن الحلول المناسبة لهذه المشاكل المطروحة وإيجاد الآليات والوسائل الكفيلة بتطوير وتفعيل اتحاد المغرب العربي لتحقيق الأهداف والطموحات التي تسعى الشعوب المغاربية لبلوغها من تنمية ورفاهية ، والتخلي عن الأساليب والآليات التي تم اتباعها خلال نصف القرن الماضي والتي كانت تركز على الجوانب المعنوية والروحية على حساب الأبعاد المادية ، بعد أن بينت التجربة أن التواجد في نفس المنطقة الجغرافية لا يحقق التكامل الاقتصادي بصفة تلقائية ، وكذلك أنه من غير الممكن تحقيق تكامل مغاربي فعال على أساس الدين والتاريخ والتكوين الثقافي والنفسي المشترك ـ فضلا عن الكفاح المشترك ـ وهي العناصر المؤسسة لفكرة المغرب العربي في وعي أبنائه دون اعتبار الحاجات الحاضرة المطروحة والمستقبلية المفترضة ، كما صار كذلك من غير الممكن بناؤه في ضوء الحاجات الواقعية والتحديات القائمة وحدها دون اعتبار للماضي وعوائقه ، بل لابد من رؤية واضحة تقوم على استراتيجية طويلة المدى وإرادة تعمل باستمرار لإنجازه .
وهذا من بين الأسباب التي تدفعنا إلى البحث عن آليات ومداخل يمكن أن تساعد في إعادة تحريك مسيرة اتحاد المغرب العربي من جديد .
وقبل تقديم المقترحات الضرورية من وجهة نظري لتفعيل اتحاد المغرب العربي سنقدم بعض المنطلقات التي يجب التأسيس عليها في البناء المغاربي .

المنطلقات والمبادئ المفترض الاتفاق عليها لبناء اتحاد المغرب العربي :
1 ـ ينبغي أن ننطلق في البناء المغاربي من المبدأ القائل ” ما لا يدرك كله
لا يترك كله ” .
2 ـ اعتبار اتحاد المغرب العربي خياراً استراتيجياً لضمان المستقبل وليس
حالة موسمية .
3 ـ أن ننفذ ما تم الاتفاق عليه في إطار اتحاد المغرب العربي ، ونؤجل ما
اختلفنا عليه .
4 ـ أن نتفق على ضرورة استمرار البناء المغاربي مهما كان بطؤ هذا
البناء ومهما كانت حدة الخلافات الثنائية التي تنشأ بين بعض الأطراف
المغاربية من حين لآخر .
5 ـ أن نعمق النظر في تجارب الماضي بشكل يضمن عدم تكرارها في المستقبل ، مع ضرورة الاستفادة من تجارب الآخرين .

المداخل والآليات المطلوب العمل من خلالها لتفعيل اتحاد المغرب العربي :
* المدخل السياسي :
1 – تسوية قضية الصحراء الغربية كمدخل لدفع مسار البناء المغاربي
لقد بينت تجربة العقود الماضية أنه بدون تسوية قضية الصحراء الغربية لايمكن للمسار المغاربي أن يتقدم باعتبارها عاملا لتغذية سياسة المحاور في إطار المغرب العربي ، وعاملا للتوتر الحاصل بين أكبر بلدين في المنطقة وهما المغرب والجزائر ، وبعد أن تبين كذلك أن مشروع الأمم المتحدة لتسوية هذه القضية لم يصل إلى غاياته بعد ، بل ظل يراوح مكانه مما يجعل الأطراف المغاربية ، مطالبة بالبحث عن طريق ثالث ، لحل هذه القضية لمصلحة المغرب العربي الكبير والطريق الثالث الذي نقترحه لحل قضية الصحراء الغربية يجب أن يرتكز على الأسس والحلول التالية :

أ ـ أن يترك للمغرب مظاهر السيادة الخارجية ، أي العملة والعلم والجيش
والسياسة الخارجية ، انطلاقا من أن المغرب لن يتنازل عن هذه العناصر مهما
كلفه الثمن ، لأن هناك اتفاقا في المغرب بين النخبة والسلطة على قضية
الصحراء الغربية .
ب ـ أن يعطى للصحراويين حكم ذاتي واسع الصلاحيات يمكنهم من تسيير
شؤونهم الداخلية بأنفسهم .
ج ـ أن تعمل بلدان المغرب العربي مجتمعة على إقناع الجزائر بالتخلي عن مبدأ
تقرير المصير الذي تنادي به للصحراويين وكذلك إقناعها بالتخلي عن
التمسك بمشروع الاستفتاء الأممي الذي يغطي نواياها في إبقاء الأزمة على
حالها.
د ـ أن تعمل بلدان المغرب العربي على إقامة مشروع “مارشال” في الصحراء
الغربية لإعمارها وإعادة إدماج وتأهيل اللاجئين الصحراويين فيها .
2) إعطاء دور مهم للمجتمع المدني في بناء اتحاد المغرب العربي
لقد أصبح من المعروف اليوم الدور الذي يلعبه المجتمع المدني على الساحة الإقليمية والدولية من تواصل بين المجتمعات وكذلك مساهمته في التنمية الأمر الذي يؤكد إعطاءه دورا مهما في البناء المغاربي لكي لا يبقى هذا البناء ، بناء “فوقيا” منحصراً على مستوى القمة فقط ، وإذا حصل خلاف على مستوى هذه القمة يتعطل البناء المغاربي وهو ما يتطلب البحث الجاد عن إيجاد السبل والآليات لإشراك مؤسسات المجتمع المدني في بناء اتحاد المغرب العربي ، وينبغي أن
يكون ذلك من خلال :
أ – العمل على تفعيل ما هو موجود من مؤسسات مجتمع مدني ذات طابع مغاربي ، حيث تم في الأعوام الأولى من عمر الاتحاد تأسيس الكثير من مؤسسات المجتمع المدني ، وما تحتاجه اليوم هذه المنظمات هو التفعيل وإعطاؤها الحيوية اللازمة .
ب – إعطاء مؤسسات المجتمع المدني مساحة كافية من الحرية للتحرك والمبادرة على المستوى المغاربي لخلق التواصل المطلوب بين البلدان المغاربية والمساهمة في تنمية التعاون بينها وربط جسور للتواصل الدائم بين مواطني المغرب العربي يشعرهم بمسؤوليتهم ودورهم الحاسم في البناء المغاربي .
3 ـ ضرورة تجاوز الجدل بين الوطني والمغار بي :
وذلك بالملاءمة بين المشاريع الوطنية والمشاريع المغاربية وإحلال الوطني في الجهوي لتنمية الأرضية لقيام هذا الأخير كإطار أرقى وأشمل واستعانة الجهوي بالوطني لإخراجه من أزماته ووضع في حوزته من عناصر القوة الاقتصادية والسياسية بما يمكنه من تحقيق أهدافه ، فتحديات الحاضر ورهانات المستقبل تفرض التخلي عن الحسابات الوطنية الضيقة لصالح رؤية مستقبلية ، تسعى إلى تحقيق اندماج جهوي يحمي مصالح الحاضر ويجنب أجيال المستقبل مخاطر الضياع .
4ـ ضرورة التخلي عن فكرة الدولة القائد :
لقد انتهى الزمن الذي كانت تستطيع فيه دولة واحدة أن تلعب داخل إقليمها أو في إطار أي تجمع جهوي ، دور الدولة “القائد ” التي تحتكر تمثيل “شقيقاتها الصغرى ” وتوجه حركتها وتلزمها بالخضوع ، فلم يعد لأي تجربة تعاون يراد لها النجاح أن تعتمد على هذا النوع من السلوك ، بل أصبح من الضروري العمل على خلق علاقات متكافئة بين الأقطار المغاربية في علاقاتها المشتركة ، لأن هناك حقيقة لا مناص منها وهي أن التكافؤ في العلاقات ، هو الذي يسمح باستمرار التعاون وتنميته على قاعدة المصلحة الجماعية ولعل تجربة الاتحاد الأوروبي خير مثال على ذلك .
5ـ العمل على خلق تصور مشترك حول البناء المغاربي :
الاختلاف في التصور يؤدي إلى تضارب في المسالك إزاء السعي إلى إنجاز البناء المغاربي ، لأن الغموض في التصور من شأنه أن يؤدي إلى اضطراب في التطبيق أو فشله ، وما فشل محاولات التكامل المغاربي السابقة إلا نتيجة لنقص في التصور المشترك للمنطلقات الضرورية لتحقيق التكامل المغاربي.
6 ـ أهمية الاستفادة من التوجه الدولي الداعم للاندماج المغار بي :
يمكن للإطراف المغاربية الجادة في بناء اتحاد المغرب العربي والساعية إلى تجسيده على أرض الواقع أن تستفيد من التوجهات الجديدة للإطراف الغربية خاصة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية اللذين أصبحا يرغبان في تحقيق نوع من التكامل والاندماج المغاربي ولكل منهما مواقفه ومصالحه التي تقف وراء هذا التوجه الجديد ، وهو ما يجعل الأطراف المغاربية اليوم مدعوة للاستفادة من هذا التوجه ، خاصة التوجه الأوروبي الجديد الساعي إلى تحقيق اندماج المغرب العربي اقتصاديا ، بعد أن كان يعارض أي نوع من أنواع التقارب المغاربي في القرن الماضي نتيجة للمتغيرات الدولية الحاصلة في العقود الأخيرة .
7 ـ العمل بشكل جماعي لمواجهة المشاكل المشتركة:
من المعروف أن الأقطار المغاربية تعاني من مشاكل وإن بدرجات متفاوتة مثل المديونية الخارجية والبطالة والهجرة والتطرف الديني ، وهي مشاكل لا يمكن لأي قطر من الأقطار المغاربية حلها بمفرده ، مما يستدعى من الأطراف المغاربية توحيد سياساتها وجهودها لحل هذه المشاكل بشكل جماعي .
8 ـ إنشاء مؤسسة مغاربية للدراسات المستقبلية :
انطلاقا من تجارب الآخرين أصبح من الأهمية بمكان تأسيس مؤسسة مغاربية للدراسات المستقبلية ، لإعطاء البدائل الموضوعية لصانعي القرار في المغرب العربي من خلال التركيز على استشراف مستقبل المنطقة في واقعه المحلي والإقليمي والدولي ، لأنه أمام التداخل الحاصل في العلاقات الدولية ، يصعب اختيار المسار الممكن واللائق بدون دراسات وبحوث معمقة للواقع من كل جوانبه وتعقيداته قصد استجلاء الطرق الأنجع اتباعها من أجل تحقيق التعاون والتنمية المغاربية ، وكذلك من اجل أن تكون هذه المؤسسة مدرسة لتخريج الكوادر لدعم أجهزة ومؤسسات الاتحاد بالكفاءات العلمية القادرة على إعداد البرامج في جميع المجلات وبالخبرة المطلوبة.

* المدخل القانوني :
من أجل إعطاء دفع جديد لاتحاد المغرب العربي أصبح من الضروري إعادة النظر في بنيته القانونية والمؤسسية ، بعد أن بينت التجربة أن معاهدة مراكش المنشئة للاتحاد حملت الكثير من العيوب والثغرات عند إبرامها ، والتعديلات والإصلاحات القانونية المطلوبة ينبغي أن تكون على النحو التالي من وجهة نظرنا:
1 – التخفيف من مركزية مجلس الرئاسة :
لقد حصرت معاهدة مراكش القرار بيد مجلس الرئاسة ، والمطلوب اليوم هو الحد من الصلاحيات المعطاة لهذا المجلس وتحويل أغلبية هذه الصلاحيات للأجهزة والمؤسسات التنفيذية والاستشارية والفنية ، بحيث تكون الصلاحيات المعطاة لهذه المؤسسات التنفيذية تتناسب مع المهام المناطة بها وبالذات مجلس وزراء الخارجية وكذلك ضرورة إعطاء هذا المجلس الآليات التي تسمح له بتنفيذ قراراته والقدرة على الاجتماع في أي وقت .
2 – إلغاء مبدأ الإجماع في اتخاذ القرارات :
إن مبدأ الإجماع يشل العمل الجماعي ، لأن اعتراض أي طرف على قرار ما يعطل مسيرة الاتحاد وهو ما يجعل الأطراف المغاربية مطالبة بإلغائه وإحلال مبدأ الأغلبية محله ، لإعطاء مسيرة الاتحاد نوعا من الدفع والسرعة اللازمين لمواكبة المتغيرات الدولية ، والاستفادة من تجربة جامعة الدول العربية التي ساهمت قاعدة الإجماع في فشل تجربتها خلال نصف القرن الماضي .

3 – إعطاء الأمانة العامة الصلاحيات الضرورية :
ينبغي نقل الأمانة العامة لاتحاد المغرب العربي من جهاز إداري يقوم بأعمال السكرتيرية ، إلى جهاز قوي قادر على بناء نظام جهوي فوق وطني يربط بين أقطار المغرب العربي بروابط حيوية تفرض على كل منها الالتزام بالقرارات المشتركة ، من خلال تزويد الأمين العام بالصلاحيات اللازمة لمخاطبة أعضاء الاتحاد الذين لا يلتزمون بالقرارات لتنفيذها ، وهو ما يتطلب من الأقطار المغاربية ضرورة التنازل عن جزء من “سيادتها” لصالح النظام الجهوي الذي أقامته في إطار اتحاد المغرب العربي خدمة لمصالحها الاستراتيجية .
4 – ضرورة إلغاء المبدأ القاضي بعدم دخول الاتفاقيات المبرمة في إطار اتحاد المغرب العربي حيز التنفيذ إلا بعد تصديقها من كافة البلدان المغاربية ، والاقتصار على تصديقها من أغلبية أعضاء الاتحاد فقط أي ثلاثة أقطار مغاربية .
5 ـ أهمية تحديث وتحيين البنية القانونية لاتحاد المغرب العربي :
لقد أنجز الاتحاد المغاربي في سنواته الخمسة الأولى كما معتبرا من الاتفاقيات التي تهم كافة الأنشطة والقطاعات ، وبعد مرور هذا الوقت الطويل من الزمن على وجودها مع عدم تنفيذها وكذلك المتغيرات الاقتصادية والسياسية الحاصلة في العالم بفعل العولمة الاقتصادية المتسارعة وكذلك انضمام بعض بلدان المغرب العربي إلى منظمة التجارة العالمية وما تفرضه من شروط تجارية محددة على أعضائها ، وكذلك دخول أغلبية بلدان المغرب العربي في إطار الشراكة الأوروبية ـ المتوسطية ، أصبح من الضر وري على بلدان اتحاد المغرب العربي تحديث وتحيين المعاهدات المبرمة في إطار هذا الاتحاد لمواكبة المتغيرات الدولية الحاصلة في العقدين الأخيرين من القرن العشرين .
6 ـ أهمية استكمال البناء المؤسسي لاتحاد المغرب العربي:
من المعروف أن معاهدة مراكش المنشئة لاتحاد المغرب العربي والاتفاقيات اللاحقة نصت على جملة من المؤسسات بعضها أنشئ وبعضها لم يتم تأسيسه بعد وهو ما يستدعي إعادة النظر في ما هو قائم من مؤسسات اتحاد المغرب العربي ومعالجة القصور فيها وتأهيلها لتمكينها من القيام بالأدوار التي أسست من أجلها ، وخاصة مجلس الشورى والهيئة القضائية المغاربية .
أما المؤسسات التي لم تقم بعد والتي من المفترض التعجيل بقيامها وخصوصاً تلك المؤسسات التي يعتبر نشاطها على اتصال بالمواطن المغاربي بشكل مباشر مثل الجامعة المغاربية والأكاديمية المغاربية للعلوم والمصرف المغاربي للاستثمار والتجارة الخارجية .
* المدخل الاقتصادي
1 ـ العمل على إطلاق نشاط المصرف المغاربي للاستثمار والتجارة الخارجية لما يشكله هذا المصرف من أهمية لتنمية التجارة البينية المغاربية وكذلك لقدرته على تحفيز الاقتصاديات المغاربية وجلب الاستثمارات الأجنبية ، خاصة بعد أن اتفق وزراء الاقتصاد والمالية للاتحاد في مارس 2002 على إحياء مشروعه وحددوا رأس ماله ب500 مليون دولار، كما أن وجود هذا المصرف في المستقبل يساهم في إيجاد عملة موحدة تساعد هي بدورها على تطوير المبادلات المغاربية البينية .
2 – العمل على تنظيم منتدى مغاربي لرجال الأعمال والمستثمرين بشكل دوري ، بهدف تنشيط الآليات المتوفرة بقصد تبادل الخبرات والتجارب مع تفعيل ما هو موجود من غرف التجارة المشتركة وجمعيات رجال الأعمال المغاربية .
3 ـ تعزيز ما هو قائم من نقل بحري وجوي وبري بين البلدان المغاربية ، وتشجيع فتح خطوط نقل بري وبحري وجوي بين البلدان التي لا توجد بينها مثل هذه الخطوط .
4 ـ تشجيع التعاون الثنائي بين بلدان المغرب العربي ، كطريق لتعزيز التكامل الاقتصادي الجماعي المغاربي .
5ـ تشجيع حركة رؤوس الأموال والأفراد بين الأقطار االمغاربية .
6 ـ العمل على جمع وتدوين النصوص القانونية والإجرائية المتعلقة بالاستثمارات في بلدان اتحاد المغرب العربي والعمل أيضا على تحيينها مع توحيد التشريعات المتعلقة بالصادرات .
7 ـ العمل على وضع استراتيجية مغاربية تتبنى مقاربة شمولية في المجال الاقتصادي وفي العلاقات بين الدولة والقطاع الخاص تهتم أساسا باحترام المبادئ الأساسية للشفافية والمنافسة الشريفة .
8 – تنسيق السياسات السعرية والجبائية والمالية والنقدية في ميادين مراقبة الصرف والتأمين وإعادة التأمين .
9 ـ تعميم الاتفاقيات الثنائية للدفع بين البنوك المركزية من أجل استعمال
العملات المغاربية .
10 ـ اتباع مسيرة مشتركة لضمان تحول البلدان المغاربية نحو قابلية
تحويل عملاتها ، وذلك لاجتناب اللجوء إلى ممارسة التخفيضات النقدية
التنافسية والتي تكون عواقبها وخيمة على كل البلدان المغاربية .
وفى ختام هذا البحث نشير الى أن ضعف النتائج المحققة على مستوى اتحاد المغرب العربي والتأزم الدائم في العلاقات المغربية الجزائرية بسبب قضية الصحراء الغربية والتوتر المستجد في العلاقات الليبية الموريتانية , يجب أن لا يجعلنا نتشاءم أو نركن إلى اليأس , وإنما يجب أن تدفعنا كل هذه العوامل إلى العمل المتواصل والبحث عن السبل و الآليات التي تمكننا من دفع مسيرة اتحاد المغرب العربي إلى الأمام ، منطلقين من مقاربة مستقبلية , تركز على دعم المكاسب والتقليل من الجوانب السلبية والعمل على تأسيس مفهوم جديد للتكامل يقوم على تعزيز التضامن وزيادة المنافع المتبادلة بين جميع أعضاء الاتحادِ المستندة إلى منطق توزيع العمل والأختصاصات والتكامل في المسؤوليات والاعباء من أجل تحقيق الإندماج الفعلي ، داخل فضاء مغاربي يمتلك كل مقومات البقاء والقدرة على التأثير الإيجابي فى المتغيرات الدولية ، في ظل عصر العولمة الذي لايعرف إلا منطق الفعل المستند على القوة الإقتصادية القائمة على الإنتاجية والمردودية , وذلك يقتضي الجدية فى البناء المغاربي وانضاج المشاريع المشتركة، ومعالجة العقبات المعترضة وحساسيات الماضي وتقديم الحلول الممكنة للخلافات المستجدة بأناة العقل وسماحة الحوار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *